الإثبات القضائي

د . ناصر بن عبدالله الناعبي –

عُرف الإثبات القضائي بأنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي يحددها القانون لإثبات واقعة يرتب عليها القانون ثبوت حق متنازع فيه. وبهذا المعنى يمكن لنا أن نميز بين الإثبات القضائي والإثبات بالمعنى العام وهو ما يعرف بالإثبات العلمي أو التاريخي والذي يهدف إلى إثبات حقيقة ما يقوم البرهان عليها بأية وسيلة ومن أي طريق ويساهم في ذلك كل من يريد من الأفراد وتظل الحقيقة أياً كان نوعها علمية أو تاريخية تظل بعد هذا الإثبات قابلة للنظر والنقاش على وجه الدوام.
ولما كان الغرض من الإثبات العلمي هو الوصول إلى الحقيقة المجردة، فإن الإثبات القضائي يهدف بالدرجة الأولى إلى الفصل في النزاع بين الطرفين على حق يدعيه كل منهما، ويمتنع على القاضي أن يتقدم بدليل من عنده أو يساهم في جمع الأدلة أو يبني حكمه على علمه الشخصي التزاما بمبدأ الحياد الذي يقتصر فيه دور القاضي على تلقي الأدلة كما يقدمها الخصوم ثم تقدير دلالتها في الإثبات مراعياً ما يحدده المشرع في ذلك. والذي لا شك فيه بأن للإثبات أهميته العملية بالنسبة للحماية التي تسبغها كل التشريعات على الحق المتنازع فيه، حيث الحق الذي لا يقوم عليه دليل لا قيمة له ولا نفع منه. يقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام تأكيداً لأهمية الإثبات «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
لقد اتفقت كل التشريعات على تنظيم قواعد الإثبات وسلكت في ذلك ثلاثة مذاهب. فالمذهب الأول هو الإثبات المطلق أو الحر وفيه لا يتدخل القانون ويحدد طرقاً معينة للإثبات، وبهذا يجوز الإثبات بأية وسيلة ممكنة يطمئن إليها قاضي الموضوع في تكوين عقيدته في موضوع النزاع، والمذهب الثاني هو مذهب الإثبات المقيد وفيه يحدد القانون الطرق التي يصل بها القاضي إلى الحقيقة، وفي هذا المذهب المشرع لا يقتصر على حصر طرق الإثبات فحسب بل يحدد كذلك قيمة كل من هذه الطرق، الأمر الذي يترتب عليه عدم استطاعة المتقاضين أن يثبتوا حقوقهم بغير تلك الطرق، وبموجب ذلك لا يستطيع القاضي أن يختار طرقاً غيرها أو يعطي لها غير القيمة التي حددها القانون، حيث موقف القاضي في هذا المذهب سلبي محض، حيث لا يجوز له من جانبه أن يكمل ما في أدلة الخصوم من نقص ولا أن يقضي بعلمه الشخصي وإنما يتعين عليه أن يكون حكمه على ضوء ما قدمه الخصوم من أدلة يقدرها في الحدود التي رسمها القانون في ذلك. والمذهب الأخير يطلق عليه المذهب المختلط، وهو من اسمه يأخذ بين النظامين السابقين، حيث تعتبر أحكامه تتراوح بين التقييد والإطلاق في الإثبات القضائي.