أدونيس… الثابت والمتحول بين صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشعري

تقديم: خلود الفزارية –

نشأت الحداثة كما يرى أدونيس بمبدأ التأويل حيث كان تحديا للدولة الأموية في مواجهة الثقافات غير العربية كالآرامية السريانية والبيزنطية مع الدين الذي تمثلت أمامه مستجدات فكان لابد من تأصيل أسس الدين بما يتم تأويله ليتوافق مع الوقائع الجديدة.
فكان الصراع الأول في الحداثة هو المواجهة السياسية، وأشار إلى أن مفهوم الخلافة هو أن يتبع الخلف السلف في فكره وعمله ، فالأساس هو الاتباع وليس الاجتهاد والإبداع، لذلك كان التأويل هو الحل الأسلم الذي انتهجته الدولة الأموية.
ونتج عن ذلك تياران للحداثة أولهما سياسي فكري تمثل في الحركات الثورية التي تنادي بالمساواة بين الحاكم والمحكوم، والثاني فني وتمثل بالخروج عن المألوف في اللون الشعري.
وبذلك تولدت الحداثة من التصادم بين تغير مناخ الحياة ونشأة الأوضاع الجديدة على العنصرية التي كانت سائدة، فوصف من نادى بها بالخروج، حيث كان أغلبهم من أصول غير عربية. ونجد أن أدونيس يؤكد من خلال هذه المسألة أن القمع يولد الإبداع، فالعنصرية التي واجهت غير العرب في المجتمع العربي التقليدي جعلتهم يتمردون كردة فعل لما يشعرون به مما دفعهم إلى تعلم اللغة العربية فأجادوها أكثر من أصحابها، وتفردوا بالإبداع ليثبتوا أنفسهم في المجتمع، فنزعوا من الدين قرشيته، وأعطوه طابعا إنسانيا شعوبيا، منادين بالمؤاخاة وتجاوز الأجناس والعصبيات.
وكان من النقاد من تعاطف مع الشعر المحدث كالمبرد في كتابه «الكامل» و«الفاضل» وخصص كتابا كاملا هو «الروضة» . يقول المبرد: «وليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق ».
كما أشار إلى رأي ابن قتيبة الذي أكد على أهمية النص الشعري بذاته بصرف النظر عن قائله وعن الزمن الذي قيل فيه.
أما ابن جني فقد دافع عن المتنبي مشيرا إلى أن الحداثة قيمة بذاتها، مؤكدا على الفرادة والإبداع، كما استند ابن رشيق إلى كلام ابن جني ليجعل اللفظ للأقدمين والمعنى للمحدثين.
وأورد أدونيس عددا من الاستنتاجات أهمها : أن الحداثة نتيجة لتغير الأزمنة، وهي ظاهرة ضرورية وطبيعية، ويجب تقويم الشعر بوصفه نصوصا قائمة بذاتها بصرف النظر عن الزمن الذي كتب فيه ، والفصل بين الألفاظ والمعاني فالقدماء هم حجة اللغة والمحدثون أكثر تفننا في المعاني، والفصل بين اللفظ والمعنى في معناه العميق نوع من قياس الأدب على الدين .
ويرى أدونيس من خلاصته أن الحداثة أمر طبيعي وظاهرة ضرورية نتيجة لتغير الأزمنة وما يصاحبها من تطور واستحداث في شتى مظاهر الحياة، وفي رأيه أن الخلاف بين النقاد حول المحدثين والقدماء لا يمكن الفصل فيه بأفضلية تامة، وإنما أحكم القدماء لفظهم لأصالة أعراقهم وسلامة لسانهم ، فيما تفنن المحدثون باستحداث أفكار ومعان لم يتطرق إلى القدماء نظرا للتغيرات التي استجدت والثقافات التي انفتحوا عليها والأحداث التي استجدت. وأما الشعر فهو عبارة عن نصوص قائمة بذاتها فسواء القديم أو الحديث يحمل المحاسن والمساوئ لا يمكن أن يفسر بتغير العصر . في حين أنه يقيس بين الفصل بين اللفظ والمعنى والأدب والدين، فهو يرى أن المعنى يؤثر في اختيار الألفاظ ويعود ذلك إلى ثقافة الكاتب.
