رئة جديدة للسلام .. عبر شطري كوريا

عماد عريان –

منذ سبعينات القرن الماضي اتسمت التجربة الديمقراطية في كوريا الجنوبية بخصوصية شديدة وسمات فريدة من نوعها، تزامنت مع انطلاق المعجزة الاقتصادية التي جعلت من كوريا الجنوبية، ليس مجرد نمر آسيوي فحسب ولكن دولة تحظى بمكانة خاصة على خريطة الاقتصاد العالمي، ولعل من ابرز السمات التي يمكن رصدها لهذه التجربة السياسية – النهضوية المتميزة من واقع جملة من الأحداث والتطورات التي تعرضت لها خلال عقدي السبعينات والثمانينات على وجه الخصوص هي ميلادها وسط ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد نتيجة عوامل أمنية وجيو- سياسية خطيرة.
فالتوتر القائم في منطقة شبه الجزيرة الكورية منذ تقسيمها بين الدولتين الشمالية والجنوبية في مطلع الخمسينات لم يتراجع يوما وإن تأرجحت درجات خطورته بين التوتر الشديد على غرار ما حدث في الأسابيع الماضية تزامنا مع تولي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب السلطة في بلاده وتصعيد كوريا الشمالية من عمليات تطوير برامجها النووية والصاروخية، وبين الهدوء والاستقرار النسبي على غرار ما حدث في التسعينات من القرن الماضي عندما تمكن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر كمبعوث للرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون من إبرام اتفاق تاريخي مهم مع الزعيم الأشهر لكوريا الشمالية »كيم ايل سونج» لتغيير الطبيعة العسكرية من البرنامج النووي الكوري الشمالي بتغيير مواصفات وقدرات عمل مفاعلاتها النووية، خاصة في محطة يونجبيون، إلا أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلا برحيل كيم ايل سونج واشتعال الاتهامات بين البلدين بعدم الالتزام ببنود الاتفاق. هذه الظروف الأمنية الخطيرة لم تحل دون انطلاق التجربة الحديثة لكوريا الجنوبية بشقيها السياسي والاقتصادي بالتأكيد بالتعاون مع أطراف دولية مؤثرة على رأسها منظومة الدول الرأسمالية الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة واليابان، بحيث أصبحت أسماء الشركات الكورية الكبرى ملء الأسماع والأبصار على الصعيد العالمي في كل المجالات الاقتصادية والاستثمارية التي يمكن تخيلها من بناء المفاعلات النووية والسفن العملاقة وحتى صناعة السيارات والإلكترونيات، وباتت الميزانية السنوية لواحدة من تلك الشركات معادلة لميزانية دولة صغيرة وربما متوسطة الحجم، وقفزت مستويات الدخل السنوي للأفراد بمعدلات رهيبة وغير مسبوقة، إلا أنه كانت هناك سمة أخرى لها أهميتها وخطورتها الشديدة معا واستمرت عدة سنوات وألقت كذلك بظلالها على الانتخابات الأخيرة ولكنها بمنتهى الموضوعية لم تكن سببا أو عاملا في تعطيل التجربة الديمقراطية في البلاد والتي كانت سرعان ما تصحح أوضاعها بنفسها وبشكل مؤسسي والعودة للمسار الطبيعي، هذه السمة تمثلت في ما يمكن تسميته بتزاوج المال والسلطة.
فمنذ سنوات السبعينات ومع انطلاق التحديث الديمقراطي تعرضت كوريا الجنوبية لحالات فساد تورط فيها مسؤولون على درجات متفاوتة ومتنوعة من السلطة، وكانت سببا في كثير من التوترات السياسية الداخلية، وليس خافيا أن ظاهرة عزل الرؤساء ورؤساء الوزراء والمسؤولين رفيعي المستوى كانت متكررة بشكل كبير في هذه الدولة لتورطهم في قضايا فساد بمئات الملايين من الدولارات احيانا، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن تلك الظاهرة رغم خطورتها لم تكن سببا أو حجة لوأد التجربة الناهضة، بل كانت هناك دوما قدرة على التطهير وتصحيح الأوضاع ومحاسبة المسؤولين ومحاكمتهم، وهو ما كان واضحا بشدة في عزل الرئيسة السابقة للبلاد وانتخاب « مون جي إن » رئيسا جديدا للبلاد في انتخابات شعبية عامة تكرس القيم الديمقراطية.
