وداعا العالمية أهلا المركنتالية

تاكاميتسو ساوا – ترجمة قاسم مكي –
اليابان تايمز –
في يونيو من العام الماضي نظمت بريطانيا استفتاء لتقرير انسحابها من الاتحاد الأوروبي أو بقائها فيه. وفاز محبذو الانسحاب رغم أن ذلك كان بنسبة ضئيلة.
وكان الحزبان الرئيسيان المحافظون والعمال وكذلك الديمقراطيون الليبراليون يرون وجوب بقاء بريطانيا في الاتحاد. 

أما حزب الاستقلال الذي دعا إلى الانسحاب فكان قد فاز بمقعد واحد في البرلمان في انتخابات عام 2015 رغم حصوله على 12.6 % من مجموع الأصوات (بسبب طريقة الانتخاب المباشر- من يحصل على أكبر عدد من الأصوات يعتبر الفائز.) كان استمرار تفوق أصوات دعاة «الخروج «من الاتحاد على أصوات «البقاء» مؤشرا على تمرد شعبي على حرية انتقال الأشخاص داخل المنطقة بموجب قانون الاتحاد الأوروبي. لقد هيجت هجرة الناس داخل الاتحاد السخط الشعبي حول مسائل تتعلق بالسلامة العامة والأمن الوطني والاقتصاد. فتدفق المهاجرين من شرق أوروبا حرم العمال البريطانيين غير المهرة من وظائفهم وخفض أجورهم وزاد من حجم البطالة. كما جُرِّدت بريطانيا من وسائل منع دخول الإرهابيين. ويبدو واضحا أن هذه المشاعر دفعت أغلبية البريطانيين لتأييد الانسحاب من الاتحاد. لقد اتسم المشهد السياسي البريطاني على مدى عقود بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بالتنافس بين حزبي المحافظين والعمال والذي تداول فيه الحزبان الرئيسيان الحكم.
ولكن ليس في بريطانيا فقط بل أيضا في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهولندا أصاب أغلبية من الناخبين الآن الضجر من التنافس بين الأحزاب الرئيسية الراسخة وبدأت تقبل بالشعبوية التي تنبني على الصدام بين عموم الشعب والنخبة. لقد تقاسمت كل الأحزاب الرئيسية التي تولت الحكم في بلدان أوروبا الغربية الحديثة الولاء للفردية والليبرالية والديمقراطية. ولم يكن لها خيار سوى الانحياز إلى العالمية (التي تؤكد على العولمة) والتسامح تجاه المهاجرين واتباع التجارة الحرة.
ولم تحدث انفجارات للسخط الكامن والإحساس بعدم الأمان من جانب أولئك الذين إما فقدوا وظائفهم لصالح المهاجرين أو قبلوا بالأجور المتدنية ولم تحاول الأحزاب الرئيسية الراسخة محاولة الاستجابة لغضبهم المحتمل. إن الشعبوية هي المصطلح الذي خصص للتكتيكات السياسية لإلهاب عدم رضى الناس وإحساسهم بعدم الأمان كوسيلة لكسب تأييدهم لزعيم جديد. شكل تهييج مثل هذه المشاعر الشعبية ضد العالمية جذرَ الشعبوية التي قامت عليها حملتا دونالد ترامب و مارين لوبان الانتخابيتان.
إن استدعاء مفهوم العالمية المجرد لوحده لا يمكنه استثارة واستقطاب مشاعر الناس لذلك جُعلت الهجرة والتجارة الحرة أهدافا محددة في الحرب ضد العولمة. وكرموز محسوسة للحملات المعادية للهجرة اقترح ترامب بناء جدار على طول حدود الولايات المتحدة مع المكسيك في حين دعت لوبان فرنسا للانسحاب من اتفاقية شينجن. وكإيماءات محددة ضد التجارة الحرة سحب ترامب الولايات المتحدة من شراكة عبر المحيط الهادي وطالب بإعادة التفاوض حول اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة في حين قالت لوبان إن على فرنسا مغادرة الاتحاد الأوروبي. لقد تم الآن استبدال التنافس بين المحافظين والليبراليين الذي ساد يوم كان الحزبان الرئيسيان الراسخان يتنافسان على السلطة بتنافس بين النخبة والجماهير.
وكانت التهمة بأن النخبة تؤيد العالمية لأنها لن تفقد وظائفها لصالح المهاجرين فعالة جدا في إلهاب مشاعر السخط وعدم الأمان المتجذرين عميقا وسط الجماهير.