ويعد بشار بن برد أول المحدثين بالمعنى الإبداعي بالخروج على عمود الشعر، وقد رفض بشار التقاليد الاجتماعية، وبعض الأفكار الدينية السائدة فسحر منها وشكك فيها، وشجع على ثقافة الجسد مما ولد معركة تدور حول التحرر الجنسي أدت إلى تحريض رجال الحديث لحمل الخليفة على قتله.
وكان دور بشار في تحديث الشعر بأن الشعر فن، ويجب على الشاعر أن يعي كيف يعبر عما يجيش في نفسه بتنقيح الطبع وتهذيبه، وأن الشعر بحث مستمر، وعلى الشاعر ألا يعجب بما أنجزه وأن يركز فيما لم ينجزه بعد.
وقد تمثل التحول في الشعرية الحداثية لدى أبي نواس وأبي تمام، فاشتركا في رفض تقليد القديم ولكن كلا منهما سلك مسلكا خاصا في إبداعه. حيث طابق أبو نواس بين الحياة والشعر، في حين تجاوز أبو تمام في شعره العالم الواقعي.
انتقل أدونيس بعدها إلى مسألة الخطابة والكتابة أي الشفوية والتدوين، وأشار إلى أن الثورة الكتابية نشأت بتدوين القرآن الكريم، كما نوه على أن الكتابة بدأت في أوروبا في القرن السادس عشر، في حين أنها نشأت لدى العرب في القرن السابع . وأورد عددا من الآراء ليقف على مفهوم الكتابة بين اللغة والاصطلاح وأوجزها ضمن أسس تقوم عليها أهمها: أن الكتابة علم، وهي صناعة روحانية ، وإنشاء في الوقت ذاته، كما أنها عمل شاق لا يعرفه إلا من مارسه ، وهي لا متناهية شكلا وموضوعا. مستشهدا بقول صاحب الصناعتين: «ومع ذلك، فإن أكمل صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين، كما أن أتم صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا».
ويحاول أدونيس في هذه المسألة الوقوف على تاريخ التدوين لتبيان التحول في ثقافة العربي بعد السماع والتلقي إلى الكتابة والاشتغال عليها، مستعرضا آراء العلماء في تعريف الكتابة ووظيفتها، وكيف انصهرت ضمن الثقافة الأولى للعربي المتطبع على السماع.
يقفز أدونيس من عصر التدوين وبداية الكتابة إلى عصر اتصال العرب بالغرب الأوروبي الذي أشار بأنها مؤرخة في ظاهرتين وهما: الحضور الفرنسي في القاهرة 1798-1805، والبعثات إلى الخارج بدءا من 1826، مشيرا إلى أن الحضور الفرنسي لم يؤثر في جانب التفكير وحسب وإنما أثر كذلك في طراز الحياة.
أما البعثات إلى الخارج فتمثل أدونيس رفعت الطهطاوي نموذجا، لما قدمه من أفكار ضمن مطبوعات لخص فيها تأثر الفكر العربي باحتكاكه بالثقافة الفرنسية من واقع تجربته.
وكان الطهطاوي قد أكد على ضرورة اشتراك الشعب في الحكم، وبالتالي ضرورة غرس فكرة الوطن لدى الناشئة وتعريفهم بالعلوم الحديثة مساويا في ذلك بين الفتية والفتيات لما كان عليه المجتمع من التسلط الذكوري الذي ما يزال يسيطر على معظم المجتمعات العربية.
وحاول الطهطاوي من خلال عرض تجربته إلى التأكيد على حفظ الموروث العربي والاستفادة من المدنية الغربية دون الانسلاخ عن الأصل والدين.