وعلى ما يبدو أن الظروف قد جاءت بهذا الرئيس الجديد في توقيت مهم جدا لما تمر به الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية ومنطقة الشرق الأسيوي بشكل عام، وفي القلب منها بالتأكيد كوريا الجنوبية، وهناك رسائل لا حدود لها يمكن استخلاصها من هذه الخطوة التي تعكس بداية رغبة من الشعب الكوري الجنوبي في عدم تصعيد التوتر مع الجارة الشمالية أو الوصول بالعلاقات معها إلى حافة الهاوية، فقد جاء الرجل ومعه حقائق جديدة تجعل من عدم المبالغة التأكيد على أنه يمثل رئة جديدة للسلام عبر شطري كوريا، وليس ادل على ذلك من أنه بادر بطرح مبادرته السلمية بإمكانية الاجتماع مع الرئيس الكوري الشمالي متى اقتضت الضرورة ذلك، وهي لهجة جديدة تختلف مع السائد في المنطقة منذ سنين وتصاعدت بشدة في الشهور الأخيرة. انتخاب رئيس كوريا الجنوبية الجديدة أعاد الليبراليين إلى سدة الحكم وقد يؤسس لخلاف محتمل مع الولايات المتحدة على خلفية البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وقد يكون من المهم عند الحديث عن الرئيس الجديد الإشارة إلى أنه ابن للاجئين من كوريا الشمالية ويواجه تحديات داخلية للحد من قوة الأعمال التجارية الكبرى ومعالجة الانتهاكات التي تصاحبها وسبقت الإشارة إليها، محددا أجندته لتحقيق ذلك بأنه سيكون رئيسا لكل مواطني بلاده،وأنه سيعمل مع الخصوم السياسيين لإنشاء دولة يسودها العدل والتفكير السليم، وفي الوقت ذاته وعلى الصعيد الخارجي يواجه تحديا كبيرا بحتمية انجاز وعوده باتخاذ نهج جديد تجاه كوريا الشمالية بالتزامن مع إحداث توازن في العلاقات مع الولايات المتحدة والصين من خلال «النهج التصالحي» الذي قد ينتهجه مع جارته الشمالية،حتى وإن حثت الإدارة الأمريكية العالم على زيادة الضغوط على بيونج يانج.
وقد ظهرت مؤشرات مبكرة على ذلك حيث يرى الرئيس الجديد أن اعتماد واشنطن على العقوبات وأسلوب الضغط لم يعد فعالا وأن الوقت قد حان للحوار والانخراط مع كوريا الشمالية،وهو التوجه الذي تفضله الصين، كما أنه طالب بإعادة النظر في مسألة نشر البنتاجون لنظام ثاد الدفاعي المضاد للصواريخ بكوريا الجنوبية وهي الخطوة التي نددت بها الصين في وقت سابق، وعلى الرغم من التناقض الغريب في موقفه والذي أدان على إثره «النظام الديكتاتوري الوحشي لكوريا الشمالية» خلال حملته الانتخابية، فإنه دعا بلاده لاحتضان شعب كوريا الشمالية لتحقيق إعادة التوحيد السلمي، وحتى يتحقق ذلك الأمر أقر مون بضرورة الاعتراف بكيم جونج أون حاكما لكوريا الشمالية والحوار مع بيونج يانج مع التأكيد على أن تهدف العقوبات إلى إعادة كوريا الشمالية لطاولة المفاوضات.
ومن الطبيعي في ضوء هذه المؤشرات أن ترحب الصين بانتخاب مون وتوجهاته، التي قد تسهل عليها الأمر لتفادي ضغوط واشنطن باتخاذ موقف صارم تجاه كوريا الشمالية والتأكيد على زعم بكين بضرورة تعاطي واشنطن مع المخاوف الأمنية لكوريا الشمالية، فضلا عن أن فوز مون قد يخفف من حدة المواجهة مع كوريا الشمالية، ما يدفع واشنطن وبيونج يانج للتوقف وتقييم آثار الحكومة الجديدة في سول على سياستهما، كما تعكس وجهة نظر مون في كوريا الشمالية توجه الرئيسين الليبراليين اللذين توليا سدة الرئاسة في الفترة ما بين عامي 1998 و2008،واللذين اتبعا السياسة المعروفة بـ«الشمس المشرقة»مع الجار الشمالي، وشملت تلك السياسة محادثات دبلوماسية، ولم شمل الأسر، ومشروعات اقتصادية مثل منطقة كايسونج الصناعية في كوريا الشمالية، إلا أن العام 2006 شهد زوال ذلك العصر مع أول تجربة نووية لبيونج يانج، وهناك ترجيحات بإحياء سياسة «الشمس المشرقة»، ربما عن طريق إعادة فتح مجمع «كايسونج» الذي أغلقته الرئيسة السابقة بارك جون هاي، مما سيمنح بيونج يانج شريان الحياة للحد من اعتمادها الاقتصادي على الصين وهو ما يضعف نفوذ بكين ويعزز من قبضة الرئيس كيم. ولكن تبقى العلاقات مع الولايات المتحدة تحديا كبيرا أمامه الرئيس الكوري الجنوبي الجديد لخصوصية الدور الأمريكي في المنطقة، وأمامه بشكل عاجل معضلة منظومة صواريخ « ثاد» الأمريكية والتي تعد اختبارا آخر له، والتي إن حاول إلغاءها فإن ذلك قد يوتر تحالفه مع واشنطن ويعطي انطباعا بخضوعه لضغوط بكين، وقد يكون ذلك قاتلا – على حد وصف بعض المحللين – سياسيا،حيث ينتاب الأطياف السياسية القلق من أن تتعامل بلادهم بمزيد من الاحترام تجاه القوى الكبرى، ومع اعتراف «مون » بتعقيد التحديات التي تواجهه، فإنه سيظل حريصا على التأكيد أنه عندما وعد بإعادة النظر في نشر منظومة ثاد، فإنه لم يعني بالضرورة إلغاء نشرها. وفي حين أنه أكد على أنه ينبغي على بلاده ألا تقول « لا » لواشنطن، فإنه قد شدد في الوقت نفسه على أن أية مبادرة دبلوماسية تجاه كوريا الشمالية سترتكز على التحالف بين كوريا الجنوبية والبيت الأبيض، ولكن يبقى المهم في الأمر تلك اللهجة السلمية والتصالحية التي يتبناها وتعد بمثابة أغصان زيتون مشرعة لنزع التوتر في منطقة ملتهبة.