الحرير والتوابل والسياسة وأشياء أخرى ..

جمال إمام –
قبل أن تطلق الصين مبادرتها «الحزام والطريق» بشأن إحياء طريق الحرير القديم سواء في قمتها الأخيرة قبل أيام في العاصمة بكين أو حتى عندما أعلنت عنها لأول مرة في عام 2013 تحت عنوان ( قريب «حزام واحد وطريق واحد») ..
كان لعمان قصب السبق في تبني الدعوة العالمية التي أطلقتها منظمة التربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» قبل أكثر من عقدين ونصف لدراسة طريق الحرير والتجارة القديمة التي كانت تتبادلها القوافل التجارية البرية والبحرية بين شعوب العالم ..
والواقع أنه إذا كانت المبادرة الصينية هي أكثر سياسات الرئيس شي جين بينج الخارجية طموحا حيث تتضمن انفاق الصين مليارات الدولارات عن طريق استثمارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية ،وبالتالي هي بالأساس استراتيجية تنموية طرحها الرئيس الصيني تتمحور حول التواصل والتعاون بين الدول وخصوصا بين الصين ودول أوراسيا حيث ممرات طريق الحرير «الاقتصادي» البري و«طريق الحرير البحري » ..
فإن الأمر بالنسبة لعمان يعني أبعد من البعد الاقتصادي وإن كانت عبر بنيتها الأساسية الحديثة والمتكاملة خاصة شبكة طرقها وموانئها ومطاراتها ستقدم بالطبع دعما لوجستيا هائلا للمبادرة الصينية بأبعادها الاقتصادية التي تفتح نافذة واسعة لإطلالة تعددية للتعاون الاقتصادي والتنمية ما الذي يعنينا بالنسبة لعمان في هذه المقاربة ..
في النقطة الأولى ..
إن عمان تذكرنا بأنها في خضم انشغالها بالتنمية وببناء الدولة ( كان ذلك في مستهل بداية مشروعها الاقتصادي والتنموي ) لم تنس إرثها الحضاري ولا مساهماتها في رفد التجربة الإنسانية..
وهي عندما تقوم بتبني مبادرة اليونسكو حول طريق الحرير القديم فهي تقوم بذلك وهي على قناعة بأنه جزء من مسؤوليتها الثقافية والأخلاقية الذي اضطلعت بها بأمانة من خلال دورها التاريخي عبر طريق الحرير القديم وكذلك رحلات تجارها البحرية وانفتاحها على العالم القديم حيث ساعد موقعها الاستراتيجي في أن تكون في القلب من هذا العالم تؤثر فيه بقوة .. وهو ما يلخص الأهمية الحضارية لمبادرة اليونسكو وتبني عمان لها ( قبل المبادرة الصينية ) وأيضا الأهمية الجيوسياسية لموقع عُمان الجغرافي والدور الذي لعبته في مسيرة التواصل الإنساني بين الشرق والغرب ..
فقد كان لها دور ثقافي وحضاري في الرحلة البحرية لطريق الحرير بتخصيص اليخت السلطاني فلك السلامة في عام 1990 مع كل طاقمه لتستخدمه اليونسكو لهذه الرحلة ..
وفي ذلك تقدير عماني للمردود العلمي للدراسة ونتائجها الإيجابية والاستفادة من معطياتها لزيادة الترابط بين شعوب العالم وقد شملت دراسة طريق الحرير وقتها رحلات برية وبحرية فإحدى الرحلتين البريتين بدأت من (اسطنبول) وانتهت في مدينة (اكسيان) بالصين والرحلة الأخرى بدأت من أوديسا الروسية وانتهت في كانتون بالصين أيضاً ..
أما الرحلة البحرية فقد بدأت من البندقية مروراً بـ 21 ميناء منها مسقط و صلالة وانتهاء بأوساكا باليابان، حيث المحطة الأخيرة وقد سلكت فلك السلامة خط السير نفسه الذي سلكه ماركو بولو في بحثه عن الحرير والتوابل .. في النقطة الثانية . ان عمان لم تكتف باقتفاء أثر الطريق القديم للتجارة عبر مساره البحري أو دروبه البرية ولكنها نظمت ندوة دولية حول «أهمية التراث البحري العماني لطريق الحرير»
كشفت عن مدى تأثر الحضارات والثقافات في الشرق والغرب بعضها ببعض وما تم تناقله من معلومات تقنية وعلمية من خلال التبادلات التجارية لمختلف السلع وخاصة الحرير الذي استقطب اهتمام العالم القديم باعتباره اكتشافا غير مسبوقا منذ الألف الثاني قبل الميلاد ..
بجانب ما أحدثته توابل الشرق من تغيير موازين التجارة بين الشرق (بسحره وتوابله وحريره ) وبين الغرب الذي وقف مذهولا امام كنوزه التي كانت مقدمة لاكتشافات جغرافية غربية بالغة الأثر أبرزها رحلة المستكشف البرتغالي، فاسكو دا جاما في أواخر القرن الخامس عشر حول رأس الرجاء الصالح فكان أول من وصل البحارة الأوروبيين بالطرق البحرية المارة من جنوب شرق آسيا فاتحا المجال لدخول الأوروبيين مباشرة في هذه التجارة ..