ومع تلاقح الأدب العربي بالغربي تولد عن ذلك موقفا نقديا خلص إليه أدونيس وهي أن يتصل الموضوع بالمضمون، كما أن على العربي في رأيه أن يغير طريقة تعبيره وقد تجلى ذلك في ظهور «الشعر الحر الطليق» بكتابة الشعر بلا وزن، كما أن الأمر الأهم في رأيه هو تعريف الشعر الذي تغير إلى أن الشعر يعرف بمعناه لا بلفظه، وأن الشعر الذي لا يحمل رسالة لا يكون شعرا مهما بلغ من الشكل تاما، مستشهدا بآراء جبران خليل جبران، وجورجي زيدان، وأمين الريحاني.
ونجد أن أدونيس هنا يفتح باب الحداثة في العصر الحديث، وكيف تحول طالب العلم في رحلته من الكتاب إلى الجامعات الغربية وانفتاحه على ثقافة جديدة لا تتمثل في الأدب وحسب، وإنما ملامسة لعلوم شتى علمية وأدبية وحيوية، مستعرضا ما خطه أوائل هؤلاء الذين أتيحت لهم الفرصة للابتعاث أو الهجرة، إلا أن مصطلح الحضور الفرنسي الذي استعاره عوضا عن لفظة الاستعمار – ربما لأن الفترة انتهت، أو لأنه لم يرد أن يجعل العربي في صورة الدونية – لم يكون حضورا شرفيا، ولكن كان له تأثير الانفتاحية على العلم والمعمار والثقافة بشكل عام في مصر.
بعدها يوضح أدونيس أن معظم النقاد المعاصرين يرون أن محمود سامي البارودي هو بداية النهضة وشاعرها الأول، مستشهدا بعدد من الاقتباسات لنقاد عدة وهم: مصطفى صادق الرافعي، وشكيب أرسلان، وخليل مطران، ومحمد حسين هيكل، ومحمد مندور، وعباس محمود العقاد الذين أجمعوا على أن البارودي يمثل: جلال القديم وفطرته، والروح العربية الخالدة، واليقين الكامل باستمرار المجد العربي القديم، والدليل الكامل على أن الحاضر سيتبدد أمام نور الماضي التليد، والثقة الكاملة بالتراث العربي والشخصية العربية، فضلا عن الصياغة المتقنة، ومجاراة القدماء ومحاكاتهم، والاعتراف بالقدماء على أنهم أنبياء الشعر ومن ثم الاعتراف بأنه لا بد من متابعتهم والاستمداد من مناهلهم ، واحترام القيود القديمة من القواعد النحوية والبلاغية والألفاظ والوزن ، وعدم التعقيد في الأسلوب، وتمثل أفكار القدماء وصورهم وعواطفهم .
ثم تناول مصطلح عصر النهضة وقابله بالفترة المظلمة التي استمرت لحوالي خمسة قرون ونصف القرن، وكان له رأي في أن الفترة المظلمة لم تكن كذلك مشيرا إلى أن الحركة الشعرية لم تتوقف وإنما ارتدى فيها الشعر حلة جديدة، فقد كان هناك نتاج شعري ذا طابع مدني حضري صنعي تلفع باللهو والترف والتأنق اللفظي، كما تطورت القصيدة في بنيتها الشكلية واللغوية مع استعمال اللهجة العامية، وأنواع تعبيرية أخرى كالموشح والوبيت والكان كان والزجل والمواليا، إضافة إلى أن القصيدة تحولت إلى مقطوعة تدور حول فكرة واحدة مركزة على عالم الأشياء.
وفي رأي أدونيس أنها يمكن أن تسمى بالفترة المظلمة قياسا على فترة أبي تمام أو المتنبي أو امرئ القيس، ولكنها ليس كذلك على فترة البارودي لأنها حققت تطويرا أساسيا فيما تجاهل البارودي هذا التطوير.
