مهمة شاقة.. إزالة التطرف من مواقع التواصل

د. عبدالعاطي محمد –

عظيم أن تقرر كبريات شركات التكنولوجيا المعنية بمواقع التواصل الاجتماعي التصدي بعمل جماعي فيما بينها للتطرف والإرهاب وحذف محتواهما من منصاتها، وذلك بالرغم من مرور زمن طويل عانت فيه البشرية جمعاء من هذا الوباء، لكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا.
والخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء يتضمن إعلان الشركات العملاقة المسؤولة عن مواقع التواصل الشهيرة مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وكذلك محركات البحث مثل جوجل أنها قد قررت تشكيل مجموعة عمل عالمية تأخذ شكل منتدى عالمي للإنترنت (الشبكة العالمية للمعلومات) لمكافحة التطرف والإرهاب لدمج جهود هذه الشركات العملاقة لإزالة المحتوى المتطرف والإرهابي من منصاتها المختلفة والوقوف في وجه المتطرفين.
ووفقا لبيان صدر بهذا الشأن فإن المنتدى سيضفي الطابع الرسمي على مجالات التعاون الحالية والمستقبلية بين الشركات، ويعزز التعاون مع الشركات الأصغر ومجموعات المجتمع المدني والأكاديميين والحكومات والهيئات الوطنية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وقالت الشركات إنها ستتشارك الحلول الفنية لإزالة المحتوى الإرهابي والعمل بشكل أكبر مع خبراء مكافحة الإرهاب.
وكما هو معروف فإن المهمة ذاتها، أي مكافحة التطرف والإرهاب على منصات شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة كانت موضع اهتمام بل وتفعيل عبر محاولات عديدة من جانب هذه الشركات العملاقة، كما أن فكرة المنتديات العالمية ليست جديدة حيث تمت الدعوة لها في السابق وظهرت أشكال لها في منطقتنا العربية والإسلامية، ولم تكن بعيدة عن مناشدات ومطالبات المراكز المتخصصة العربية والإسلامية خصوصا أن منطقتنا كانت ولا تزال أكبر المتضررين من هذا الوباء، ولكن جميع هذه الجهود لم تؤتِ ثمارها المرجوة بدليل استمرار نشاط الجماعات المتطرفة والإرهابية التي تحسن استخدام هذه المنصات، بل واتساع هذا النشاط حتى أن بعض مراكز البحوث الغربية المتخصصة اعترفت صراحة بأن الغرب يخسر معركته مع هذه القوى عبر هذه الآلية، وحيث الأمر كذلك فإن الشركات العملاقة في هذا المجال ظلت موضع انتقاد حاد من أغلب الجهات الرسمية على مستوى العالم، فضلا عن الهجوم الحاد والمتواصل من جانب الإعلاميين والسياسيين والخبراء المعنيين بمكافحة التطرف والإرهاب.
وكانت الحجج المطروحة من جانب هذه الشركات العملاقة تبريرا لعجزها عن القيام بمهمة التصدي لهذه الظاهرة تتركز في ثلاث مجموعات من الحجج، الأولى ذات طابع سياسي محض تتعلق بمشكلة التوازن بين الحرص على عدم المساس بحرية التعبير وكذلك الحريات الخاصة وبين توفير الأمن والاستقرار للكافة، وكانت الآراء تميل إلى استمرار العمل بنفس الأسلوب أي الإتاحة للجميع للتعبير عن رؤاه ومواقفه استنادا إلى المبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 وأن تترك مهمة التصدي للأجهزة الرسمية وتحديدا الأجهزة الأمنية، وما عزز من هذا النوع من الحجج غياب التشريعات والقوانين التي تنظمه أو تجبر المنصات المختلفة على منع المحتوى المتطرف.
والثانية ذات طابع فني محض، بمعنى أنه من الصعب للغاية السيطرة من الناحية الفنية على المحتوى المتطرف والإرهابي، لأن ذلك يحتاج إلى وضع آليات فنية مبتكرة لها نفقاتها العالية وتحتاج لزمن طويل للوصول إليها وتجربتها، خصوصا في ظل الانتشار الكثيف لمواقع التواصل ومحركات البحث ولكل منها أسراره الفنية في العمل التي لا يبوح بها. وكلما كانت توجه اتهامات بالتقصير كانت الشركات ترد بأنه على سبيل المثال لا الحصر، التدوينات غير المشروعة يمكن أن تظهر مرة أخرى بمجرد رصدها أو إزالتها على هذا الصعيد، بمعنى أن الحيل الفنية للتخلص من الحذف عديدة وممكنة ومن ثم تستمر بعض المنشورات والتغريدات كما هي من موقع إلى آخر!.
والثالثة ذات طابع تجاري محض، فالمعروف أن جميع هذه الشركات قد حققت أرقاما فلكية من مليارات الدولارات من وراء نشاطها الذي تتعامل معه أساسا كسلعة أو نشاط تجاري لا يعرف سوى لغة المال، ولا شأن لها بمحتواه ولا بتداعياته، وهى لا تريد بالطبع أن تخسر دولارا واحدا يعود عليها من هذا العمل، خاصة في ظل التنافس الكبير بينها لكسب الملايين من المتابعين لها والمعتمدين عليها في نشاطهم حتى لو كان نشاطا تخريبيا.
