قوة الدبلوماسية

ستيفن والت / نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

من الواضح أن ترامب معجب بالجيش الأمريكي. فقد نصَّب جنرالاتٍ في قيادة البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية)، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الأمن الوطني ودعا إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري. كما كان سريعًا في إصدار أوامره بتوجيه ضربات صاروخية بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا. وهو يخطط لإرسال المزيد من الجنود إلى أفغانستان. ولكنه في الوقت نفسه قليل الاهتمام، كما يبدو، بالدبلوماسية التقليدية. فقد عيَّن ريكس تيلرسون، وهو قادم جديد للسياسة الخارجية، وزيرًا للخارجية. وترك وظائف دبلوماسية رئيسية شاغرة واقترح تقليص موازنة وزارة الخارجية بحوالي 30%. كما أن وزير الخارجية تيلرسون الذي يريد أيضًا تعديلًا جذريًا للوزارة اقترح إلغاء 2300 وظيفة بها. لذلك انهارت الروح المعنوية لموظفيها. وذلك ما دفع تيلرسون إلى إلقاء خطاب داخل الوزارة يوم 3 مايو لطمأنة موظفيه بأن عملهم لا يزال مهمًا. ولكن من المستبعد أن يغير حديثه الحماسي إحساس وزارة الخارجية بتضاؤل مكانتها. لا يمكن إنكار مهارات وقدرات القوات المسلحة الأمريكية. ولكن ترامب يخطئ حين يبجِّل القوة العسكرية ويتجاهل الدبلوماسية. فالعديد من أعظم نجاحات السياسة الخارجية الأمريكية تحقَّقَ على طاولة المفاوضات وليس في ميدان القتال. ويدور في الخاطر بهذا الصدد شراء لويزيانا الذي ضاعف من حجم أمريكا في عام 1803 أو تشكيل الناتو وكذلك مؤسسات بريتون وودز الاقتصادية. لقد كانت تلك أعمال اتصفت بنفس القدر من بُعد النظر وعززت من النفوذ الأمريكي. وعلى نحو مماثل، أدت معاهدة منع الانتشار النووي في عام 1968 إلى إبطاء انتشار الأسلحة النووية وجعلت مراقبة الدول التي لها طموحات نووية أكثر يسرًا. طويلة هي قائمة هذه النجاحات (الدبلوماسية). فانفتاح نيكسون على الصين عام 1972 جعل ميزان القوى يميل لصالحنا وساعد على سلاسة خروج الولايات المتحدة من فيتنام. كما أن إشراف جيمي كارتر على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية أنهى صراعًا نتجت عنه أربعة حروب منذ عام 1948.
لقد أدارت الدبلوماسية الحاذقة انهيار الاتحاد السوفييتي وكذلك إعادة توحيد ألمانيا. ومؤخرًا جدا أفضت المفاوضات الصبورة إلى اتفاق مع إيران أوقف تقدمها نحو القنبلة النووية. وفي الأثناء، يصعب أن ينسجم تعظيم ترامب للجيش مع سجل إنجازاته. لقد كان لدى الولايات المتحدة أكثر من نصف مليون جندي في فيتنام في ذروة الحرب ورغم ذلك خسرتها. وكانت حرب الخليج في عام 1991 انتصارًا قصير الأجل لم يثمر سلامًا مستقرًا. وقاد غزو العراق عام 2003 إلى مستنقع باهظ التكلفة وإلى تعزيز النفوذ الإيراني وأخيرا إيجاد دولة داعش. لقد ظل الجيش الأمريكي يحارب في أفغانستان لما يقرب من 16 عامًا. وتسيطر طالبان اليوم على أراضٍ أكبر قياسًا بأي وقت مضى منذ عام 2001.
كما ساعدت الضربات الجوية الأمريكية على إخراج معمر القذافي من الحكم في ليبيا عام 2011. وهي الآن دولة فاشلة. كانت هذه الحملات العسكرية غير ناجحة ليس لأن البنتاجون يفتقر إلى الموارد أو لأن جنودنا تنعدم لديهم البسالة أو لأن جنرالاتنا لا يعرفون القيادة. لقد فشلت لأن قادة الولايات المتحدة افتعلوا حروبا خاطئة أو لأنهم لم يكن بمقدورهم ترجمة النجاحات في ميدان القتال إلى حلول سياسية. إن الجبروت العسكري الذي لا نظير له لا يعني الكثير إلا إذا اقترن بأهداف سياسية واقعية ودبلوماسية فعالة. من المؤكد أن بإمكان القوة العسكرية تسهيل النجاح الدبلوماسي. وحسبما ذكر جورج كينان مرة فإن وجود قوة صغيرة وهادئة في الخلفية يساهم في لباقة ولطف الدبلوماسية. (بمعنى أن نشر القليل من القوة العسكرية دون ضجيج يجعل الخصم أكثر دماثة ولطفا. أما جورج كينان – 16 فبراير 1904 /‏‏ 17 مارس 2005 – فهو دبلوماسي أمريكي صاغ سياسة الاحتواء التي شكلت الإستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة لخوض الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي في الفترة 1947-1989– المترجم). ولكن قهر الآخرين كي يتصرفوا وفقًا لرؤيتنا ليس تصرفًا دبلوماسيا. فالدبلوماسية أولا وقبل كل شيء تتعلق بالتوصل إلى ترتيبات مفيدة للطرفين يقبلها الآخرون ولا يسعون إلى الانقلاب عليها. وللمفارقة فنحن كلما كنا أقوى كلما زادت أهمية الدبلوماسية. فضخامة قوة أمريكا تجعل حتى أوثق حلفائها في حالة توتر والدبلوماسية مطلوبة للتلطيف من مخاوف الآخرين وإقناعهم بإتباع قيادتنا. إن القيام بذلك يتطلب مسئولين لديهم معرفة عميقة بمصالح الدول الأخرى وتقييم ثاقب للكيفية التي يتم بها فهم تصرفات أمريكا وإدراك أن الخصوم الأضعف أيضًا يملكون القدرة على المقاومة إذا لم يكن في مقدورنا إقناعهم. ذلك هو ما دفع وزير الدفاع جيمس ماتيس مرة إلى التحذير دون لف أو دوران حين قال «إذا لم تمولوا وزارة الخارجية تمويلا كاملا فسأحتاج إلى شراء المزيد من الذخيرة». لا شك أن وزارة الخارجية ستستفيد من إجراء إصلاحات معينة. ولكن لا يمكن عمل ذلك بفرض «حِمْيَة تجويع» على الدبلوماسيين الأمريكيين. فتدمير وزارة الخارجية سيصرف الأذكياء والطموحين عن الالتحاق بالخدمة الدبلوماسية وسيجعل من الصعب على من يبقون في الخدمة الحصول على التدريب المهني الذي يلزمهم لارتقاء السلم الوظيفي. وهذا شيء يجيده تماما جيشنا الذي يحظى بتمويل أكثر سخاء. إذا استمر ترامب في تفضيل القوة على الدبلوماسية فستواصل الولايات المتحدة أخطاءها التي ستقودها إلى المتاعب. كما ستستمر في إزعاج الحلفاء دون ضرورة وتواصل عجزها عن إنهاء حروبها الحالية بشروط مناسبة. إن الدبلوماسية جزء جوهري من السياسة الخارجية الناجحة. وتجاهل هذه الحقيقة يشكل «وصفة» للإخفاقات المستمرة.

• الكاتب أستاذ الشؤون الدولية بمدرسة جون كنيدي للحكم، جامعة هارفارد.