وبرغم كل لفتات النقاد للبارودي إلا أن أدونيس لا يرى فيه زعيما لشعراء الحداثة لأنه عاد بالقصيدة من حيث البنية والألفاظ للوراء، وهو يراه دورا تاريخيا ينتصر للنثر الأدبي وليس الشعر، مؤكدا أن البارودي هو من شعراء التقليد ولا يجوز اعتبار إحياء الموروث تجديدا وإنما هو تراجع في رأيه.
والحقيقة أن أدونيس تحامل كثيرا على البارودي، لأن الأذواق تتعدد، فهناك من يحب الشعر العمودي وينظمه إلى يومنا هذا، وقد جدد فيه البارودي من حيث الموضوعات والاستعارات، ولكنه لم يلتفت إلى نقاط التجديد في شعره وإنما اكتفى بالمقدمة القديمة، ووزن الشعر وعموده.
يرى أدونيس أن الرصافي يعتبر مجددا فكريا أكثر مما كان الباردوي عليه، حيث بدأ باستعراض فكره وحياته، مشيرا إلى أن الحداثة تجلت لديه بنقد الحاضر العربي بآرائه الاجتماعية والسياسية، ونقد الماضي العربي من الناحيتين الدينية والتاريخية، والدعوة إلى المعاصرة مع رفض الاستعمار، والتركيز على حرية المجتمع بعيدا عن السيطرة الخارجية.
فمن الناحية السياسية يسيطر على الشعب التنافر والشقاق والتناقض في المواقف الدينية، وانعدام الاتحاد في وجه الأخطار المشتركة، ومحاربة العلم والعقل. ويرى الرصافي أن النظام السياسي هو المسؤول الأول ذلك أنه يمارس الاستبداد والظلم، ويتبنى أهدافا تناقض أهداف الشعب، وليس الدستور والمجلس سوى لفظتين ليس لهما مدلول إلا مدلول التبعية والعبودية.
أما الناحية الاجتماعية فوضع المرأة في المجتمع العراقي، مشيرا إلى أن أساس التخلف والعبودية كامن في تخلف المرأة العربية، ويرى أن العرب تهين الأمومة، وقبول العرب بإهانة نسائهم سهل عليهم قبول إهانة الآخرين لهم.
ومن ناحية العلاقة بالمدنية الغربية فيميز الرصافي بين العلم والسياسة، وبين المدنية بوصفها فكرة ومن حيث هي ممارسة، فهو يؤيدها فكرة ويعارضها سياسة، ويرى أن الغرب يدعي بفصل الدين والدولة إلا أن الواقع يكذب ذلك، ويقول بأن علاقة الشرق بالغرب علاقة الظالم بالمظلوم، وينتهي الرصافي إلى دعوة العرب لكي يثوروا على الغرب.
ويحلل أدونيس فكر الرصافي إلى ديني وحضاري، حيث يرى أن الرصافي يرفض الدين من ناحيتي المعتقدات الغيبية والتشريعات، ويستدل على ذلك بمناهضة الرصافي للحجاب، بل ويقول أنه ينكر الوحي ما يعني أنه ينكر النبوة، وبالتالي هي إنكار للتعاليم والمعتقدات.
وأدونيس لم يصب في هذه النقطة لأنه قرأ فكر الرصافي من زاوية واحدة، فالرصافي حين دعا إلى نزع الحجاب ذلك بأن المجتمعات الخليجية بما فيها العراق كان على المرأة أن تغطي جسدها كاملا بالعباءة الواسعة وتمسكها من طرف الرأس لتصنع فتحة صغيرة كي ترى من خلالها. فهو يرى أن ذلك تحقير للمرأة فالستر ليس بتغليف المرأة والحجاب في رأيه ما هو إلى لتخبئة المرأة وحجبها من الحركة بحرية. أما المعتقد فلا ننسى قصيدته :
انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبه وكيف صارت شجرة
ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الثمرة
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة
….. إلى آخر القصيدة، وقصيدته ترد بنفسها على اتهامات أدونيس للرصافي في معتقده.
