هل أسقط ترامب «الدولة العميقة»؟

عماد عريان –

منذ المراحل الأخيرة لحملة انتخابات الرئاسة الأمريكية في خريف العام الماضي، وبعد ظهور الجموح السياسي المتطرف للمرشح الجمهوري آنذاك دونالد ترامب، تزايد الحديث عما اصطلح على تسميته في الولايات المتحدة بـ «المؤسسة» تعبيرا عن التراكم «المؤسسي» الموجود داخل الدولة الأمريكية والقادر على لجم أي رئيس أمريكي عن الخروج على قواعد اللعبة السياسية وعملية صنع القرار وثوابتها، و«المؤسسة» في الولايات المتحدة هي ذاتها المقابل لما يعرف باسم «الدولة العميقة» في العديد من دول العالم وهي القوى البيروقراطية الراسخة داخل أجهزة الدولة وفي مقدورها تعطيل الكثير من قرارات وسياسات القيادة، بل وإسقاطها عند الضرورة، ومنذ فوزه بالمنصب والحديث لا يتوقف عن المواجهة الحتمية بين الرئيس ترامب والدولة الأمريكية العميقة مع طرح تساؤلات حول قدرة ترامب على الوصول بتلك المواجهة إلى آفاق غير مسبوقة وكذلك صلابة تلك الدولة في التصدي لساكن البيت الأبيض.
لقد تجلت تلك المواجهة في مناسبات عديدة وبدأت مبكرا جدا مع تولي ترامب مسؤولياته دون أي انتظار لما يسمى بـ «شهر العسل السياسي» الذي ينعم به أي رئيس أمريكي جديد إلى حين ترتيب أوراقه وتحديد ملفاته، واتضح ذلك في قرارات ترامب العاجلة التي رأى فيها عديد من المحللين إصرارا من جانب الرئيس الجديد لمحو كل سياسات الإدارة الديمقراطية السابقة برئاسة باراك أوباما بداية من قانون الرعاية الصحية «أوباما كير» وصولا إلى إلغاء أو تجميد الاتفاق المبرم مع كوبا لتطبيع العلاقات الأمريكية معها بعد أكثر من نصف قرن من الحصار والحملات العدائية، كل ذلك مرورا بقرارات لا تقل تطرفا في حدتها وتأثيراتها مثل خروج واشنطن من تكتلات اقتصادية إقليمية قائمة منذ سنوات عديدة وحظر دخول مواطني دول إسلامية محددة، ثم المواجهة مع حلف الأطلنطي وأزمة الإنفاق وحصص الميزانية، في تغيير واضح لكثير من السياسات الأمريكية المستقرة منذ سنوات.
وفي مقابل ذلك لا تسير تلك المحاولات أو السياسات من جانب ترامب بسلاسة حيث اتضحت بصمات«الدولة العميقة» كذلك في مرحلة مبكرة لعل أبرزها وأهمها- وإن كانت بشكل مؤسسي سليم – المؤسسة القضائية التي تصدت بشكل متكرر لإعلانات ترامب الساعية لحظر دخول المسلمين وأسقطتها، ولكن كانت هناك بصمات أخرى أكثر خطورة من شأنها تحويل ترامب وإدارته إلى «بطة عرجاء» لو ذهبت إلى نهايتها في انتصار صريح للدولة العميقة، وارتبطت بقضايا خطيرة مثل الدور الروسي في فوز ترامب واتصالاته أو مستشاريه بموسكو وضغوطه لوقف التحقيقات في تلك القضية أو ما تردد عن ذلك وما ارتبط بها من موجة التسريبات من مسؤولى الحكومة الأمريكية التي يبدو فعلا أنها أعاقت إدارة ترامب، الأمر الذي جعل البعض يتحدث عن شبكات غامضة داخل «الدولة العميقة» ذاتها والتي قد تقوض الحكومة المنتخبة.
وبرغم أن التسريبات قد تكون طبيعية ومراجعة صحية على سلطة الرئيس، إلا أن ما يحدث الآن يمتد لما هو أبعد من ذلك، فالولايات المتحدة تخاطر،حسب تحذيرات الخبراء،من أنها تطور ثقافة راسخة للصراع بين الرئيس وبيروقراطيته، وإنه على الرغم من أن الديمقراطية الأمريكية مرنة بما يكفى لمقاومة مثل هذه الصدامات، إلا أن لمحات مبكرة لوجود صراع يمكن أن تكون خادعة لأن بعض الشد والجذب بين الرئيس ووكالاته أمر طبيعي، ففي عام 2009 على سبيل المثال، استخدم مسؤولون عسكريون التسريبات للضغط على البيت الأبيض بشأن العدد الأدنى من القوات المطلوب إرسالها إلى أفغانستان، كما أن التسريبات يمكن أن تكون أشبه بفرامل الطوارئ على السياسات التي يعتقد المسؤولون أنها يمكن أن تكون غير حكيمة أو غير قانونية مثل برامج في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش عن عمليات التنصت ومعتقل أبو غريب في العراق.
