رغم التصدع وهدم البيوت المجاورة بقي محراب «الجناة» تحفة من القرن العاشر الهجري

روائع المساجد الأثرية العمانية –
محمد بن سليمان الحضرمي –

بعد مسافة قصيرة من موقع جامع سعال بنزوى، وعلى إطلالة محاذية للشارع المزدوج المرصوف حديثا، يحتفظ الزمان بأضمومة جديدة من أضاميمه النقشية النفيسة، خبأها في المحراب النفيس لمسجد «الجناة»، التحفة المعمارية التي تعود إلى القرن العاشر الهجري، حيث فرغ صانعه من منحوتته هذه يوم الأحد الخامس من شهر صفر عام 925هـ/‏‏1519م، القرن العاشر الهجري/‏‏ السادس عشر الميلادي، أما النقاش فهو محمد بن أحمد بن سيف، وإذا كانت المسافة بين الجامع والمسجد قصيرة بقياس المكان، إلا أن المسافة بين محاربيهما بعيدة بقياس الزمان، حيث تفصلهما ثلاثة قرون من السنين.
وأتعجب من هذا التوثيق الدقيق لليوم والشهر والعام، وكأنه يخط اسمه على ورقة بيضاء، وليس على منحوتة جصية قائمة على ارتفاع أكثر من أربعة أمتار، إلى جانب ما يترتب على نحت الاسم، مع باقي التصميمات الهندسية الزهرية في المحراب، أتعجب من هذا العمل الذي لا يمكن أن يكون هينا وبسيطا، بل عمل قائم على الإحساس بقيمة الزمان.
مسجد الجناة صغير الحجم، وهو أنموذج لمساجد البساتين الصغيرة المنتشرة في ربوع البلاد، كما يصفها باولو كوستا في كتابه، خاصة وأن «الجناة» اسم المحلة التي يقع فيها المسجد، فهي محاطة ببساتين النخيل والحمضيات، وهل يكون الصانع من أهل محلة الجناة بمنطقة سعال حتى يصمم لمسجد صغير مثل هذا المحراب البديع؟، هناك ظروف جعلت من بعض المساجد تستأثر بهذه المحاريب دون غيرها، من بينها الترف المادي خلال تلك الفترة، والنبوغ الفني للصانع الذي يمتلك القدرة على رسم محراب يصل طوله إلى أكثر من أربعة أمتار، مع امتلاك المادة الجبسية الوفيرة التي تسمح له برسم منحوتته بهذا الحجم الهائل.
أربعة قرون هي عمر محراب الجناة، يظهر فيه ثلاثة صحون خزفية، حولها أوراق جصية تحيط بصدر المحراب، وشهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله منحوتة في الأعلى، تحيطه به أشكال زهرية مع خط بارز لاسم الصانع وتاريخ الانتهاء من صنع المحراب، وكادت الظروف أن تودي به في الآونة الأخيرة، كان عرضة الانهيار خلال فترة إقامة الشارع المزدوج، فقد تم هدم أغلب بيوت الطين المجاورة له، والتي كانت له بمثابة السور الدفاعي، الذي يقيه من الصدمات وحركة زحزحة التربة بوقوع المسجد في منطقة مرتفعة.
كنت قد زرت المسجد قبل عامين، ووجدت في عرض المحراب تصدعا وقطعا كبيرا، فلق المحراب إلى قسمين، ولكن جهود الترميم الحثيثة لمثل هذه التحفة غطت على التصدع.
وفي هذه الزيارة الجديدة تحدثت مع أحد القائمين على المسجد، وأخبرني أن والده المتوفى كان قد رمم المسجد من الداخل والخارج، وذكر لي أن جدران المسجد الخارجية تصدعت وتهاوت، فأعيد بناؤها بالطين من جديد، وحسنا فعل، فلولا هذا التدخل السريع من الأهالي، لربما اليوم يكون المسجد مع المحراب أثرا بعد عين، مثلما ضاعت الكثير من المساجد.
داخل مسجد الجناة ويسمى أيضا مسجد (جناة الصخابرة)، يوجد ركن اسطواني واحد، هو المتبقي من أركان المسجد، ولعل المسجد القديم كان قائما على ركن واحد فقط، فهو من شكله الخارجي يبدو صغير الحجم، وبعد التوسعة الحديثة تم إدخال صحنه الخارجي ليكون جزءا من صحن المسجد الداخلي، أما المحراب فبقي في جداره كما كان قائما بزخرفته ونقوشه، وبما يحمله من مضامين فنية، فتحت مجالا واسعا للدارسين، ومقارنته بالمساجد الداخلية في البلاد وخارج البلاد، كما في دراسة (الفن الإسلامي في عمان)، للباحثين الثلاثة: عبدالرحمن السالمي وهاينز جوبي ولورنز كورن، والصادرة في مسقط 2014م بترجمة د.هلال الحجري.
في هذا الدراسة يؤكد الباحثون في فصل خاص عن «المحاريب الجبسية المنقوشة، دراسة في الشكل والأسلوب والتأثيرات»، بعد الحديث عن تأثير مدرسة النقاش عبدالله بن قاسم بن محمد الهميمي، الذي صمم مساجد منح الثلاثة: (العين والشراة والعالي) في حارة البلاد الأثرية، أن الأسلوب الجديد المتعلق بالمحراب في عُمان، قد أرسيت قواعده، حولي نهاية العقد الثاني من القرن السادس عشر، هذا الأسلوب المحرابي الجديد، استنسخ حرفيا في المحاريب الخلابة بمسجِدَيْ: (الجناة، حارة سعال -925هـ/‏‏1526م)، و(الشواذنة، حارة العقر- 936هـ/‏‏1529م)، وهما معا في نزوى، وأشير في هذا السياق أن الباحثين ذكروا خطأ اسم النقاش مشمل بن عمر بن محمد المنحي، ومن مآثره الفنية أنه صمم محراب مسجدي الغريض والمكبرة بنخل، والصحيح أن مصمم مساجد منح الثلاثة هو النقاش عبدالله بن قاسم الهميمي.