أما من ناحية التشريعات فيرى الرصافي أن الجمود يرافقها دائما، لذلك لم تتغير بتغير الأزمنة. أما حول التغني بالأمجاد فيرفض ذلك الرصافي، ويدعو إلى الانفصال عن الماضي للنظر إلى المستقبل متسلحين بالعلم.
أما الناحية الشعرية فيحدد الرصافي موقفه برفض التقليد مع الدعوة إلى العلم والمعاصرة، داعيا إلى الوضوع وعدم التعقيد، والابتكار، وأن يكون الشعر تعليميا هادفا.
وينادي الرصافي لدراسة العلاقة بين المضمون والشكل أو المعنى واللفظ مع تناول الموضوعات الجديدة بأسلوب تعبيري أصيل، فاللغة لديه ثابت، أما الزائل فهي العادات والتقاليد.
ويرى أدونيس أن الرصافي ينتمي إلى المدرسة العمودية شكلا، ولكن المضمون يرتكز على الصناعة، ما يجعله شاعرا ذا فكر ثائر.
ولا يختلف في ذلك موقف الشعراء الذين ساروا على نهج البارودي كشوقي والزهاوي وحافظ وغيرهم فهم متساوون على الصعيد الفني متفاوتين في الموهبة لذا أطلق على تلك المرحلة بالإحيائية السلفية. مشيرا إلى أن جماعة الديوان يقوم مذهبهم على قسمين هما ما يتصل بمفهوم الشعر، فالشعر منفتح على مختلف الثقافات، وهو تعبير عن الذات واسع منفتح كالوجود وهو تعميق للحياة، أما من حيث طريقة التعبير والبناء الفني، فالشعر واسع كالشعر لا ينحصر في قالب ولا يتقيد بمثال، والقصيدة بنية حية تقوم على الوحدة العضوية.
أما خليل مطران فأشار أدونيس إلى قصيدته المساء كأنموذج لاتجاهه الشعري واستخلص منها أسس فنه الشعري لكونها مشروعا تجديديا إذا ما قورنت بالقصائد التي عاصرتها، فهي ذات وحدة موضوعية، وذات منحى تمثيلي رمزي، وملتقى مجازي بين الذات والطبيعة في حركة التفاعل والتطابق، حكيمة تنتهي إلى قرار تعليمي . وكما يرى أدونيس فهي نموذج للشعر جمعت بين التراث والمعاصرة، أو الأصل والتطور.
ونشأت حركة أبوللو بعدها بصدور مجلة أبوللو في سبتمبر 1932 وكان هدفها النهوض بالشعر العربي بعد أن رأوا أنه تدهور، لذلك سعت إلى ترقية مستوى الشعراء أدبيا واجتماعيا وماديا.
وركزت الجماعة على الوجدانية، والانحياز للطبيعة، وازدواج القافية في قصيدة من بحر واحد، مع التوكيد على وحدة القصيدة، والاتجاه نحو الشعر القصصي المسرحي بما أسموه بشعر الخواطر. وضمت الجماعة إلى جانب خليل مطران، عددا من الشعراء ذهبوا إلى التجديد في شكل أبعد وأعمق مما فعلت جماعة الديوان، ويرى أدونيس أنها في تنظيرها الحداثي كانت أكثر أهمية من نتاجها الشعري.
ينتقل بعدها أدونيس إلى الكلام القديم والكلام الحديث حيث تمثل آراء مصطفى صادق الرافعي في نقد التجديد والحداثة، الذي يرى أن خطأ المجددين يكمن في كون تجديدهم نتيجة إلى جهلهم للغة العربية، وتمكنهم من اللغة الأجنبية، فأصبح تجديدهم فارغا لا طائل وراءه.