ويعتبر بعض المراقبين أن التسريبات ليست جديدة، إلا أن مستوى التسريب نفسه غير مسبوق وأن ما يقلق هو أن الصراعات المؤسسية في عهد ترامب قد أصبحت أكبر وأكثر إثارة للقلق، فترامب الذي يسعى على ما يبدو إلى تحجيم دور الاستخبارات ووزارة الخارجية والهيئات الأخرى في عملية صناعة القرار، قد أثار صراعا يتضح تصاعده في العدد المتزايد من التسريبات،والمسؤولون الذين حرموا من مستويات النفوذ المعتادة في تشكيل السياسات لم يعد أمامهم سوى التسريب،كما أن الوتيرة السريعة لقرارات ترامب التنفيذية التي تراجعها الوكالات في المعتاد على مدار أسابيع أو شهر قد سحبت منهم هذه السلطة مرارا، وربما يكونون قد سربوا مشروع قرار تنفيذيا،مما يثير ردود فعل عنيفة تؤدي إلى تأجيل تلك القرارات،وقد كشفوا محاولات من قبل الإدارة للتحايل على قنوات اتخاذ القرار المتعددة، مما قوض قدرة ترامب على تطبيق أجندته.
وهناك بالتأكيد إدراك لتلك الحقائق داخل إدارة ترامب تعكسه تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر بأنه يوجد بعض الموظفين في الحكومة الاتحادية يعملون لصالح أجندة الإدارة الأمريكية السابقة،وأنه بلا شك عندما يكون حزب واحد في السلطة لمدة ثماني سنوات،يظل أشخاص منه في الحكومة ويواصلون تبني أجندة الإدارة السابقة،مؤكدا في الوقت ذاته أنها ليست مفاجأة انتشار أشخاص داخل الحكومة خلال ثماني سنوات من حكم الإدارة السابقة،ربما أصبحوا مقتنعين بتلك الأجندة ويريدون مواصلة تنفيذها.
ولكن بالنسبة للبعض فإن «الدولة العميقة» لها معنى أكثر خبثا من مجرد بيروقراطيين حكوميين وأشخاص معينين من قبل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ما زالوا يعملون في واشنطن، فيرى توماس ماسي عضو مجلس النواب الجمهوري عن ولاية كنتاكي أنه لا يتفق مع الكثير من الأشخاص في واشنطن وبعض أنصار الرئيس دونالد ترامب الذين يقولون إن ذلك محاولة من إدارة أوباما لإضعاف إدارة ترامب وأنه يشعر بالقلق من أنه شيء أكبر من ذلك بكثير قد يكون محاولة من هؤلاء الذين يريدون مواجهة مع روسيا أو دول أخرى لدفع الرئيس ترامب في هذا الاتجاه، لذلك فإنها في الغالب ليست مجرد مواجهة بين ترامب و أوباما، على حد قوله.
وفي قراءة مختلفة يرى فصيل آخر من المحللين أن الدولة العميقة ليست كيانا خفيا يعمل خارج الحكومة الأمريكية،بل هي الدولة ذاتها وعلى غرار جميع عناصر تلك الدولة، فإن الهدف من وجود ما يسمى الدولة العميقة هو تعزيز تفوق الرأسمالية الأمريكية الاقتصادي وهي تقوم بذلك أساسا من خلال القوى الأمنية المحلية والعالمية السرية، على غرار مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية، ووكالات استخبارات أخرى، وتشمل عمليات هذه الوكالات سلسلة كاملة من الأعمال تبدأ من المراقبة والدعاية،وصولا إلى العمليات العسكرية السرية والمعلنة، وبحكم طبيعتها تعمل الدولة العميقة طبقا لقوانينها الخاصة وهي قوانين غايتها ضمان استمراريتها وأهميتها.
ومن هذا المنطلق – ووفقا لطرحهم – فإن ترامب لا يعادي » الدولة العميقة»، لكنه يعارض استخدامها ضده وضد جماعته، فالأجنحة التي يمثّلها ترامب في عالم السلطة الرأسمالية ليست هي الأجنحة نفسها التي كان يمثلها الرؤساء الذين خدمهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي – أي الأجنحة التي مثلها بوش و أوباما، ويعرف ترامب أنه في حال تمكنه من تنصيب أفراد في مناصب رئيسية في مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الأمن الداخلي وغيرها من الوكالات (الأمنية والعسكرية)، فإنّه سيتمكن هو وحلفاؤه من استخدامها ضد خصومهم، ومن المرجح أنّه سيقوم بتعزيز سلطة تلك الوكالات بشكل كبير، وإذا ما تمكن ترامب من تجيير وكالات الدولة العميقة لمصلحة الأجنحة التي يمثّلها – إما بتنحية عدم الموالين له أو مداهنتهم وإجبارهم على تغيير ولائهم – ستصير تلك الأجهزة في نظره مكسبا عظيما، فهو يدرك أن من يسيطر على الدولة العميقة يسيطر على الولايات المتّحدة، فالصراع القائم بين مكتب التحقيقات الفيدرالي وبيت ترامب الأبيض ليس سوى جزء من صراع نفوذ بين نخب السلطة الأمريكية.
وقد يكون هذا التحليل الأخير مرجحا لإجابة التساؤل حول فرضية نجاح ترامب في إسقاط «المؤسسة» أو«الدولة العميقة» من عدمه لمجرد إصداره سلسلة من القرارات تخالف أو تتناقض مع سياسات وقرارات سلفه الديمقراطي وأحدثها تجميد اتفاق التطبيع مع كوبا، وأغلب الظن أن هذه القرارات تأتي ضمن الهامش الحركي للرئيس الأمريكي ليضع بصماته الخاصة ضمن أولويات ملفاته ولا تمثل خروجا كبيرا عن المألوف، أما أي تجاوزات غير معتادة أو خروج فج على ثوابت اللعبة السياسية وعملية صنع القرار التي تربك حسابات جماعات المصالح فلا شك في أنها ستواجه صداما حادا مع «المؤسسة» أو «الدولة العميقة» تؤدي غالبا إلى انتصارها في نهاية المطاف.