التمايز بين الدولة ومهام الدين

عبد الله العليان –

طرح الكثير من الكتاب مسألة العلاقة بين الدين والدولة، خاصة في عصرنا الراهن، وهل هناك تمايز بين مهام الدولة ومهام الدين ؟..
ولا شك أن العديد من الباحثين والمفكرين الإسلاميين، يرون أن هناك تمييزا واضحا ومحددا بين مهام المؤسسات الدينية والمؤسسات المدنية، فكل جهة مهامها وعملها، ولا يجوز أن تتغول مؤسسة على مؤسسة أخرى، ولذلك ليس هناك فصل تام بين الدولة والمؤسسات الدينية، بل هناك تمييز بينهما في الفكر الإسلامي منذ العصور الأولى لظهور الإسلام، فالدولة ترعى المجال الديني، وتقوم بما تفرضه القيم الإسلامية من مهام ومسؤوليات تجاه الدين، دون أن تتدخل هذه المؤسسات في أعمال المؤسسات المدنية، كما حدث في تدخلات الكنيسة في مهام الدولة في الغرب في العصور الوسيطة وما بعدها، مما حدا ببعض المفكرين والفلاسفة والحركات المناهضة للكنيسة في القرن السابع عشر والثامن عشر، إلى تحجيم دور الكنيسة الغربية، وهذا لم يتم في أي عصر من العصور الإسلامية، لكن بعض الباحثين الغربيين من المستشرقين، يرون أن كل المؤسسات الدينية، تنطلق من مفاهيم واحدة في أهدافها، لكن الكثير من الكتاب والباحثين العرب، ومن د. محمد عابد الجابري، يخالفون هذا الرأي، ويرى أن الإسلام لا يحتاج إلى العلمانية، ولا يوجد به كنيسة للفصل بينهم وبين الدولة، وعند الشيخ محمد عبده في مسألة التمييز بين السلطة المدنية في الإسلام والسلطة الدينية، كما وجدت في الغرب قبل قيام حركة الإصلاح الديني في القرن السابع عشر أنه في الإسلام لا يجوز «لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج (ثيوقراطيا) أي سلطاناً إلهياً فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله وله حق الأثرة بالتشريع وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة بل بمقتضى الإيمان فليس للمؤمن ما دام مؤمناً أن يخالفه، وأن يعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه».
من هنا كان الشيخ محمد عبده واضحاً وناجزاً في مسألة التمييز بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وعندما كان يساجل ضد فكرة وجود سلطة دينية في الإسلام كما يقول د.عبد الإله بلقزيز في كتابه [الفكر الإسلامي المعاصر] «لم يكن يجاري المستشرقين (رينان، هانوتو..)، ولا كان حتى يقارعهم بحجتهم، بل كان يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين تذرعوا بالمسألة ليؤسسوا عليها حكماً سياسياً استبدادياً، على خلفية قولهم إن الإسلام لا يقيم فاصلاً فيه بين الدنيوي والروحي، الزمني والديني.
فإذ ينكر محمد عبده «جمع السلطتين في شخص واحد: أي السلطة الزمنية والسلطة الدينية، يذهب أبعد من ذلك إلى التأكيد على أنه ليس في الإسلام «تلك السلطة التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية، عندما كان يعزل الملوك، ويحرم الأمراء، ويقرر الضرائب على الممالك، ويضع لها القوانين الإلهية..»
ولذلك فإن الشيخ محمد عبده قد اهتم بالجانب السياسي الإصلاحي البعيد عن مقولة «المستبد العادل» التي قيلت عنه، وقد أرجع الشيخ محمد عبده فساد الأوضاع السياسية كما يقول د. برهان غليون «إلى سبب رئيسي هو فساد تربية الحاكم والمحكوم معاً، حتى جهل الأول مسؤولياته تجاه الأمة، وغابت عن الثاني حقوقه على الحاكم.
ولذلك اعتبر أن إصلاح التربية الإسلامية هو الطريق إلى إصلاح الأوضاع السياسية، وقد أقام على هذه الرؤية نظرته التي تجعل من تكوين الرأي العام وتقدم تربيته حجر الزاوية في العمل السياسي من أجل التغيير. ومن الطبيعي أن يؤدي به ذلك إلى تبني الليبرالية ورفض الثورية والانقلابية التي تعتقد أنها بمجرد تغييرها للمراسيم القانونية قادرة على تغيير المجتمع وإصلاحه».
وقد أوضح الشيخ محمد عبده في كثير من الأفكار التي طرحها في مدنية السلطة في الإسلام المؤسسة على الشورى وإجماع الأمة: «إن أفضل القوانين وأعظمها فائدة هو القانون الصادر عن رأي الأمة العام، أعني المؤسسة على مبادئ الشورى، وأن الشورى لا تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة».
ولا يستطيع باحثٌ عادلٌ ومنصفٌ أن ينكر ما أكد عليه الشيخ محمد عبده في قضية مساوئ الاستبداد ومخاطره على الأمة والدولة وبالتالي المجتمع تأثيره على التماسك الاجتماعي بصفة عامة وقد أكد على مدنية «السلطة في المجتمع، ومدنية مؤسسات هذا المجتمع التي لا تفرّق بين المواطنين بحسب معتقداتهم، بل بحسب موقفهم من المجتمع ودورهم فيه.
والمجتمع المدني عنده هو مجتمع المواطنين الذين قد يختلفون في العقيدة والمذاهب، إلا أنهم يتكلمون لغة واحدة ويحرثون في أرض واحدة، الجميع إخوان، حقوقهم في السياسة والقوانين متساوية. تمسك بالشورى كأداة لكبح جماح السلطة والحاكم، ومعنى المستبد هنا الذي قصده الشيخ محمد عبده كما يقول برهان غليون ليس المتعسف وإنما «أن يرجع الأمر في تنفيذ الشريعة إلى فرد واحد، فهو غير ممنوع في الشرع ولا في العقل، لكن تقييد الحاكم بالشريعة غير كاف، إذ لا بد من طائفة تتحقق بمعاني الشريعة فيقومونه عند انحرافه ويحضونه على ملازمتها.
وهذا يعني أن مفهوم المستبد المقصود هو الشخص الحازم العادل، الذي يضع الأمور الموكولة إليه في حزم وعدل وقوة دون تردد في اتخاذ القرار، وقد تم توضيحها آنفا في تحديد المفهوم السلبي للاستبداد في التاريخ الأوروبي، والتفرقة بينه وبين مفهوم الاستبداد في التراث العربي الإسلامي.