ما الذي يعيد التوازن بين العرض والطلب في سوق النفط العالمية ؟

د. محمد رياض حمزة –
mrhamza1010@gmail.com –

فشلت تدابير منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو خارجها في إعادة التوازن لسوق وتصحيح الأسعار. رغم خفض الإنتاج بواقع 1.8 برميل يوميا ومد العمل بالتخفيض 9 أشهر أخرى. لذا فإن سوق النفط العالمية يجب أن تتعرض لصدمة تصنعها دول أوبك والمنتجون المتضررون من انهيار أسعار النفط منذ منتصف 2014.
ولم يعد سعر برميل النفط بين 50 إلى 55 دولارا مجزيا لمعظم الدول المنتجة سواء كانت من أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو خارجها. رغم قرار أوبك وعدد من المنتجين خارجه خفض الإنتاج بما يصل إلى 1.8 مليون برميل يوميا في نوفمبر 2016 وقرار تمديد الخفض تسعة أشهر في اجتماع المنظمة يوم 25مايو 2017. الأمر الذي دفع (أوبك) مناشدة الدول الكبرى المصدرة غير الأعضاء بالمنظمة لخفض إنتاجها من النفط، ومساعدة المنظمة في استعادة التوازن إلى الأسواق، وذلك في تقريرها لشهر مايو 2017.
ولعل المنافس الأخطر لدول أوبك هي شركات النفط الصخري الأمريكية . “جولدمان ساكس” المؤسسة المصرفية متعددة الجنسيات ومقرها نيويورك قالت وحدتها لأبحاث الأسهم : إن الأمر يستلزم بقاء عقود النفط الآجلة لعامي 2018 و2019 عند 50 دولارا للبرميل، أو دون ذلك ، للحيلولة دون مزيد من النمو في إنتاج النفط الصخري وتشجيع أوبك على إبقاء حركة السوق في نطاق ضيق وأن الإشارة السعرية المتمثلة في وصول أسعار العقود الآجلة لعامي 2018 و2019 إلى 50 دولارا أو أقل الآن أو بلوغ الأسعار الفورية 50 دولارا في 2018 يمكن أن يساعد على إحداث توازن في السوق من خلال إيجاد بيئة تكبح إنتاج أوبك أو الإنتاج الصخري أو كليهما.
وتوقعت “جولدمان ساكس “ وصول متوسط أسعار خام غرب تكساس الوسيط الأميركي في 2017 إلى 52.92 دولار للبرميل في 2017 مقارنة مع 54.80 دولار للبرميل في وقت سابق وإلى 55 دولارا للبرميل في 2018 دون تغيير عن التقديرات السابقة. في المقابل، توقعت وصول متوسط أسعار خام برنت في 2017 إلى 55.39 دولار للبرميل مقارنة مع 56.76 دولار للبرميل في وقت سابق وإلى 58 دولاراً للبرميل في 2018 دون تغيير عن التقديرات السابقة. كما توقعت أن يسجل برميل النفط من خام غرب تكساس الوسيط 50 دولاراً في 2018-2020.وأضافت أنها ما زالت تتوقع مكاسب إنتاجية في النفط الصخري عند ما يتراوح بين 3 و10%، حتى نهاية هذا العقد وهو ما قد يقلص سعر تعادل النفط الصخري إلى ما بين 38 و46 دولارا لبرميل خام غرب تكساس الوسيط من بين 48 و51 دولارا للبرميل”. أما(أوبك) فرأيها “ إن دولة منتجة واحدة بالتحديد تتحمل اللوم، وهي الولايات المتحدة، حيث يواصل منتجو النفط الصخري زيادة إنتاجهم رغم أسعار النفط الخام المنخفضة. وأضعفت زيادة الإنتاج جهود أوبك للحفاظ على سعر برميل النفط بين 50 و60 دولارا. وكانت أوبك والدول المنتجة الحليفة اتفقوا، في نوفمبر الماضي، على خفض الإنتاج، في خطوة تهدف إلى تخليص الأسواق العالمية من زيادة المعروض. وبدت أن هذه الاستراتيجية فعالة لفترة مع ارتفاع أسعار برميل النفط إلى أكثر من 54 دولارا بداية العام الجاري. وبدأت خيارات منظمة “أوبك” تنفذ. إذ انخفض سعر النفط الخام بنسبة 13 في المائة خلال شهري ابريل ومايو 2017 إلى أقل من 46 دولاراً، مما يشير إلى أن جهود المنظمة الرامية إلى تعديل أسعار النفط لم تحقق أهدافها المرجوة.
وكانت أوبك إلى جانب المنتجين الرئيسيين الآخرين يتمتعون بأسعار أعلى منذ اتفاق خفض الانتاج في نوفمبر الماضي، وهي استراتيجية تهدف إلى تخليص الأسواق العالمية من وفرة المعروض. الآن، يبدو أن التأثير يتلاشى.