النقطة الثالثة .. أن عمان كانت واحدة من أهم المراكز الحيوية على طريق الحرير بين الشرق والغرب باعتبارها من أكثر المراكز التجارية ازدهارا في ذلك الوقت في المحيط الهندي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ..
وفي ذروة ازدهار الامبراطورية البحرية العمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نجحت عمان في بسط نفوذها البحري على امتداد الساحل من رأس جوردافور في القرن الإفريقي وبريمبا في موزمبيق ومقديشو وماليندي وممباسا وزنجبار..
حيث ساهم الموقع الاستراتيجي لعُمان في ازدهار النشاط البحري عبر مختلف العصور وكان القوة الدافعة لازدهار الموانئ العمانية وهي لا تزال واحدة من الدول الرائدة في النشاط البحري كما لا تزال موانئها الكبيرة في مسقط وصحار و صلالة تلعب دورا مهما في المحافظة على هذا التراث البحري العريق كما أنها ستكون حلقة وصل بارزة في المبادرة الصينية لإحياء طريق الحرير القديم حيث ان عمان جزء رئيسي وبارز من الإرث الفكري والثقافي والتجاري والاقتصادي والسياسي لهذا الطريق التاريخي .. فقد امتدت علاقاتها إلى مختلف القوى الدولية منذ وقت مبكر وتفاعلت بقوة مع محيطها الخليجي والعربي والدولي باعتبارها مركزاً للتواصل الحضاري مع الشعوب الأخرى ..
والواقع أن عمان على امتداد هذه الحقبة المؤثرة في تاريخ طريق الحرير كانت تحمل بجانب تجارتها هما وإرثا ثقافيا وحضاريا وإنسانيا وهذا هو البعد الآخر الذي اهتمت به عمان عبر تبنيها لدعوة اليونسكو وهو الكشف عن حجم العلاقات ومدى تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل عبر طريق الحرير .. فبالتوازي مع التجارة على طول طرق الحرير كان هناك التلاقي الفكري والثقافي عبر المدن والموانئ المحاذية لهذه الطرق حتى أن العديد من هذه المدن تحوّل إلى مراكز للثقافة والتعلم وتبادل العلوم والفنون والأدب والمهارات في مجال الحرف اليدوية وتقنيات تلك الحقبة حيث تمازجت الثقافات واللغات والأفكار على امتداد طرق الحرير..
في النقطة الرابعة .. أن عمان الحديثة ستؤثر بقوة في المبادرة الصينية في جانبها الاقتصادي بعد أن سبقتها في التأكيد على الأبعاد الثقافية والحضارية من خلال دعمها وتبنيها لفكرة ومشروع اليونسكو قبل هذه المبادرة بعقدين ونصف ..
ماذا تقدم عمان من دعم لوجستي لهذه المبادرة الصينية التي تعيد بناء شراكات اقتصادية وتجارية في مجال التعاون الدولي ربما يدفع كما قالت الصين خلال قمتها باتجاه انشاء نظام دولي أكثر عدلا وعقلانية واتزانا «.. وهي في هذه النقطة تحديدا تعبر عن نفسها كقوة اقتصادية هائلة بمواردها البشرية وبنتاجها القومي وبحجم موازينها التجارية التي ترجح كفتها لصالحها حتى مع الولايات المتحدة .. بالنسبة لعمان وهي تواصل تجديد مشروعها الاقتصادي برئات جديدة تساعد على جذب المزيد من الاستثمارات وفرص العمل والنمو الاقتصادي والتمدد العمراني .. فإنها تعمل على تغيير خريطتها الاقتصادية والاجتماعية حتى نهاية رؤيتها الاقتصادية الثانية عمان 2040 وذلك في ضوء التغير الذي طرأ على خريطتها الديموغرافية بزيادة تعدادها السكاني الذي تجاوز أربعة ملايين نسمة الآن ..
وهي من خلال طموحاتها في ان تكون مركزا إقليميا في صناعة السياحة والطيران والنقل الجوي والبحري والبري لا تتوقف عن تحديث بنيتها الأساسية في مجال الطرق والسكك الحديدية ( مستقبلا ).. بالإضافة إلى إنشاء خمسة مطارات حديثة في مقدمتها مطار مسقط الدولي ومطار صلالة والمطارات الإقليمية في صحار والدقـم ورأس الحــد،كما أن هناك خططا في تحديث وإقامة موانئ جديدة أبرزها ميناء الدقم أحد أهم مفاتيح التنمية بما يشكله والمنطقة الصناعية والتجارية المحيطة به مستقبل هذه التنمية على سواحل بحر العرب مثلما ميناء صحار بالنسبة لساحل الباطنة.. وإذا كانت الصين أعلنت أنها ستساهم بنحو 40 مليار دولار في دعم البنية الأساسية في طريق الحرير وذلك بهدف ربط الأسواق الآسيوية عبر القارة فإن عمان جاهزة ببنيتها الأساسية المتطورة لجذب الاستثمارات عبر طريق الحرير مثلما كانت في الماضي ..