لماذا يُقتَل المدنيون في سوريا والعراق؟

ميكاه زينكو / ترجمة قاسم مكي –
نيويورك تايمز –

قبل أسبوعين (تاريخ المقال 19 يونيو) أقرّ الجيش الأمريكي أخيرا بما كانت تزعمه مجموعات مراقبة غير حكومية على مدى شهور وهو أن التحالف الذي يحارب داعش بقيادة الولايات المتحدة منذ أغسطس 2014 ظل يقتل المدنيين العراقيين والسوريين بمعدلات مذهلة في الشهور الأربعة الأخيرة بعد تولي الرئيس ترامب الرئاسة.

فقد كانت المحصلة «خسائر مذهلة في أرواح المدنيين»، حسبما ذكر رئيس اللجنة الأممية المستقلة للتحقيق في الحرب الأهلية السورية في وقت سابق هذا الشهر، وكانت القيادة المركزية للولايات المتحدة (سينتكوم)، وهي القيادة العسكرية المسؤولة عن الشرق الأوسط، ذكرت في بيان يوم 2 يونيو أن « 484 مدنيا على الأقل قتلوا دون قصد في ضربات التحالف».
وقبل أربعة شهور من ذلك كانت (سينتكوم) قد أشارت إلى مقتل 199 مدنيا على الأقل حتى ذلك التاريخ في حملة القصف، أما تقديرات المراقبين المستقلين فأعلى بكثير من ذلك، تقول أيروارس (الحروب الجوية)، وهي مجموعة مراقبة ورصد، أن ضربات التحالف قتلت ما يقرب من 4 آلاف مدني، لقد ارتفعت أعداد القتلى من المدنيين أساسا لأن القتال توغل عميقا إلى داخل المدن الكبرى.
ولكن فيما تشهد أعداد القتلى تصاعدا، تقلص القوات الأمريكية، من جهة أخرى، جهود الإشراف والتحريات والمحاسبة المتعلقة بالخسائر المدنية. فباكتشاف أسباب هذه الأخطاء المأساوية والنظر فيما يمكن تعلمه منها وتطبيق المعايير الخاصة بالقوات الأمريكية يمكن إنقاذ الآلاف من الأرواح.
لقد منح ترامب الجيش «تفويضا تاما» بتقرير حجم القوات التي سيتم استخدامها وكيفية استخدامها، وهي سلطة كان يتشدد البيت الأبيض في الاحتفاظ بها في أثناء إدارة اوباما. ولكن وزير الدفاع جيمس ماتيس أصر في 28 مايو على القول بأن قواعد الاشتباك لم تتغير، فقد قال «لا يوجد تراخٍ في عزمنا على حماية الأبرياء». يشكل الارتفاع في عدد القنابل التي تسقطها الولايات المتحدة أحد أسباب الزيادة الضخمة في الوفيات وسط غير المقاتلين.
فقد حدثت زيادة بنسبة تزيد عن 20% من آخر أربعة أشهر لرئاسة أوباما إلى أول أربعة أشهر لرئاسة ترامب، أيضا تم توجيه المزيد من الضربات في المناطق المأهولة مثل الموصل، آخر معقل لداعش في العراق.
وكانت قنبلة زنة 500 رطل تستهدف اثنين من القنَّاصة هناك قد تسببت في انفجار متفجرات مودعة داخل مبنى مما أدى إلى انهياره ومقتل 105 مدنيين عراقيين يوم 17 مارس، بحسب قيادة سينتكوم. فبالنظر إلى أن جماعة داعش تستخدم المباني السكنية كمراكز قيادة ومستودعات للتخزين من المرجح أن يسقط قتلى أشخاص غير مقاتلين (مدنيين)، ولكن اتضح وجود عوامل أخرى أكثر مدعاة للقلق، ففيما تقوم القوات الأمريكية بتسريع وتيرة القصف لا يوجد (في ترافق مع ذلك) تقييمٌ مستقل للمعلومات الاستخبارية التي تستخدم لتحديد الأهداف.