ونادى الرافعي بالعمل لحفظ اللغة ونمائها، والعمل لتلطيفها وترقيقها ضمن حدود الطاقة، وينفي الرافعي الجديد مستندا إلى التاريخ الثقافي ويقول: إن «العربية لغة دين قائم على أصل خالد وهو القرآن الكريم، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه وفصاحته، فإذا كان المعجز في لغة من اللغات بإجماع علمائها وأدبائها هو من قديمها خاصة، فهل يكون الجديد فيها كمالا يسمو أم نقصا يتدنى؟!».
ويرى الرافعي أن القديم لا يمكن تجاوزه أو هدمه، فهو الذي يبدع ما نسميه الجديد، وسنة الكون في الجديد أنه ترميم في بعض نواحي القديم، وتهذيب في بعضها، ولا جديد إلا إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تنقح شيئا في أساليب الحياة والنظام القديم، أما المثل الأعلى في رأيه فهي أن ننشأ في تربية ملكتنا وإرهاف منطقنا وصقل ذوقنا. ويقيس ذلك على الدين، فنادى بالمطابقة بين بأن تتطابق أخلاق الفرد مع ما ورد في القرآن الكريم، ولغته مع النموذج البياني العربي للفصاحة.
ثم انتقل أدونيس إلى الجاحظ، ليتناول تأسيس البيان العربي، فكان الجاحظ رمزا في التقليد النقدي العربي وحجة بلاغية بيانية، ويعتبر المؤسس لفن البيان.
ويعود أدونيس إلى مسألة الشفوية والكتابة، ويرى أن الشفوية هي الطبيعة البدوية، مؤكدا على أهمية تقييد العلم وهذا ما تم ببداية تدوين القرآن الكريم.
توقف أدونيس عند الأصل وذكر أن القاعدة «عمود الشعر» موجودة، وهي مقياس ماضوي على حد تعبيره، وإذا كان الواقع هو ما نواجهه فالماضوية شكل للانفصال بين اللغة والواقع، فالثقافة السائدة تؤكد على أن مهمة الشاعر أن يقبل ويسوغ لا أن يسأل ويبحث.
فمفهوم الأصالة هو أحد المقومات الأساسية للثقافة العربية الحديثة السائدة، وينتج عن هذا المفهوم موقف فني تقويمي وهو أن الشعر العربي اليوم يجب أن يكون في شكل نمو تطوري للشعر العربي القديم. وأشار إلى مصطلحين هما النخلية وهي المعرفة الكاملة، والبقلية وهي التتلمذ الكامل، أي أن اليقين بأن السلف النخلي يمثلون في الشعر خصوصا المعرفة الكلية النهائية، ثم ينفي أن تكون هناك أية معرفة كلية نهائية في الشعر. والمثقف التقليدي في رأيه هو الذي يعتقد أن المعرفة السابقة المشتركة بينه وبين الشاعر هي الفكرة وطريقة التعبير عنها، ثم يفاجأ بما يخالف اعتقاده فيتضح أنه يجهل طريقة التعبير.
ثم يناقش أن الشعر اختلط بالأدب، والأدب هو السلوك، حتى تطور إلى معناه الأدبي الخالص، والشعر ممارسة باللسان كالعمل الذي هو يمارس باليد. ويؤكد أدونيس أن أصل مشكل التراث ديني، وكل المواجهات سواء الشعرية أو الفكرية هي محاولات تلفيقية، وقد بقي قياس الشعر والأدب على القديم في الدين كقاعدة أولى.
ويتطرق أدونيس إلى تجربة جبران في الحداثة، فاحتكاكه بالغرب جاء عن طريق الهجرة، ثم كانت له مقام إلهام، مشيرا إلى أن المنحى الثقافي تجلى بظهور الصحافة العربية في المهجر سنة 1892. وتم تأسيس جريدة «كوكب أمريكا»، جاء بعدها عدد من الجرائد كالهدى، ومرآة العرب، والسائح، وغيرها من المجلات كالفنون والمهاجر، فضلا عن الرابطة القلمية التي ضمت عددا من المهتمين بشأن الثقافة العربية من مفكرين وأدباء.
