رمضان في بر مصر

يوسف القعيد –
لرمضان إيقاع خاص في حياتنا -وكل سنة وأنتم طيبون- له زمانه الخاص، وحتى المكان الثابت قبل رمضان وبعده يصبح له شكلاً مختلفاً لدرجة أنه يمكن القول أن رمضان يأتي ومعه زمانه ومعه أيضاً مكانه. أخشى أن أقول أنه يأخذهما معه عنده الرحيل لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل مجيء رمضان.
زحام رمضان من نوع خاص لدرجة أن عقل الإنسان يتحول لخريطة من كثرة البحث عن الطرق. أراعي ألا تكون في طرق المدارس ولا أسواق ولا محلات كبرى. لأن الطرق تقفل تماماً في هذه الأماكن ويستمر إغلاقها أحيانا لساعات، ويغيب رجل المرور. ويتطوع أكثر من سائق أو عابر أو شخص يسلى صيامه. بأن يتطوع من تلقاء نفسه حتى ينظم المرور. وهو لا ينظم أي شيء، بل إنه يقوم وبكفاءة عالية بعملية «لخبطة المرور» حتى يصل الأمر إلى الطريق المسدود. تصبح الشوارع الكبرى سجادة مفروشة بالسيارات، والشوارع الفرعية تراها كما لو كانت قد تحولت إلى كراجات في لحظات ذروة الركن بها.
وهكذا لا تنفعك كل الخرائط التي شغلت ذهنك برسمها، من أجل اكتشاف أقل الشوارع زحاماً. في ساعات ذروة المرور وهي ساعات مستمرة على مدار اليوم والليل. والأسواق مثل المرور مستمرة ليلاً ونهاراً. والزحام أمام المدارس يشتد لحظة الدخول إليها والخروج منها. والمحلات بعضها مفتوح على مدار 24 ساعة مستمرة. فأين المفر؟.
لا يملك الإنسان ترف البقاء في بيته شهراً. ويخاصم الشوارع. حتى لو كان ذلك باسم الاعتكاف الرمضاني. الذي نقله البعض من البيوت إلى المساجد، خاصة في قرى الريف المصري. أما عن العمل فأنصحك بألا تذهب إلى أي مصلحة لك فيها مصلحة. لأن نهار رمضان يمضى كأنه دقيقة. ينتهى قبل أن يبدأ. الموظف إما صائم، يسبح على المسبحة من لحظة دخوله العمل حتى خروجه منه، أو أنه في وقت الصلاة ولا عمل فيه، يتأخر موعد بدء العمل من الثامنة إلى العاشرة. ويتقدم وقت الانتهاء من الثالثة إلى الواحدة، وربما الثانية عشر والنصف. فأين المفر إذاً؟. أين رمضان الذي غنى له محمد عبد المطلب وأحمد عبد القادر أغنيات ما زالت بالغة الجمال. نسمعها من أول وجديد مع كل رمضان وكأن الإبداع الرمضاني قد توقف عندهما.
إنها القاهرة، مدينة يسكنها أكثر من 10 ملايين نسمة، بعض التقديرات تذهب إلى أن سكانها حوالى 13 مليون نسمة، يعودون إلى بيوتهم في وقت واحد. لا يستخدم المواصلات العامة سوى الفقراء. أما الأغنياء ورغم قلة أعدادهم. فإن كل واحد يجلس في سيارة طول بعرض بمفرده، يوشك أن يكلم نفسه، هذه السيارات التي لا حصر لأعدادها تعود إلى المنازل قبل مدفع الإفطار. ولم تعرف مفردات اللغة العربية كلمات يمكن أن تصف زحام ما قبل الإفطار.
ثم زحام آخر يبدأ بعد الانتهاء من صلاة التراويح،عندما تمشي في الشارع تخشى أن يدوس أحد الناس على قدميك من شدة الزحام. مجتمع الزحام يجعلك تعيش سيكلوجية الزحام وهى أيضاً تجعل الناس يعيشون حالة من العصبية والتوتر. لا يعرفون من أين تأتي؟ ولا كيف يمكن التخلص منها أو مواجهتها.
أؤمن أن القرى خلقها الله، لكن المدن بناها البشر، والمسحراتي صاحب الطبلة الكبيرة، الذي كان يلف شارع قريتنا الرئيسي. الذي نسميه داير الناحية. وحواريها وأزقتها الصغيرة. ينادي أفراد الأسرة كل باسمه يبدأ بصغار السن، وينتهى بكبارهم، كانت المناسبة الوحيدة التي يتقدم الصغير على الكبير لمجرد أنه مازال طفلاً. نسعد عندما نسمع أسامينا على لسانه. بصوته العالي الجهوري. يعقب الاسم خبطة على طبلته. تقلع النوم من الجفون. وتسرق الأحلام من النيام.
نفزع من نومنا جرياً وراءه. يبدأ من بحري البلد ومعه طفل واحد. وينتهى قبلي البلد ومعه كل أطفال القرية. حفيدتي أمينة -11 عاما- تصر على أن رمضان إنسان. له دم ولحم. وشكل جميل. تسأل عنه في نور النهار الساطع، وبحر أنوار الليل التي تعوم فيها مصر. تطلب منا أن نذهب إليه. تريد أن تصافحه، أن تتكلم معه. ولا نستطيع أن نشرح لها أن رمضان شهر وليس إنساناً. إدراكها العام لم يصل إلى هذه التفاصيل الصغيرة.
لكننا في كل مرة نكذب عليها. تلك الأكاذيب البيضاء. ونقول لها أنه نام. وعندما يستيقظ سنذهب إليه. أو نحضره إلى البيت. لتتكلم معه وتسمع منه. وتراه رؤيا العين. مراهنين على أن ذاكرة الطفلة أضعف ما فيها. لكنها تفاجئنا بعد يوم وبعد ليلة بمعاودة السؤال عن رمضان، ونحن نضحك على أنفسنا قبل أن نضحك عليها. ونرد ردوداً تؤجل الأمر. نقول لأنفسنا ربما كانت الحياة معقولة ومقبولة كلما كثرت الأحلام المؤجلة فيها.
المسحراتي لابد أن يقودني لثنائي المسحراتي في حياتنا: فؤاد حداد وسيد مكاوي. وفؤاد حداد لمن لا يعرف لبناني. مسيحي يعد من أفضل من كتبوا شعراً بالعامية المصرية البليغة والجميلة عن رمضان وعن الإسلام وعن كل ما هو روحي في حياتنا اليومية. رأيته مرة واحدة وكان الرجل ممروراً من عدم تقدير حجم موهبته وضخامة عطائه الشعرى باعتباره من أصحاب قصائد العامية الطويلة التي تذكرك بالملاحم الشعبية الطويلة.
أما سيد مكاوي الكفيف رأى الدنيا أكثر من كثير من المبصرين. ضاع منه البصر، لكن الله منحه بصيرة نفَّاذة جعلته يغزو عالم الموسيقى والألحان، بل والأداء الصوتي الجميل، رغم أن صوته لا يعد من الأصوات الجميلة. لكن الأداء الصوتي عنده رغم ندرة الأعمال التي أداها بصوته فيها جمال يتسلل إلى النفس ليبقى فيها إلى الأبد.
لي ذكريات خاصة مع سيد مكاوي. ربما عدت إليها يوما ما.