لقد أقر العميد ريتشارد كو الذي تحرَّى عن هجوم وقع عن طريق الخطأ على قافلة عسكرية سورية في سبتمبر بأنه لا يوجد «فريق أحمر» للقيام بعملية نقد وتقييم عملية اتخاذ القرار، كما هو معهود في العديد من القيادات. (الفريق الأحمر مصطلح عسكري يقصد به مجموعة عالية المهارة تستخدم في التخطيط العسكري وتتولى تمثيل دور العدو بالنسبة للقوات النظامية التي يمثلها الفريق الأزرق، والغرض من ذلك استكشاف كل الطرق الممكنة لتخطيط وتنفيذ هجوم مفترض- المترجم).
يقول العميد: إن الشيء المتوقع هو أن يتولى كل فرد بنفسه إجراء ذلك (النقد والتقييم، بدلا عن الفريق الأحمر) ثم يمررِ، كجزء من هذه العملية، السلبيات والإيجابيات إلى متخذي القرار»، ليس في مقدور الأفراد الذين يحددون الأهداف المعادية تقييم تقديراتهم في نفس الوقت. وكان لدى الجيش الأمريكي حتى تاريخ 13 يونيو شخصان فقط للقيام بأعمال التحرِّي بدوام كامل في الخسائر المدنية العراقية والسورية، ويوجد الآن سبعة محققين يعملون طوال الوقت.
ولكن ذلك أيضا لا يكفي بالنظر إلى وجود حوالى 10 آلاف جندي في رئاسة القيادة المركزية بالمنطقة لأداء مهام تتعلق بالحرب الجوية، وكان أكثر من عشرة من المحققين يتحرُّون في مثل هذه الدعاوى أثناء ذروة الزيادة التي شهدتها أعداد القوات في أفغانستان عام 2011.
فإذا كانت القوات الأمريكية تهتم حقا بوفيات المدنيين لكان قد تم تعيين المزيد من المحققين المدربين ذوي الخبرة في الاستهداف (تحديد والتعرف على الأهداف المعادية) للالتحاق بتلك الفرق.
كما لم يَعُد يوجد أي نوع من المحاسبة العلنية، في 26 مايو أكد المسؤول الصحفي للجيش الأمريكي أن البنتاجون سيمتنع عن الإقرار بالمسؤولية حين تكون طائراته مسؤولة عن الحوادث التي تقع فيها خسائر مدنية.
إذ سيتم إخفاء هذه الخسائر تحت مظلة «التحالف»، إن جيش الولايات المتحدة مسؤول عن 95% من الضربات الجوية في سوريا و68% في العراق. ويجب أن تقر القيادة المركزية (سينتكوم) بتصرفاتها بدلا عن بعثرة المسؤولية. هذا ومن جهة أخرى، لم يُبدِ الكونجرس اهتماما يذكر بتحديد الأسباب الأساسية لوفيَّات المدنيين وتحميل القادة أو الضباط من الرتب الأقل المسؤولية عن ذلك أو ضمان الاستفادة من الدروس التي يتم تعلمها من الضربات الخاطئة في العمليات المستقبلية.
يمكن للكونجرس ممارسة دوره الإشرافي بأن يلزم البنتاجون الإبلاغ عن الخطوات التي اتخذها للتقليل من الإضرار بالمدنيين وتمويل برنامج تدريب توعوي إضافي للضباط الأمريكيين ونظرائهم من قوات التحالف الأخرى وعقد جلسات استماع علنية مع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.
لقد زعم المسؤولون العسكريون مرارا وتكرارا، منذ بداية الحرب الجوية التي شهدت حتى الآن 22 ألف ضربة جوية، أنهم «يفعلون كل شيء ممكن» لحماية المدنيين، إن الوفاء بذلك الوعد ليس هو فقط الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله ولكنه أيضا حيوي استراتيجيا لضمان فعالية محاربة الإرهاب في الأجل الطويل.

الكاتب زميل أول بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومؤلف كتاب بعنوان «الفريق الأحمر: كيف تنجح بالتفكير كما يفكر العدو».