الاشتراكيون الألمان فقدوا الأمل في الإطاحة بميركل

سمير عواد –
ستتجه أنظار العالم مساء 24 من سبتمبر المقبل إلى ألمانيا التي تشهد انتخابات مهمة بعد التي جرت في هولندا وفرنسا حيث ما زال الشعبويون وأعداء الإسلام مثل «جيرت فيلدرز» و«مارين لوبن» يلعقون مرارة الهزيمة. ورغم أنه لا خوف على احتمال فوز «حزب البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي والمعادي للإسلام وللمهاجرين، على نسبة من الأصوات تؤهله للحكم أو المشاركة فيه لجانب أحزاب أخرى، فإن الناخبين الألمان، سوف يصوتون إما لصالح المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، وبالتالي سيؤيدون بقاءها في منصبها للمرة الرابعة، أو يختارون منافسها، مارتن شولتس، الذي اختاره الاشتراكيون الألمان في نهاية يناير رئيسا للحزب ومرشحا لمنافسة ميركل.  

فبعد وقت قصير على انتخاب شولتس الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي خيل للمراقبين أنه قادر على الإطاحة بميركل. وحسب استطلاعات الرأي، تقدم بالنقاط على ميركل، وأثار موجة من الحيرة في أوساط المعسكر المسيحي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية، وظهر كأن الاشتراكيين الذين فقدوا السلطة مع الخضر في عام 2005م على وشك استعادتها. وقالت وسائل الإعلام الألمانية إن ميركل تشعر بالإنهاك ولم تعد قادرة على خوض الحملة الانتخابية. وتعرضت لانتقادات من قبل مسؤولين في حزبها ذاته، وهم الذين ظنوا أنهم سيفقدون السلطة؛ لأن ميركل غير قادرة على مواجهة شولتس.
لم يستمر هذا المناخ طويلا، حيث نجح الحزب المسيحي الديمقراطي في الاختبار الأول له، عندما فاز ضد كثير من التوقعات بالانتخابات المحلية لولاية «السار» رغم أن أنيجريت كرامب كارينباور رئيسة الحكومة المحلية انتقدت نهج ميركل في حملتها الانتخابية، وكان ذلك أول هزيمة لحقت بالاشتراكيين بعد استلام شولتس رئاسة الحزب. ثم نجح حزب ميركل في الاختبار الثاني، وفاز ضد التوقعات أيضا، بانتخابات ولاية «شليزفيج هولشتاين» على الساحل في أقصى شمال ألمانيا.
ثم كانت الطامة الكبرى التي جعلت الاشتراكيين في حيرة من أمرهم، حتى أنهم يفقدون الثقة بشولتس وبفرصة الإطاحة بميركل في سبتمبر القادم، وذلك عندما فاز الحزب المسيحي الديمقراطي بصورة مفاجئة في انتخابات ولاية «شمال الراين وستفاليا»، أكبر ولاية ألمانية من حيث عدد السكان البالغ عددهم فيها نحو 18 مليون نسمة، وكان يطلق عليها الانتخابات العامة الصغيرة، مما جعل ميركل في وضع مريح ولا تحتاج إلى عناء كبير في حملتها الانتخابية.
لكن لم يعد أمام الاشتراكيين وقت للتغيير؛ لأن الانتخابات المصيرية لميركل والاشتراكيين ستجرى بعد أقل من أربعة أشهر. والواضح للمراقبين أن ميركل، ليست معروفة بأنها صاحبة أفكار لخوض الحملات الانتخابية. ففي الماضي لم تضطر لخوض حملة انتخابية واحدة، وإنما كان الحظ من نصيبها في كل مرة، بأن كان خصمها شخصا ضعيفا، مثلما يبدو شولتس في الوقت الراهن. ففي عام 2005 حصلت ميركل على منصبها، لأن الناخبين الألمان أرادوا معاقبة المستشار الألماني جيرهارد شرودر، على قرارات السياسة الاجتماعية التي اتخذتها حكومته الائتلافية مع الخضر، وهي التي دعت إلى «شد الحزام» كي تخفض ألمانيا ديونها. وميركل معروفة بالاستفادة من أفكار الاشتراكيين، فتبنت هذا النهج لكنها منحته اسما جديدا هو «التوفير القسري»، والنتيجة أن ألمانيا تحررت من ديونها وأصبحت خزينتها عامرة بمليارات اليورو.
