الضغوط والضوابط الإقليمية.. تحد من التصعيد في كوريا

محمد حسن داود –

«لا شك في أن منظومة الأمن الإقليمي لمنطقة شرق آسيا تلعب دورًا مؤثرًا، يكاد يكون حاسمًا في وضع قيود وضوابط تحول دون تصعيد المواجهة الراهنة أو الوصول بحالة التوتر الدائمة في شبه الجزيرة الكورية إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة».

على خلفية التصعيد الجاري في منطقة شبه الجزيرة الكورية، يمكن القول إن منظومة الأمن الإقليمي القائمة في منطقة شرق آسيا هي الضمان الأكبر لعدم انزلاق المنطقة نحو حرب عسكرية شاملة، لا يستطيع أي محلل أو حتى سياسي محترف أن يحدد لها ملامح دقيقة، ولكنها بحسابات معينة ستكون شديدة التدمير، ولن تقتصر حدودها فقط على المنطقة الملتهبة، ولأنها تدرك ذلك جيدًا فإن دول المنطقة وعلى رأسها الصين وروسيا باتت حريصة أشد الحرص على استبعاد الحلول العسكرية في التعامل مع مختلف أزمات المنطقة التي تعاني من منظومة أمنية شديدة التعقيد، وحتى اليابان وكوريا الجنوبية، وهما أساس المصالح الغربية -الأمريكية في المنطقة، يبحثان بالفعل عن كل وسائل الدفاع والحماية في مواجهة التصعيد الصاروخي – النووي من جانب كوريا الشمالية، إلا أنهما بكل تأكيد لا يرغبان في التصعيد إلى حد المواجهات العسكرية لما تمثله من خطورة ولارتفاع فاتورة الخسائر والتكلفة الباهظة المتوقعة، وبالتالي فإن منظومة الأمن الإقليمي، وما تفرضه من ضوابط في المنطقة كفيلة بلجم التصعيد والحيلولة دون وصوله مستويات غير مرغوب فيها.
وبرغم ذلك فانه لا يجوز التقليل من خطورة التطورات المتلاحقة والتوترات المتصاعدة خاصة مع تكرارها أكثر من مرة ومع إصرار كوريا الشمالية على الاستمرار في تطوير برنامجها النووي – الصاروخي وإعلان واشنطن عن تصديها بكل حزم لهذه الطموحات، ويزيد من خطورة الموقف غياب تسويات سياسية حقيقية في المنطقة من شأنها أن تقيم السلام في شبه الجزيرة التي ما زالت ترقد فوق بركان بارود منذ مطلع الخمسينات في القرن الماضي، ولكن هناك جملة من الحقائق يفسر في ضوئها المحللون الاستراتيجيون والسياسيون ما يجري من تصعيد حاليا في المنطقة.
ومن بينها على سبيل المثال غياب الرغبة الحقيقية لدى الولايات المتحدة والصين في فتح أبواب المحادثات المباشرة بين طرفي الصراع لوجود رغبة لدى بكين في القيام بدور القوة العظمى لإقليمي شرق وجنوب شرق آسيا منذ خروج الاتحاد السوفييتي من المنطقة عقب نهاية الحرب الباردة، وتستفيد الصين بشكل مباشر من التوتر في الكوريتين لتحقيق مصالحها على المستوى الإقليمي من خلال القيام بدور عنصر التهدئة وضبط النفس بين كوريا الشمالية من جانب وكل من اليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر، كما تستفيد الصين عبر تبنى الإستراتيجية غير المباشرة لحماية مصالحها في مواجهة الولايات المتحدة من القيام بدور الوسيط المؤثر في العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الإقليم من جانب وكوريا الشمالية من جانب آخر، خاصة بعد وصول رسائل «تحذيرية» محددة إلى واشنطن مفادها أن أي تجاوز تقوم به واشنطن للخطوط الحمراء في العلاقات على المستوى التجاري والعسكري مع الصين سيعني تحمل واشنطن تبعات ذلك التهور، وبالفعل عبرت الولايات المتحدة الخطوط الحمراء الصينية بالتزامن مع التجارب الكورية الشمالية عندما أعلنت القيادة الأمريكية في المحيط الهادئ في السابع من مارس الماضي بدء نشر منظومة «ثاد» المضادة للصواريخ في كوريا الجنوبية لردع بيونج يانج، وهو الأمر الذي يزعج كوريا الشمالية وسبق أن حذرت منه الصين بشكل مباشر لما لمسته من تهديد لقدراتها غير التقليدية وتأثير واضح على توازن القوى في الإقليم.
كما عبرت وزارة الخارجية الروسية عن قلق موسكو إزاء بداية نشر أنظمة الدفاع الصاروخية الأمريكية في كوريا الجنوبية، وقد بدا الموقف الصيني بوضوح عندما قدمت اقتراحا للحد من التوتر في شبه الجزيرة الكورية يتضمن وقف كوريا الشمالية نشاطها النووي والصاروخي مقابل تعليق الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مناوراتهما العسكرية، وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي: تقترح الصين كخطوة أولى في نزع فتيل التوتر في شبه الجزيرة الكورية، وقف كوريا الشمالية تجاربها النووية والصاروخية مقابل وقف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مناوراتهما العسكرية في المنطقة، بما يعنى تعليقا مقابل تعليق، وهو تصريح يلوح بامتلاك الصين القدرة على تحقيق التوازن والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي رفضته السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة.