ولكن تسارع وتيرة الأحداث الإرهابية في أكثر من بلد أوروبي مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، بل وبريطانيا التي كان آخر حادث إرهابي تتعرض له هو في عام 2005 (الهجمات على مترو الأنفاق) قبل أن تواجه في العام الأخير سلسلة من الهجمات الإرهابية، وكذلك الولايات المتحدة ذاتها، هذا التسارع أقلق الغرب إلى حد كبير وأوجد رأي عام مناهض لأداء شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها الآلية التي ثبت لجوء المتطرفين إلى استخدامها لزعزعة الاستقرار بما في ذلك استهداف المسلمين هناك أيضا. وانتقل قلق الرأي العام إلى السياسيين والحكومات ذاتها، وبدأت الحكومات في ترجمة القلق إلى ضغوط سياسية على الشركات العملاقة المسؤولة عن شبكات التواصل الاجتماعي، وتحركت بريطانيا التي كانت أقل الدول الغربية حماسة لمراجعة مهمة هذه المنصات عندما وقع حادث ويستمنستر الذي راح ضحيته أربعة أشخاص وتبين أن مرتكب الحادث كان يتواصل عبر تطبيق الرسائل الإلكترونية «واتساب» قبل تنفيذ الهجوم بدقيقتين، وعليه طالبت الجهات المسؤولة بتمكين أجهزة الاستخبارات من الإطلاع على الرسائل الإلكترونية المشفرة، وكانت فرنسا التي تعرضت على مدى العامين الماضيين لأحداث إرهابية بشعة قد قررت عبر المحكمة الدستورية إمكانية تصفح المواقع المتشددة التي تحث على أعمال إرهابية، أما ألمانيا فقد اقترحت قانونا يلزم شبكات التواصل الاجتماعي بدفع غرامة قيمتها 50 مليون يورو إذا أخفقت في إزالة المنشورات البغيضة والمحرضة على الإرهاب بشكل سريع. ولا شك أن العنصر الحاسم في تغيير الموقف الغربي من أداء شبكات التواصل الاجتماعي هو الهجمات التي بدأ تنظيم «داعش» في شنها على العواصم الغربية من داخلها سواء عبر الخلايا النائمة أو ما يعرف بالذئاب المنفردة، خصوصا بعد أن تراجع التنظيم في سوريا والعراق وباتت نهايته قريبة، حيث قرر أن ينقل المعركة إلى داخل أوروبا، ومعلوم أن هناك أعدادا بالمئات من مواطني بعض الدول الأوروبية قد انضموا للتنظيم (يتردد أن هناك نحو 1500 فرنسي في صفوف التنظيم ) ومن المتوقع عودة هؤلاء إلى بلادهم مع القضاء على التنظيم تماما مما يشكل خطرا كبيرا على أمن هذه البلاد، ومعلوم أيضا أن العواصم الغربية اقتنعت عبر خبرائها بأن التطرف هو مصدر العمل الإرهابي، وأنه يتأتى وينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم كان القرار الجماعي الغربي هو التحدث مع كبريات الشركات المسؤولة والضغط عليها بقوة للقيام من جانبها بعمل جماعي لتخليص شبكات التواصل من المحتوى المتطرف والإرهابي، واللافت أن الخطاب الرسمي الغربي أسقط ما كان يتردد تحت عنوان التطرف العنيف باعتباره هو المسؤول عما جرى والإشارة فقط إلى مصطلح التطرف.
هكذا دعا زعماء الاتحاد الأوروبي صراحة إلى تشكيل المنتدى العالمي الذي يجمع جهود الشركات العملاقة لتخليص منصات التواصل من المحتوى المتطرف، واستجابت الشركات تحت الضغط السياسي الجديد لهذا المطلب، ولكن المتداول من المعلومات وحتى يرى هذا المنتدى النور فيه من أوجه الغموض أكثر مما فيه من الوضوح، ويتعامل مع قضايا معقدة ليس من السهل في الأجل المنظور أن ينجح في حل شفراتها على الأقل من جوانبها الشكلية والقانونية، فوفقا لبيان الشركات العملاقة بهذا الخصوص فإن المنتدى سيصوغ ويضع هيكلا لمجالات التعاون الحالية والمستقبلية بين الشركات وسيدعم التعاون مع شركات تكنولوجيا أصغر ومنظمات للمجتمع المدني وأكاديميين وحكومات وكيانات مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتوصل إلى صيغة للكيان الجديد في إطار هذا الكم الكبير من الشركاء مهمة صعبة بكل المقاييس لأن لكل منها تصورها وقواعدها المفترضة للقيام بهذه المهمة. ويحتاج المنتدى لأساس قانوني أي إلى تشريعات قانونية يتم الاتفاق عليها، وقد ينجح الاتحاد الأوروبي في توفير الغطاء القانوني، ولكن من الصعب وضع تشريعات قانونية للشركات الأصغر التي تعمل على مساحة واسعة من العالم، ومن جهة أخرى فإنه من المفترض أن تشمل مهمة المنتدى تحسين العمل الفني فيما بينها بإيجاد قاعدة فنية قادرة على تحديد تلقائيا الصور ومقاطع الفيديو التي تضم محتوى متطرفا، مع تبادل أفضل للممارسات بشأن تقنيات الكشف عن المحتوى المتطرف باستخدام الذكاء الاصطناعي!. وكلها مسائل معقدة فنيا وتحتاج إلى وقت وتجارب لإثبات نجاحها، إلا أن هناك مشكلة أخرى لها ما بعدها وهي ربط مهمة المنتدى الجديد بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات وخبراء مكافحة الإرهاب، لأن النتيجة في هذه الحالة ستكون انتقائية، فضلا عن هيمنة هذه الأجهزة على المهمة بأكملها، وفي أخف الأحوال سيكون الشد والجذب هو سمة العلاقة بين الشركات وهذه الأجهزة مما يحد من فرص النجاح.