لماذا الخلط وعدم التمييز في مسألة التطرف والإرهاب؟

عبد الله العليان –
aliyan@gmail.com –
التعاطي والازدواجية في الكثير من القضايا، أثمرا الكثير من الكراهية غير المبررة في بعض الأحيان، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله.  

في ظل الحديث حول ظاهرة التطرف والإرهاب في عصرنا الراهن، نجد عند التقييم، الكثير من الالتباس والمفاهيم غير الدقيقة عند توصيف هذه القضية التي أصبحت تؤرق العالم، والأكثر تداولاً في السياسة والإعلام،ومن خلال الباحثين والمهتمين بهذا الأمر الخطير،وبات الأمر أكثر غموضاً إزاء تقييم هذه الظواهر التي لا شك أن أنها مرفوضة ومدانة، بسبب ما تستهدفه هذه الأفعال التي لا يقرها دين ولا خلق، خاصة استهداف الأبرياء، من المسلمين، وغير المسلمين، في كثير من بقاع العالم، آخرها ما حدث من تفجير في مدينة مانشستر البريطانية، وقبلها في تركيا وفرنسا، ناهيك ما حدث في كثير من مناطق في بعض البلاد العربية والإسلامية من أعمال إرهابية وقتل خلالها المئات بل آلاف من الأبرياء.
لكن الإشكالية التي تحتاج إلى رؤية عادلة منصفة،هي عدم التفريق الدقيق بين الإرهاب كظاهرة عالمية ليس له حدود، بين كفاح الشعوب ونضالها لنيل حقوقها المشروعة في التحرير ومحاربة المحتل والمستعمر، كما أن هذه القضية أصبحت عائمة، ولم يعد هناك تفريق واضح من هذا الإرهاب الذي ليس هدف أو غاية سوى إشاعة الرعب والدمار والقتل في الكثير من المجتمعات، وهذه بلا شك قضية محورية ، وتحتاج إلى نظرة فاحصة وعادلة للنظر والاستقصاء ، وان يوضع هذا المصطلح في مكانه الدقيق والصحيح ، بعيداً عن الأهواء والميول والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية والسياسية .
فمصطلح الإرهاب يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية ويلصق أحيانا على أعمال لا تندرج ضمن مفهوم الإرهاب الذي يدان من الجميع، كقضية الدفاع عن الوطن ومقاومة الاحتلال الخ : وهذه مسألة بدأت في الشيوع والبروز في الخلط وعدم التمييز، من حيث ووضع أي عمل ، مهما كانت غايته شريفة والدفاع عن الوطن ، ويتم إلصاق تهمة الإرهاب به ، وهذه أصبحت ظاهرة دون التمييز والفرز بين هذه الأعمال وقضية الإرهاب المرفوض.
والواقع أن قضية الإرهاب، قضية عالمية، وله خلفيات تاريخية، وقد مارسته الكثير من الشعوب في حقب مختلفة، وتم التنظير له بشكل ممنهج تحت ذرائع ومبررات غير مقنعة، وهذا لم يعد خافياً لكل مهتم بمسألة العنف والتطرف والإرهاب.
فالإرهاب الإسرائيلي سبق وأن مورس منذ قيام إسرائيل وسلسلة الجرائم والمجازر التي ارتكبت ضد العرب أكثر من أن تحصى لكن شواهدها لا تزال ماثلة كمجزرة قلقيلية ومذبحة الحرم الإبراهيمي ومجازر دير ياسين وكفر قاسم وقانا وغيرها من المجازر وغيرها وذلك بهدف ترهيب السكان وترك أراضيهم ومنازلهم، واعترفت بيانات وتقارير جمعية حقوق الإنسان ومقرها شيكاغو بهذه الجرائم الإرهابية.
فإرهاب إسرائيل ، فاق كل التصورات ومع ذلك تسمى أفعالها بأنها دفاع عن النفس! كما يستخدم الإرهاب يستخدم أحياناً بطريقة انتقائية ويلصق أحيانا على أعمال لا تندرج ضمن مفهوم.
وهذه مسألة تثير الارتياب في تعريفات بعض الدول للإرهاب ومنها الولايات المتحدة على وجه التحديد.
ولاشك أن العمل الإرهابي في بعض أهدافه ـ كما يقول د/‏‏ منصور الزهراني ـ « يستهدف عادة تحقيق غايات سياسية، أو اقتصادية أو اجتماعية،وهو في ذلك يوجه إما إلى أشخاص أو إلى ممتلكات خاصة أو عامة.
والإرهاب كما أنه عمل فردي يقوم به شخص أو مجموعة من الأشخاص، فإنه قد يكون سلوكاً حكومياً نظامياً وهو ما يسمى إرهاب دولة، بل وقد يجد أسسه ومبرراته القانونية في قوانين الدولة الداخلية، في هذا لإطار وبعد قيام الثورة الفرنسية في 1789، وجد الثوار أنه ليس هناك من بد من تبني الإرهاب كوسيلة ونظام مشروع للحكم لإخماد المتآمرين على الثورة، ومن ثم الوصول إلى الأهداف السياسية المرسومة سلفاً.
كما وجد الإرهاب تربة خصبة لدى الشيوعيين، سواء قبل ثورة البلاشفة في روسيا
(1917)، أو بعد تسلمهم زمام السلطة، حيث لجؤوا إلى تطبيق « الإرهاب الثوري المنظم » الذي كان يعتبره لينين « وجهاً من وجوه الحرب يمكنه التوافق والانسجام مع مرحلة من مراحل المعركة » ويستهدف، طبقاً لستالين
«القضاء على العدو العقائدي المجرم خلقياً وعقائدياً وتاريخياً». أيضاً من السلبيات التي تسهم في انتعاش ثقافة العنف الازدواجية والمعايير في السياسة الدولية، والكيل بمكيالين عند التعاطي معها، والتي أصبحت ظاهرة تؤرق العالم، والشعور بالظلم إزاء بعض القضايا التي باتت تستعصي على الهضم والتقبل، مثل الكثير من الشعوب في عصرنا الراهن.
ومن هذه الأسباب أن الكثير من المجتمعات في العالم تفتقر إلى الديمقراطية و التعددية السياسية وآلياتها في الاختيار الحر النزيه من خلال الانتخابات التشريعية ، إلى جانب أن أحزمة الفقر وظروف الهجرة الكثيفة إلى المدن، وانتشار الأحياء العشوائية من أسباب انتشار التطرف الذي هو بلا شك محصلة للإرهاب.

فالتعاطي والازدواجية في الكثير من القضايا، أثمرا الكثير من الكراهية غير المبررة في بعض الأحيان ، ومنها الإرهاب المرفوض الذي تعاني منه الإنسانية، لذلك فإن أفضل الخطوات لوقف هذا الإرهاب واستئصاله.
هو البحث الجاد عن أسبابه وإيجاد المخارج المنطقية والعقلانية لتجفيف منابعه بالحكمة أولاً ، ثم بالتعاطي العادل مع مسببات هذا الإرهاب . المهم أن ثقافة العنف والإرهاب لا تقتصر على شعوب ذات مواصفات معينة،فهي قضية عالمية ، ومن هنا كان يفترض من كل كاتب أن يعدل في هذه المسألة الشائكة.
ومن حقه أن ينتقد بعض الممارسات الإرهابية بكل قوة لدحر هذا الإرهاب وممارساته الظالمة ، لكن هناك بعض الأعمال العنيفة ، لكنها مشروعة كمقاومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني ، مهما تذرع هذه المحتل بأفكار ونظريات للتضليل والتمويه الخ .