وفي مواجهة ذلك تستغل الولايات المتحدة إطالة أمد الصراع في المنطقة لفرض تواجدها العسكري على مجموعة من الدول ـ كوريا الجنوبية واليابان ـ والإقليم بأسره للحفاظ على مكتسباتها الإستراتيجية في منطقة تحمل مستقبل العالم على حد توقعات كثير من الإستراتيجيين، فالنزاع الكوري ـ الكوري في حالة حرب لم تنته منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي فترة زمنية طويلة الأمد لصراع عسكري مستمر لما يمثله ذلك من استنزاف مستمر لطاقات وقدرات المنطقة وعامل طويل الأمد من عوامل عدم الاستقرار في العلاقات البينية بين دول الإقليم، قد بدت ملامح الموقف الأمريكي المتزامنة مع التجارب الكورية الشمالية من خلال نشر منظومة صواريخ «ثاد» في كوريا الجنوبية، ما أزعج الصين وروسيا قبل كوريا الشمالية، كما أعلنت وسائل إعلام ما ورد في بيان عن البيت الأبيض عقب مكالمتين هاتفيتين أجراهما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبى والقائم بأعمال رئيس كوريا الجنوبية هوانج كيو آن حيث أكد ترامب لمحادثيه اتخاذ إدارته جميع الخطوات اللازمة لتعزيز قدرات الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية على ردع بيونج يانج والوقاية من صواريخها الباليستية، باستخدام كافة الوسائل العسكرية الأمريكية المتاحة لذلك.
وليس خافيا أنه منذ سنوات عديدة وواشنطن تضغط على بكين باعتبارها أقرب حلفاء بيونج يانج لوقف برنامجها النووي، وفي 2016 وأثناء إحدى المناظرات بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب اقترح هذا الأخير دخول الصين لكوريا الشمالية لحل المشكلة، فالولايات المتحدة ترغب في قيام الصين بتطبيق العقوبات التي أقرتها الأمم المتحدة، ففي عام 2006 وبعد أول تجربة نووية في كوريا الشمالية، فرض مجلس الأمن على أعضائه منع تقديم أية معدات أو خدمات متعلقة بالتسلح لكوريا الشمالية، وبرغم تصويت الصين بالموافقة على هذه العقوبات فإنها قلما تطبقها فهناك تقارير عديدة تشير إلى أنه ما زال هناك تهريب على الحدود بين الصين وكوريا الشمالية بمباركة بكين التي تخشى انهيار نظام بيونج يانج؛ لأنه في هذه الحالة ربما تتفق كوريا الشمالية مع كوريا الجنوبية حليفة الولايات المتحدة ليزداد النفوذ الأمريكي في المنطقة، الأمر الذي لن يريح الصين بأي حال من الأحوال، فالصين تحتاج لكوريا الشمالية باعتبارها منطقة عازلة وهي –الصين – بالفعل الشريان الحيوي الذي تتغذى منه بيونج يانج وتعيش، وتصمد بفضل دعمه السياسي والاقتصادي والتجاري وكذلك العسكري.
ولا تقف الصين وحدها في دعم منظومة الأمن الإقليمي برفض التصعيد الأمريكي، فمعها في هذا المضمار الدب الروسي المستيقظ، ونظرًا للمحاولات الجديدة من جانب الولايات المتحدة، الهادفة أيضا إلى إنشاء هياكل التكامل الاقتصادي التي من شأنها كبح جماح النفوذ الروسي الصيني في المنطقة، تعمل موسكو وبكين على بناء تعاون اقتصادي أعمق مع بلدان آسيا والمحيط الهادئ الأخرى، وفي مواجهة المنافسة المتزايدة من الولايات المتحدة للعب دور قيادي في النمو الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، فإن الصين تعتبر تعزيز الشراكة الإقليمية الاقتصادية الشاملة، أولوية استراتيجية رئيسية، وعلاوة على ذلك فقد أضاف تحسن علاقات الصين مع شركائها الإقليميين مؤخرًا عاملًا للاستعجال في هذا التكامل الاقتصادي،وتتمثل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة في اتفاق التجارة الحرة بين عشر دول أعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»- بروناي وميانمار وكمبوديا واندونيسيا ولاوس وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام، وكذلك مع اتفاق التجارة الحرة للدول الست الحالية الشريكة في آسيان «أستراليا، الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية ونيوزيلندا» وتعني تلك التحركات بشكل أو آخر أن القوى الكبرى الآسيوية وعلى رأسها الصين تسعى لبناء منظومة شاملة ومتكاملة للأمن الإقليمي بعوامل عسكرية واقتصادية وتجارية من شأنها أن تحد بقوة من التدخلات الأمريكية في المنطقة وتحفظ لها استقرارها.