مصروفات موازنة 2017 معززة بالتيسير الائتماني

د. محمد رياض حمزة –
mrhamza1010@gmail.com –

يتواصل باقتدار وكفاءة توفير السيولة النقدية لتمويل أنشطة الاقتصاد الوطني بالرغم من تراجع الإيرادات العامة للسنة الثالثة بسبب انهيار أسعار النفط منذ منتصف 2014. وذلك من خلال متابعة تنفيذ سياسة التيسير الائتماني المتمثلة بإصدار صكوك التنمية وأذون الخزانة وغيرها من أدوات الدين الداخلي لتوفير السيولة اللازمة للمصروفات العامة في موازنة السلطنة المالية لسنة 2017. ولعل للخبرة التي تراكمت لدى المؤسسات المسؤولة عن إدارة الاقتصاد الوطني في تجاوز النقص في الإيرادات العامة وتجنب ركود الاقتصاد أو انكماشه لسنوات خطة التنمية الخمسية التاسعة 2016. وكان معالي درويش بن إسماعيل البلوشي الوزير المسؤول عن الشؤون المالية قد أوجز إجراءات الحكومة لترشيد الإنفاق العام والإجراءات المتخذة لسد عجز الموازنة المالية من خلال تنشيط وتحسين الإيرادات واتخاذ إجراءات ترشيد الإنفاق الحكومي وتخفيضه التي تركزت بشكل أساسي في رفع كفاءة الإنفاق وفعاليته. كما أن تغطية عجز الموازنة يتم سنويا وهناك إجراءات تم اتخاذها وإجراءات سيتم اتخاذها لتغطي العجز (جاء ذلك يوم 29/‏‏12/‏‏ 2015).
تمثلت تلك الإجراءات بالقروض الداخلية : فالدين الداخلي هو أفضل الخيارات التي تلجأ لها الحكومات لتوفير الموارد المالية لبرامج الإنفاق العام وتتمثل بـ:
* الصكوك السيادية التي تصدرها دول العالم وتلعب دورًا رئيسيًا في تمويل موازناتها سواء لتنفيذ التزاماتها، كمصروفات جارية أو لتنفيذ المشروعات الكبيرة التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة. وكان قد تزايد إصدار الصكوك السيادية بشكل ملحوظ على مستوى العالم خلال السنوات القليلة الماضية بعد أن ظهرت ميزات عديدة لهذا النوع من التمويل الإسلامي مقارنة بالسندات التقليدية خلال سنوات الأزمة المالية العالمية.
* أذون الخزانة: وهي إحدى أدوات الدين الداخلي قصيرة الأجل تصدرها الحكومة وبموجبها تتعهد الحكومة بدفع مبلغ في تاريخ استحقاق الإذن مضافا له نسبة الربح المحددة، وتأخذ أذون الخزانة صفة الورقة التجارية (السند الأذني) وتصدر بفترات استحقاق تتراوح بين ثلاثة أشهر وستة أشهر واثني عشر شهراً. وهي لا تحمل سعر فائدة محددا وإنما تباع بسعر خصم يقل عن قيمتها الاسمية على أن يسترد مشتريها قيمتها الاسمية في تاريخ الاستحقاق. وتتمثل الفائدة التي يحصل عليها المقرض في الفرق بين المبلغ الذي دفع عند شراء الإذن وبين قيمته الاسمية التي يحصل عليها في تاريخ الاستحقاق. ويتم بيع أذون الخزانة عن طريق المزاد حيث يقوم البنك المركزي في الدولة التي تصدر أذون الخزانة بعرضه على المستثمرين الذين هم في العادة من المؤسسات المالية الكبيرة كالبنوك التجارية وشركات التأمين وشركات الاستثمار وغيرهم من المتاجرين بتلك الأدوات المالية، ويتم بيعها لمن يقدم أعلى سعر ثم الأقل حتى يتم تغطية كامل قيمة العطاء الحالية
* القروض المباشرة من البنوك التجارية: وقد تلجأ الحكومات إلى الاقتراض المباشر من البنوك التجارية العاملة على أراضيها عند تراجع وارداتها من مصادرها التقليدية. وهذا النوع من القروض ممكن في البنوك التجارية الكبرى التي يمكن أن تقرض الحكومة دون التأثير على خدماتها التقليدية.
* القروض الخارجية: وتأتي من عدة مصادر. ولعل كلّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعتبران من أهم المقرضين للدول النامية. إلا أن قروض هاتين المؤسستين الماليتين العالميتين تمنح بشروط كانت سببا بإثارة مشاكل. كما يمكن أن تأتي القروض من دول ترتبط بعلاقات تعاون وثيق مع الدول المقترضة. ويمكن أن تأتي القروض من البنوك العالمية الكبرى أو مؤسسات استثمارية. ولابد من التذكير بأن القروض الخارجية قد تمنح بشروط تنطوي على التدخل بشؤون الدول المقترضة. وطالما كانت فوائدها عالية جدا. ولا تمنح تلك القروض إلا لتمويل مشاريع استثمارية ذات مردود مضمون.
