تفشي وباء الكوليرا في اليمن يمكن إحتواؤه

راشيل طومسون – ترجمة: قاسم مكي –
المعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس) –
يجب عدم اعتبار اندلاع الأمراض المعدية مثل وباء الكوليرا الذي يجتاح اليمن حاليا شيئا حتميا. فبالضغط على المانحين للوفاء العاجل بالموارد التي التزموا بتقديمها وبدعم جهود مناصري العون الإنساني لحماية وتعزيز إمكانية الحصول على الرعاية الصحية والخدمات والسلع الضرورية الأخرى يمكن وقف الكوليرا.
نحن نعلم أن الأمراض المعدية مثل الكوليرا تنتشر في مناطق النزاعات حيث تنعدم المياه وتتدهور صحة البيئة ويضعف أو يختفي نظام الخدمات الصحية. نحن نعلم ذلك بالتجربة من جوما في جمهورية الكونجو الديمقراطية (زائير سابقا) حيث مات 12 ألف لاجئ من الكوليرا في عام 1994 بعد الإبادة الجماعية في رواندا. ونعلم ذلك أيضا من هاييتي حيث تأثر أكثر من 800 ألف شخص من الكوليرا خلال الأعوام الستة الأخيرة وسط استجابة دولية ضعيفة.
أما في اليمن الذي بدأ فيه وباء الكوليرا قبل 6 أسابيع فقط (تاريخ نشر المقال 13 يونيو) فقد وصلت الحالات التي يشتبه إصابتها بالمرض إلى أكثر من 124 ألف حالة، نصفها تقريبا من الأطفال. وتقدر منظمة أوكسفام أن الوباء يقتل شخصا واحدا كل ساعة تقريبا. لقد تأثرت 19 محافظة من إجمالي 23 محافظة في اليمن. وتم تسجيل 932 حالة وفاة مرتبطة بالكوليرا حتى الآن. ووفقا للأمم المتحدة «يمر اليمن بأكبر أزمة إنسانية في العالم». ففي اليمن يوجد 17 مليون شخص بدون أمن غذائي ويفتقر 13 مليون إلى الماء النظيف. ويعيش 22 مليون شخص في مناطق تعتبر معرضة بدرجة عالية إلى خطر الإصابة بالكوليرا. هذه الأرقام الإحصائية ليست منفصلة عن بعضها بل وثيقة الصلة فيما بينها. فالكوليرا تنتقل من خلال المياه الملوثة. ويزدهر المرض على الأغلب في الأماكن التي يوجد بها سوء تغذية ونزاع. إضافة لذلك، أدى النزاع في اليمن إلى انقطاع الخدمات العامة. فالعاملون لا يحصلون على رواتب منتظمة منذ سبتمبر الماضي ولا يتم جمع القمامة في المراكز الحضرية المزدحمة حيث تتعرض الأحياء المكتظة التي تعاني من ضعف الإصحاح البيئي إلى خطر انتشار العدوى. أما في المناطق الريفية فيعني نقص الوقود (حتى إذا كان متاحا للبعض فليس بمقدور العديدين الحصول عليه تقريبا) عدم القدرة على ضخ الماء من الآبار. لذلك يشرب الناس المياه السطحية من أماكن معرضة في العادة للتلوث. وتبذل الآن جهود مفتاحية عديدة للتعامل مع هذا الوضع. فمن أجل الحيلولة دون المزيد من التلوث، تم استخدام الكلور في مئات الآبار إلى جانب الخزانات الخاصة ومصادر في الشبكة العامة للمياه. ووزعت عدة آلاف من الأكياس التي تحوي حبوب تنقية المياه للناس لاستخدامها في بيوتهم. كما تذاع برامج توعوية عن الكوليرا يوميا حول اليمن تحوي رسائل تتعلق بالعناية الصحية والوقاية. ويقدم القائمون على خدمات الطوارئ الرعاية الصحية بجانب تعزيز الخدمات العامة الحيوية من خلال تيسير الحصول على الماء والإصحاح البيئي وجمع القمامة. فقد تم إنشاء شبكة من المراكز المؤقتة لعلاج الكوليرا في المناطق المتأثرة. ولكن ترقية هذه الجهود غير الممركزة والواسعة لملاحقة سرعة الانتشار «غير المسبوق» للوباء تشكل تحديا. فقد تم فقط إنشاء حوالي 10% من الأركان الصغيرة للإرواء الفموي «تعويض السوائل عن طريق الفم» بجانب 20% من مراكز الكوليرا وذلك من الإجمالي المخطط لإنشائه. كما لا توجد موارد كافية لإدارة النفايات (وهي حيوية للوقاية.) لقد أقيمت المرافق العلاجية في معظمها حول صنعاء. وذلك ما يعني أنه في حين تجري السيطرة ببطء على الوباء في العاصمة إلا أنه لا يتوافر عون كاف في المدن الأخرى والمناطق الريفية. وفي الأثناء يواصل الناس التماس العناية الطبية في المستشفيات التي قد يتم فيها علاجهم بسوائل وريدية ومضادات حيوية دون أن تكون هنالك ضرورة لذلك.
نعم مثل هذا العلاج ضروري للحالات الحرجة. ولكن بالنظر إلى النقص في الموارد تظل المحافظة على الإمدادات الطبية الشحيحة أمرا بالغ الأهمية. فحتى العام الماضي، حين اجتاح وباء سابق، لم تكن الكوليرا مرضا معروفا في اليمن. وهذا يعني أن العاملين والمتطوعين المحليين في مجال الصحة، إلى جانب إجهادهم بالعمل فوق طاقتهم، لا يملكون بالضرورة المعرفة والخبرة المطلوبتين لعلاج المصابين. وهذا هو المجال يمكن أن يساهم فيه المجتمع الصحي العالمي من خلال ضمان سرعة نقل وتعظيم المعرفة والخبرة والموارد المتعلقة بهما. وفيما وراء الكوليرا، يعني انعدام النظام الصحي الفاعل وانهيار الخدمات العامة أن اليمن عرضة لأوبئة قد تشكل خطرا على أمن الصحة العالمية. فنحن آمنون صحيا فقط حين تكون البلدان الأشد هشاشة آمنة كذلك. فاليمن بحاجة إلى المزيد من الدعم. ويعني مثل هذا الدعم من المجتمع الصحي العالمي تزويد المنظمات العاملة ميدانيا في اليمن بموارد فنية ومالية ومادية كافية. إن العمل في اليمن باهظ التكلفة وينطوي على مخاطر. ويلزم المانحين إدراك ذلك وتقديم الموارد على هذا الأساس من خلال الاستجابة لنداءات الطوارئ والعمل على ضمان استلام الأموال التي يتم الالتزام بها داخل بلد المقصد (اليمن)، ولكن الأموال والموارد جزء واحد فقط من الحل. فالدعم اللازم للقضاء على الوباء يعني بالإضافة إلى ذلك معالجة الجوانب التي سهَّلَت الانتشار السريع للمرض. وهذا بدوره يعني على سبيل المثال رفع القيود على الواردات التي حدَّت من توافر السلع الضرورية مثل الوقود وكذلك سداد رواتب القطاع العام والمطالبة بحماية أنشطة تقديم الرعاية الصحية. ليس في مقدور المجتمع الصحي العالمي إنهاء النزاع والمجاعة في اليمن ولكنه يستطيع المساعدة على إنهاء هذا الوباء.

* الكاتبة باحثة بمركز أمن الصحة العالمية – شاتام هاوس