لقد صارت مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا عام 1979 ورونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة عام 1981 ويايوهيرو ناكاسوني رئيس وزراء اليابان عام 1982 وهم يتشاطرون جميعهم أيديولوجيات سياسية محافظة. فكلهم يضعون اعتبارا كبيرا لفعالية اقتصاد السوق التنافسي والحر وطبقوا دون هوادة في بلدانهم إصلاحات المحافظين الجدد مثل تخفيف وإلغاء مختلف النظم الإجرائية بقصد إيجاد «الحكومة الصغيرة» وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة وتعزيز التجارة الحرة. لقد كانت « أصولية» السوق مرتكزة على علم الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. ولكن جذورها ترتد بعيدا إلى عام 1776 حين نشر آدم سميث كتابه « ثروة الأمم» الذي انتقد الميركنتالية وهي أيدلوجيا اقتصادية تبناها ملوك الحكم المطلق في أوربا الغربية من منتصف القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر لإضافة المزيد إلى ثروة البلد بزيادة الصادرات وتقليل الواردات.
لقد تسببت أصولية السوق في توسيع التفاوت بين الدخل والأصول وذلك كثمن للمزيد من الحرية وفي كتابه الذي صدر عام 2013 تحت عنوان «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» أوضح توماس بيكيتي الطريقة التي توسعت بها مثل هذه التفاوتات في بريطانيا والولايات المتحدة منذ أعوام الثمانينات. ففي الولايات المتحدة يحصل أغنى 1% من السكان على حوالى 205 من إجمالي الدخل الوطني ونسبة الـ 10% الأعلى دخلا 10% على نصف هذا الإجمالي تقريبا. ولا يوجد شك في أن الفجوات المتسعة بين الدخل والأصول تضخم السخط الشعبي. والمهاجرون يتنافسون مع السكان المحليين على الوظائف ويساهمون في خفض الأجور. والصناعات التي تستفيد من التجارة الحرة والقطاعات التي تعاني منها تتعايش داخل الاقتصاد الوطني.
أما الصناعات التحويلية الأمريكية فهي كما يصورها تعبير « حزام الصدأ» في حالة اضمحلال بسبب التجارة الحرة. وفقد عمال مناجم الفحم وظائفهم بسبب سياسات محاربة احترار الأرض. حقا لقد منح العمال البيض في حزام الصد الأمريكي تأييدهم في حماس لدونالد ترامب. لوم يخيب حماس ظنهم إذ سرعان ما وقع سلسلة من الأوامر التنفيذية بعد توليه الرئاسة للتخلي عن اتفاقية عبر المحيط الهادي وإعادة التفوض حول اتفاقية النافتا وإلغاء خطة الطاقة النظيفة (ومؤخرا قراره بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ- المترجم.)
إذا نظرت الى الوراء سنوات قليلة لا أملك إلا أن أشعر بأن رئيس الوزراء شينزو ىبي الذي عاد إلى الحكم في ديسمبر 2012 كان مبشرا بالحكومات الشعبوية التي أعقبته في أجزاء عديدة من العالم. فشعار آبي « استعادة اليابان» في الحملة الانتخابية للبرلمان بها شيء مشترك مع شعار ترامب المدلل « أمريكا أولا.» ويبدو أن شبها آخر يوجد بين أكبر تعهد لآبي في حملته الانتخابية بإنهاء الانكماش النقدي وتأكيد ترامب على استعادة الوظائف للعمال الأمريكيين. حين جاء حزب اليابان الديمقراطي وقتها للحكم في عام 2009 ظننت أن اليابان أخيرا دخلت نظاما سياسيا للتنافس المحافظ الليبرالي بين الحزبين الكبيرين. ولكن مثل ذلك التفاؤل لم يدم طويلا مع فقدان الحكومة التي يقودها حزب اليابان الديمقراطي لخصائصها الليبرالية في أثناء حكمها الذي استمر لثلاثة أعوام وثلاثة أشهر وصار الحزب لا يختلف كثيرا عن الحزب الديمقراطي الليبرالي. وربما يصح القول إن اليابان كانت أيضا رائدة العالم في إنهاء نظام سياسي يرتكز على التنافس المحافظ – الليبرالي.
ويبدو مؤكدا تماما ان عصر العولمة الذي استمر لربع قرن سيصل إلى نهايته. كما تفقد جاذبيتها أيضا المعايير القيمية التي ترعرعت في اوروبا الغربية الحديثة مثل الفردية والليبرالية والديمقراطية. كما يمكن جدا أن يدفن ويعتبر شيئا من الماضي علم الاقتصاد القياسي الذي يضع قيمة كبيرة لكفاءة اقتصاد السوق الحر والتنافسي. حقا لقد استسلم المشاركون في اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين الذي انعقد في مارس لضغوط الولايات المتحدة وحذف عبارة روتينية تدين الحمائية من بيانهم المشترك. واشعر بقلق عميق من أن عقارب الساعة ترتد 250 عاما إلى عصر المركنتالية.

• الكاتب أستاذ بجامعة شيقا