* تخصيص شركات القطاع الحكومي: يمكن أن تحقق الحكومات واردات مالية مباشرة من بيع المؤسسات الحكومية الإنتاجية والخدمية التجارية للقطاع الخاص لتمكينه من ملكيتها وإدارتها وفق القانون. ويتم تنفيذ برامج التخصيص وفق عدد من الطرق كنقل ملكية مشاريع القطاع العام إلى القطاع الخاص من خلال مزاد بيع. أو تحويل جزء من الملكية العامة للمؤسسات إلى القطاع الخاص لقاء مبالغ يدفعها فيتولى إدارتها بالكامل. أو يأخذ التخصيص شكل إيجار المشاريع أو وفق عقد مشاركة. وفي كل الأحوال فإن القطاع الخاص سيكون المستفيد من التخصيص على اعتبار أنه يمتلك الخبرة والتخصص في إدارة تلك المشاريع بكفاءة .
ويمكن تلخيص أهداف التخصيص بتحقيق شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص وتقليص دور الدولة تدريجيا في الأنشطة الاقتصادية التي يمكن للقطاع الخاص أن يكون أكثر نجاحا عند ملكيتها في إدارتها. وتوفير الأعباء المالية التي تتحملها موازنة الدولة نتيجة دعمها لمنشآتها الاقتصادية الخاسرة التي تبقى خاسرة بسبب هيكلتها أو نقص الخبرة في إدارتها. وكما أن التخصيص ينشط حركة وأداء سوق الأوراق. فمعظم المشاريع التي يتم تخصيصها يشترط تسجيلها بسوق المال. ومن المصادر المالية التي يمكن توفرها الدولة هو تفعيل النظام الضريبي على أرباح الشركات وضريبة القيمة المضافة. فضلاً عن إعادة النظر بكل أنواع الدعم الذي تتحمله الدولة والذي تذهب له مبالغ كبيرة يمكن توفيرها.
وكانت مبادرة معهودة من مجلس الوزراء الموقر على التقليل من حدَّة تأثير إجراءات الترشيد، بتوجيه الهيئة العامة لحماية المستهلك بتكثيف مُراقبة الأسعار؛ بحيث لا تكون هناك زيادة غير مُبرَّرة تتجاوز الآثار المباشرة لهذه الإجراءات.
من خلال متابعة وتقييم أداء الاقتصاد الوطني للسنوات 2016 و2016 و2017 فإن حكومة السلطنة أوفت بالتزاماتها المالية وفق سياسة واقعية في تدبير الإيرادات من جهة وفي ترشيد الانفاق العام من جهة ثانية.
في حلقة عمل استعرضت التجارب الناجحة في تنمية شركات المجتمعات المحلية نظمتها شركة تنمية نفط عمان يوم 21/‏‏5/‏‏2017. وعلى هامش الحلقة أشاد معالي الدكتور محمد بن حمد الرمحي وزير النفط والغاز ببرنامج الأهداف الوطنية الذي يلعب دورا مهما في الحد من الباحثين عن العمل داعيا شركات ومؤسسات القطاع الخاص للمساهمة في توظيف العمانيين. وحول التطورات الخاصة بأسعار النفط وتجديد اتفاق خفض الإنتاج من قبل الدول المنتجة للنفط قال معاليه: إن هناك تقبلا لتمديد الاتفاق نظرًا لعدم استقرار السوق، معربًا عن أمله في أن يساعد هذا التخفيض في تحسين السعر قبل نهاية العام الجاري ليرتفع إلى متوسط 55 دولارا.
واستنادا إلى معظم التحليلات وحسب تحليل لبنك قطر الوطني بشأن توقعات أسعار النفط العالمية للسنوات الخمس المقبلة فإن أسعار النفط ستتحدد بفعل قوتين متناقضتين هما خفض الإنتاج بقيادة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) من جهة وزيادة انتاج النفط الصخري الأمريكي من جهة ثانية. ويتوقع أن يستقر سعر البرميل عند 55 دولارا للبرميل.
وخلال السنوات الخمس المقبلة فإن الايرادات المالية للسلطنة تعول على البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ)، المنبثق من الخطة التنموية الخمسية التاسعة. ويهدف البرنامج تنفيذ وإدارة المشاريع التي تشمل قطاعات محددة في المرحلة الأولى وهي (السياحة، والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية)، إضافة إلى الممكنات الداعمة وهي قطاع سوق العمل، وقطاع التمويل، فيما ستغطي المرحلة الثانية من البرنامج قطاعي (الثروة السمكية – التعدين).
خطط وبرامج التنويع الاقتصادي “ تنفيذ” في حالة تنفيذها بصورة ناجحة ستعمل – بلا شك – على تحقيق مزيد من الرخاء للمجتمع العماني والاستدامة في تحقيق النمو الاقتصادي، وتحديث الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر دخله، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى توفير المزيد من فرص العمل للقوى العاملة الوطنية في مختلف القطاعات الاقتصادية، ويرفع مستوى المعيشة في مختلف المحافظات ، وستقف إيرادات القطاعات الأخرى بجوار الإيرادات النفطية إن لم تحل محلها في المستقبل. كما ستؤدي هذه الخطوات إلى تمكين السلطنة من زيادة نسبة الاستثمارات الموجهة إلى المشروعات المغلة للدخل، وتوزيع الاستثمارات جغرافيا بحيث تعود المنفعة على مختلف المناطق المترامية. كما أن نجاح هذا البرنامج سوف يضمن مضاعفة دخل الفرد، والتوازن بين الإيرادات والاستخدامات، ويهيئ الظروف الملائمة للانطلاق الاقتصادي بصورة جديدة بعيدا عن الاعتماد على مصدر واحد غير متجدد للدخل القومي من خلال نقل السلطنة إلى عصر الصناعات الثقيلة.