الجانب الروحي والعقيدة السمحة

لاشك أن الجانب الروحي في بناء الدولة ظل دائما من الجوانب الاستراتيجية التي قام عليها أساس النهضة والتمدن العصري في السلطنة، في هذا العهد الحديث والدولة العصرية التي أسسها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بتأكيد جلالته من خلال النطق السامي وعلى مدار أكثر من أربعة عقود من عمر الزمان، على أن مشروع النهضة والتنمية الشاملة والمستدامة في كافة جوانب الحياة، يقوم على هذا التكامل الرائع والتوازن بين القيم الأصيلة للإنسان العماني وتاريخه وإرث الأمة بشكل عام، ومن جانب آخر ما يتطلبه العصر والحياة الحديثة من تمدن وتحديث وقيم جديدة تواكب الحضارة الإنسانية والتطور السريع في عالم اليوم، فالإنسان بمثل ما هو ابن بيئته وثقافته ومكانه، فهو ابن التاريخ المستمر لكافة الكرة الأرضية وهو يتقاطع مع الحداثة وصورها بالأخذ منها بما ينفعه ويفيده في مساره العصري والحديث.
وفي هذا الإطار فإن سلسلة الجوامع السلطانية التي تأسست في العديد من الحواضر العمانية والمدن الكبرى على مدار العقود السابقة، لهي انعكاس جلي للسياسة السامية في الاهتمام بروح العقيدة الإسلامية وسموها، وإن هذا الجانب مركزي في تشكيل مشروع النهضة العمانية، التي تقوم على هذا البعد الروحي في الذات الإنسانية والحضارية؛ هذه الذات التي تستمر في تصور مستمر وحثيث لمشروع بناء الحياة الأرحب.
ويوم الجمعة الماضية انضم جامع السلطان قابوس بولاية السويق بمحافظة شمال الباطنة، إلى سلسلة هذه المنشآت الحضارية ذات الدلالات العميقة، وهي كما هو معروف لا تمثل مجرد أماكن للعبادة وأداء الصلاة فحسب، بل هي مراكز إشعاعية وثقافية متكاملة من حيث دورها الذي تسهم به في المجتمع بشكل عام، كما أنها منارات للزائرين الذين يتعرفون منها أو خلالها على لمحة من ملامح الثقافة والمجتمع وبعده التاريخي وتمسكه بالإشراقات الجميلة في مضمونه الروحي والحضاري.
وقد شيد الجامع الجديد بناء على معمار عصري، لكنه يحمل الصبغة التاريخية والحضارية للعمارة الإسلامية والعمانية، وهما يتآلفان معا ويرسمان صورة زاهية لما وصلت إليه فنون عمارة المساجد في السلطنة في هذا العهد الزاهر، ولعل صورة المعمار هي أيضا انعكاس للتطور والتحضر والنماء المشرق في هذا العهد الزاهر.
هذا المعمار الحديث يأتي قائماً على كافة الشروط والمتطلبات العصرية، من الأخذ بالتقنيات الجديدة في البناء والتشييد إلى ملامح الديكور والزخارف العصرية، التي تستلهم كذلك التراث والأصيل من الفنون الإسلامية والعمانية عميقة المعاني، ما يجعل هذه الجوامع تشكل آية في الفن والجمال والإبداع، الذي يعكس إرثا ثقافيا وحضاريا متجددا ونشطا على الدوام.
إن افتتاح الجامع الجديد بالسويق في هذا الشهر الفضيل لهو أيضا له دلالته، من تعميق العلاقة بين الجوانب الروحانية والعقائدية وهذا الشهر الفضيل، شهر الصيام والقرآن وليلة القدر المباركة، حيث يلهج الجميع بالدعاء إلى الله عز وجل أن يتقبل من الجميع الطاعات ويلهمه ما هو أفضل في سبيل سعادة الدارين.