الحرب في سوريا مادة خصبة للمسلسلات في رمضان

دمشق «أ.ف.ب»:- ما إن دوى انفجار في وسط دمشق حتى اندفع مواطنون باتجاه مصدر الصوت وسارع بعضهم إلى الاتصال بالإسعاف، لكنهم فوجئوا بالكاميرات حولهم ليتبين أن ما حدث ليس إلا مشهدا من مسلسل حول الحرب في سوريا بدأ عرضه خلال شهر رمضان.
منذ بدء الأحداث في سوريا قبل ست سنوات، تمحورت العديد من الأعمال الدرامية السورية حول الحرب من معارك ونازحين ودمار.
وعادة ما اعتبرت سوريا إلى جانب مصر، الأشهر بين الدول العربية من ناحية الإنتاج الفني وخصوصا المسلسلات التي تعرض في رمضان. تطلب المخرجة السورية رشا شربتجي عبر مكبّر الصوت الالتزام بالهدوء، ثم تبدأ بالعد التنازلي «ثلاثة، اثنان، واحد» قبل ان يدوي انفجار قرب ساحة عرنوس في وسط دمشق.
يركض عدد من المواطنين باتجاه المكان ظنا منهم أن انفجارا وقع في العاصمة، على غرار التفجيرات الدامية التي شهدتها في السنوات الأخيرة، ويجدون هناك سيارة تحترق وأشخاصا على الأرض، لكن سرعان ما تبين لهم أنهم في تصوير مشهد سينمائي. لم يتمالك أحدهم نفسه من توجيه شتيمة قبل أن يغادر المكان، ليكمل فريق العمل المشهد من مسلسل «شوق» الذي يتناول قضية «المخطوفين، الحلقة الأضعف في الحرب السورية» بحسب شربتجي.
وتقول المخرجة «تنوعت في الفترة الماضية المضامين الدراميّة بين كوميدي وحب وتاريخي، وقد تراجعت الدراما الواقعية لأن الكل يهرب من محاكاة الواقع القريب والجرح الطازج». وتضيف «أنا شخصيا هربت ثلاث سنوات نحو أعمال حول الحب والعلاقات، لكن لا أستطيع أن أبقى هاربة طوال الوقت، وعدتُ هذه السنة بعمل يحاكي الأزمة بشكل مباشر».
وشهدت سوريا منذ بدء النزاع أعمال خطف كثيرة، من بين المخطوفين من عاد إلى اهله بعد دفع فدية ومنهم من لا يزال مفقودا حتى الآن. يتخلل المسلسل مشاهد معارك وتفجيرات وقتلى ودماء. وتقول شربتجي «كان الأمر صعبا للغاية، لكنه بكل تأكيد ليس أصعب من الواقع المُعاش».
– الأمان والفوضى – وضعت الحرب عوائق كبيرة أمام إنتاج الدراما السورية، فباتت مواقع التصوير داخل البلاد محدودة بل اختار مخرجون التصوير في الخارج. كما يتعذر وجود بعض الممثلين داخل سوريا حتى إنه لا يمكن لبعضهم العودة «لأسباب اقتصادية أو أمنية أو سياسية»، وفق شربتجي.
وترى المخرجة أن «الفرق بين الإنتاج خلال الحرب وما قبلها كبير جدا، ولاسيما «بسبب تدهور العملة السورية» وتردي الحالة الأمنية. وتوضح «التصوير كان متاحا في كل مكان، أما اليوم فنحن محصورون بمناطق معينة تكون فيها نسبة الأمان مقبولة».
اختار المخرج سمير حسين تصوير مسلسل «فوضى» في منطقة القصاع المحاذية لحي جوبر الذي يتقاسم الجيش السوري والفصائل المعارضة السيطرة عليه، ويعد إحدى جبهات القتال الأساسية في العاصمة. يتناول المسلسل «الفوضى» التي يعيشها المجتمع السوري جراء الحرب في البلاد من خلال «قصص حب وأخرى إنسانية تعترضها مجموعة من المعوقات» نتيجة الأزمة، وفق ما يقول حسين.
وبات أحد منازل القصاع مقرا لفريق العمل، فتحولت إحدى غرفه إلى مكان لتغيير الملابس، فيما اعتمدت أخرى لتصوير أحد المشاهد.
طلب حسين الإبقاء على جميع نوافذ المنزل مفتوحة، خوفا من أن يتحطم ما تبقى منها جراء الضغط في حال سقطت قذيفة قريبة. يقف حسين بالقرب من أحد النوافذ المطلة على جوبر ويقول «اختلفت الأمور عما قبل الحرب (…) المكان الذي كنا نصور فيه لم يعد متاحا كما في السابق».
-«مسرح درامي حي» – وفي بعض الأحيان لم يعد المخرج بحاجة إلى إنشاء ديكور خاص لمشهد حول المعارك أو الدمار، فما حلّ في الكثير من المناطق السورية بات هو الديكور. ويقول المخرج أحمد إبراهيم أحمد لفرانس برس «تنفق الشركات العالمية آلاف الدولارات من أجل صناعة ديكور دمار أو تمثيل مشهد حربي.. هنا لا ننفق شيئا، أرضنا أصبحت مسرحا دراميا حيا».
اختار أحمد مدينة داريا المدمرة بنسبة كبيرة قرب دمشق، والتي سيطر عليها الجيش السوري بالكامل في صيف 2016، مسرحا لفيلمه «ما ورد»، الذي يوثق تاريخ سوريا من الاستقلال وحتى الحرب الدائرة حاليا.
ويقول المخرج الخمسيني «أبهرني مشهد الدمار في مدينة داريا (…) واستفدنا من الأصوات الناجمة عن قصف المدافع وإطلاق الرصاص حتى أننا أدخلناها في مشاهدنا».
فضل مخرجون وفنانون آخرون الابتعاد عن مواضيع الحرب واختاروا مواضيع ومناطق أهدأ، مناطق أكثر أمنا بعيدا عن المعارك والقذائف، ومن بين هذه الأعمال مسلسل «طوق البنات» الذي يعرض في شهر رمضان الجزء الرابع منه ويتمحور حول الحقبة ما بعد الاستقلال.
– «لا قذائف ولا انفجارات» – وفي منطقة يعفور (20 كيلومترا غرب دمشق)، أنشئت مدينة فنيّة تضم حارات شعبية تحاكي الأحياء الدمشقية القديمة. يتجمع الممثلون في إحدى «الحارات» لتأدية أحد المشاهد. ويتجول بطل المسلسل الممثل رشيد عساف في المكان وهو يرتدي الثياب الشامية التقليدية. ويقول «لا أصوات قذائف هنا، ولا خطر انفجارات». يفضّل عسّاف القضايا التاريخية والشعبية أكثر من تلك المتعلقة بالحرب الحالية.
ويقول «الناس ملّت من قصص الحرب»، مضيفا «الكثير منهم يفضّل أن يرفّه عن نفسه في رمضان، بدلا من أن يتذكر المآسي ويسترجع شريط الآلام». وإذا كان عدد كبير من الفضائيات العربية يفضل المواضيع الترفيهية الأقل «تصديرا للهموم» إلا أن الكاتب السوري علي وجيه يتساءل «الأزمة مغروسة في نفوسنا، إن هربنا منها، كيف نهرب من أنفسنا؟».