واستجابت المنظمة للهبوط الحاد في الأسعار من خلال اقتراح تمديد التخفيضات إلى ما هو أبعد من الموعد النهائي الأصلي المحدد في منتصف العام. ولكن مع زيادة إنتاج الشركات الأمريكية من النفط الصخري، قد لا يكون تمديد الخفض كافياً لتحقيق الاستقرار في الأسعار أو رفعها. ومن مستجدات التقارير الإعلامية التي تتابع تطورات تجارة النفط العالمية وترصد متغيراتها ساعة بساعة ويوما بيوم إنها بدأت تقرن سبب بقاء أسعار النفط متدنية ثلاثة عوامل هي تخمة المعروض المباشر للبيع، وضخامة المخزونات العالمية. وإنتاج الشركات الأمريكية من النفط الصخري. ولم تعد العوامل المؤثرة بأسعار النفط تذكر. كسعر صرف الدولار والتوترات السياسية وحالة الاقتصادات العالمية … وغيرها.
أما تخمة المعروض فتعتبر السبب القديم المتجدد المؤثر على الأسعار. وكم حجم هذه التخمة؟ وفي أي الأسواق توجد؟ ولمن عائدها؟ أسئلة يصعب أجابها بدقة. فعندما كان سعر برميل النفط قد تجاوز 100 دولار كانت أسواق النفط متخمة أيضا. أما ضخامة المخزونات العالمية فإنه سبب يمكن تصديقه، على اعتبار أن كافة دول العالم المستوردة للنفط استغلت تراجع الأسعار وصارت تخزنه.وأما إنتاج الشركات الأمريكية من النفط الصخري فعامل مؤثر على اسعار النفط. فبالرغم من ارتفاع تكاليف إنتاجه إلا انه صار السبب المباشر في بقاء أسعار النفط متدنية. إذ يصدر تقرير دوري عن شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة بعدد منصات الحفر النفطية في الولايات المتحدة. وكلما ذكر أن عدد منصات الحفر ارتفعت انخفض سعر برميل النفط. وبذلك فإن منافسة محتدمة بين (أوبك) وصناعة النفط الصخري الأمريكية.
* في 24/‏‏5/‏‏2017 حضر القائمون على صناعة النفط الصخري إلى فيينا واطلعوا على توجهات أوبك لاستعادة توازن السوق النفطية. كما أن أوبك ترتب لرحلة يقوم بها كبار مسؤوليها إلى تكساس لمعرفة ما إذا كانت هناك إمكانية للتعايش بين الصناعتين أم أنهما تتجهان لصراع حاد آخر في المستقبل القريب.
السعودية من جانها تفضل التعايش الآن، متخلية عن استراتيجية سابقة سعت من خلالها لضخ أكبر كميات ممكنة في محاولة للتخلص من النفط الصخري الأمريكي من خلال أسعار الخام المنخفضة. غير ان ذلك التوجه لم يثن شركات النفط الامريكية عن مواصلة تطوير تكنولوجيا الحفر وتقليل تكلفة انتاج البرميل إلى أقل من 50 دولارا. فأدركت أوبك أن تخفيضات الإمدادات والأسعار الأعلى إنما تسهل على قطاع النفط الصخري تحقيق أرباح أعلى بعد أن وجد سبيلا لخفض التكلفة حين رفعت السعودية الإنتاج على مدى السنوات الثلاث الماضية.
تجدر الإشارة إلى أن الدول ذات الإنتاج القليل، سواء داخل أوبك أو خارجها، ليس لإنتاجها أو صادراتها التأثير الكبير على الأسعار أو زيادة تخمة المعروض. على اعتبار أن معظمها مرتبط بعقود تصدير تقليدية وليس لديها فائض يساهم في زيادة تخمة المعروض التي سببها عدم التزام كبار المنتجين بالخفض المقرر.
فإذا كان حجم تخمة المعروض من النفط الخام المتداولة في الأسواق تقدر بمليوني برميل يوميا أو أكثر فإن خفض 1.8 مليون برميل من إنتاج دول أوبك وخارجها لن يعمل على تصريف كمية المعروض. لذا فإن على دول أوبك وخارجها، وتحديدا المنتجون الكبار، أن يعيدوا النظر في واقع سوق النفط لتحديد خفض يحدث خللا في توازن السوق بما يجعل الطلب أكبر من العرض للزمن الذي ينهي تخمة المعروض. شرط أن تلتزم دول أوبك وخارجها كافة لفترة محددة. فالصدمة المقترحة تجعل من شركات انتاج النفط الصخري الأمريكية غير قادرة على تلبية الطلب في الأسواق العالمية وحتى السوق الأمريكية التي قد يمتد تأثير الصدمة للخزين الاستراتيجي الأمريكي.