وعندما دافعت ميركل عن منصبها في عامي 2009 و2013 اكتفت بالقول للألمان: أنتم تعرفونني. ولم تحصل ميركل في الحملتين السابقتين على منافس قوي من صفوف الحزب الاشتراكي، فخسر أمامها في 2009، فرانك فالتر شتاينماير الذي يشغل حاليا منصب رئيس الجمهورية الألمانية، ثم بير شتاين بروك الذي شغل سابقا منصب وزير المالية، ثم جاء شولتس الذي رشحته عمليات استطلاع الرأي بعد انتخابه رئيسا للحزب الاشتراكي، للإطاحة بميركل.
غير أن الفرحة بقدومه كانت قصيرة جدا بعد خسارة الانتخابات في ولايتين، وحصلت ميركل على اندفاعة قوية، علاوة على اعتبارها فوز إيمانويل ماكرون بمنصب الرئيس الفرنسي، ضد منافستها الشعبوية مارين لوبن، انتصارا لألمانيا ولأوروبا أيضا؛ لأن لوبن كانت قد وعدت ناخبيها بإجراء استفتاء حول انسحاب فرنسا من الاتحاد الأوروبي، وبذلك سيكون بداية انهيار الاتحاد وتفكك ما يعرف باسم المحور الألماني-الفرنسي الذي يعتبر محرك الاتحاد الأوروبي في الواقع.
وأصبحت ميركل تستفيد من تراجع تأييد الشعبويين في أوروبا وألمانيا وبحسب القناة الأولى للتلفزيون الألماني فإنه لو اختار الألمان مستشارهم مباشرة، فإن 47 % منهم سيختارون ميركل، و28 سيختارون شولتس. وأصبح بعض المعلقين يعتقدون أن ميركل قد ضمنت فوزها في الانتخابات القادمة، لأن منافسها يبدو كأنه فقد الأمل في الفوز ويعود ذلك إلى عدة أخطاء ارتكبها، بعضها فادحة. فقد تم ترشيحه لمنافسة ميركل وليس لديه أفكار للسنوات القادمة. ثم اختفى عن الصورة حتى أن إحدى الصحف كتبت تقول «أين شولتس؟». ثم جاءت الهزيمتين المتتاليتين للحزب الاشتراكي في ولايتي «السار» و«شليزفيج هولشتاين»؛ لتجعله يبدو كأنه أكبر سنا من عمره الحقيقي.
أما ميركل فقد راحت تتجاهل منافسها كما كانت تفعل في الماضي مع منافسيها الآخرين، وهي أيضا ليس لديها أفكار جديدة في حملتها الانتخابية، وهذا لا يزعج الناخبين الألمان؛ لأن أوضاعهم جيدة في الوقت الحاضر، فألمانيا بطلة العالم في التصدير، وما زالت أقوى دولة أوروبية، ونسبة البطالة وصلت مؤخرا إلى أدنى مستوى لها، مما يجعل الشباب العاطلين عن العمل من أوروبا يبحثون عن فرص العمل فيها؛ حيث يجدونها بصورة أسهل مما يتصورون.
وحسب التلفزيون الألماني فإن ما يقلق الألمان أكثر هو عواقب أزمة اللاجئين والإرهاب، وتصعيد الأزمات والنزاعات في الخارج، وخاصة الحرب الأهلية في سوريا خاصة بعد استخدام الأسلحة الكيماوية والرد العسكري الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية رغم أن الضربة ضد النظام السوري كانت محدودة للغاية، ولا يشعرون أن واشنطن وموسكو على استعداد للتعاون في إنهاء هذه الحرب.
كما تستغل ميركل ظهورها على مسرح السياسة الدولية، فبعد أن هدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تعنيفها وانتقادها، أصبحا يتشاوران باستمرار عبر الهاتف الأحمر. كما أنها تناطح الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوجان. وما زالت ميركل بالنسبة لكثيرين صاحبة القرار بفتح حدود ألمانيا أمام آلاف اللاجئين، رغم أنها أكدت في ضوء الانتقادات التي انهالت عليها أنها لن تفعل ذلك مرة أخرى، وتسعى منذ وقت؛ لعدم إدخال وفود لاجئين جدد إلى ألمانيا وأوروبا؛ ولذلك سعت لإبرام اتفاقية مع تركيا لوقف عبور اللاجئين بحر «إيجه» إلى اليونان ومواصلة طريقهم إلى وسط أوروبا عبر دول البلقان التي أعادت الأسوار إلى أوروبا لأول مرة منذ انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989.