وكانت أهم السمات لدى أدباء المهجر: الاقتلاع المادي والمعنوي، والتحدي، والبحث عن صحة الحياة ، واقتصر أدونيس على جبران خليل جبران كمثال على هؤلاء الشعراء.
ويراه أدونيس كاتبا رؤيويا، ويقصد بالرؤيا الإبداع، فحين يتقمص جبران شخص الجنون فإنه يرغب بالوصول إلى ما يتعذر الوصول إليه.
وعلى ضوء كتابه المجنون يرى أدونيس أن نتاج جبران في صورته الفكرية غامض نوعا، وواضح إلى حد ما، كما يمتاز بهيام فوضوي، أما خصائصه فأهمها: التشخيص، والأسطورية، والغنائية، والتصويرية، والإيجاز الحكمي، وتبقى أهمية جبران في أنه سلك طريقا لم تعرفها الكتابة العربية، في أنه هدم الذاكرة وبنى الإشارة، ويصفه أدونيس بأنه حديث وكلاسيكي، واقعي وصوفي، عدمي وثوري.
ويرى أدونيس أن عصر النهضة باستثناء جبران لم يطرح أي سؤال جديد حول مشكل الإبداع الفني، وإنما كرر الأسئلة القديمة، ولم يترك وراءه ما يمكن التأسيس عليه أدبيا -اليوم- بل إنه أحيا ما كان يجب أن يظل ميتا.
ويصف عصر النهضة بعصر التنميط، حيث أن إنتاجه (مستهلك)، لم يكتشف أو يضف، ويرى بأنه عصر انحطاط مزدوج، ما بين العودة إلى الماضي، ودخول الاستعمار. كما أن الارتداد الذي حل بالعصر لم يكن في الموقف وحسب، وإنما شمل الإيصال باحتذاء منهج الشاعر القديم، وتحديد نمطا معينا للإيصال. ويشير إلى أن الإسلام جاء برؤيا جديدة للكون ونظاما جديدا للحياة، وهو مثال على الانفصال عن القديم، وتأسيس جديد لبنى اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تغاير الجاهلية.
ولم ينتج عصر النهضة شعرا وإنما أعاد إنتاج عمودية الشعر، فالحركة الشعرية هي نفسها الجملة الشعرية القديمة، فالشعر غير الموزون يحاول أن يلبس خصائص الوزن، والشعر الموزون يحاول أن يلبس خصائص غير الموزون.
ويختتم أدونيس قضيته بتساؤل لماذا أقرأ؟ وهو السؤال الذي يفترض أن تطرحه الكتابة مقابل التساؤل الذي افترضته الخطابة بلماذا أسمع؟
ويختصرها بالإجابة: أن أفكر فيما أعرفه وأكتب حول ما أعرفه، ويرى بأن هذا هو جوهر النظرية الموروثة لدى العربي إلى التفكير وإلى الكتابة. مبينا أنه يجب أن تتغير الكتابة تغيرا نوعيا، فلم يعد كافيا أن نوجد زمنا شعريا متحركا وإنما زمن ثقافي متحرك، فليس التراث ما يصنعك، وليس الماضي كل ما مضى، وجوهر القصيدة في اختلافها لا في ائتلافها. كما أن الفعل المنتج أكثر أهمية من المنتَج، وليست الثقافة استعادة وإنما هي ابتكار، وفي حين أن البداية المطلقة مستحيلة، فإن بعد الإعصار الذي يمحو حدود الأنواع من على خريطة الكتابة يأتي الهدوء، وباختصار أن علم الجمال ليس علم الجمال الثابت، وإنما هو علم جمال المتغير.