الحياة العلمية بعمان في عهد اليعاربة

مراجعات كتب –
عبدالرحمن بن سعيد المسكري –
لم يكن تاريخ عمان في عهد الدولة اليعربية (1034- 1624 هـ) صراعًا ضد البرتغاليين، أو إنجازات سياسية وفتوحات عسكرية وحسب؛ بل كان إضافة إلى ذلك؛ صفحة حضارية مشرقة من الإنتاج العلمي والفكري. هذه هي المقولة التي يناقشها موسى بن سالم البراشدي في كتابه «الحياة العلمية بعمان في عهد اليعاربة». فالبراشدي يرى أن كثيرًا من الدراسات والأبحاث التاريخية ركزت على دور اليعاربة في طرد البرتغاليين من السواحل العمانية، متغافلة عن الجوانب الحضارية؛ حتى أصبح الإنجاز العسكري والاقتصادي مقرونا بالدولة اليعربية في الذهنية الجمعية، دون الالتفات إلى الإنجاز الحضاري المتمثل في حركة الإنتاج العلمي، والنهضة التعليمية آنذاك.
لذلك فإن كتاب «الحياة العلمية بُعمان في عهد اليعاربة» يُفصِّل الحديث عن الحياة العلمية في عمان أيام الدولة اليعربية، ولم يقتصر المؤلف فيه على مراجعة ما يتصل بالحياة العلمية في عهد اليعاربة من كتب التاريخ، سواء تلك التي دوّنت في العهد اليعربي ككشف الغمة الجامع لأخبار الأمة للإزكوي، أو كتب التاريخ الحديثة والمتأخرة كتحفة السالمي، وإتحاف البطاشي، وجهينة المغيري، ومؤلفات السيابي وغيرهم؛ بل استنطق الباحث مصادر الفقه وكتب الفتوى، ودواوين الشعر وكتب الأدب، المخطوط منها والمطبوع. ففي كتب الفقه مثلا نجده يستنجد بمنهج الطالبين للشقصي، وجوابات ابن عبيدان، وفواكه العلوم للخراسيني، والمنثور في العلم المأثور للمسكري، وفي الآداب والشعر يستنطق آثار محمد بن عبدالله المعولي في كثير من مواضع الكتاب، إضافة إلى غيره من الشعراء.
يغلب على الكتاب طابع التمجيد والتوثيق، دون ذكر للآثار التي خلفتها قضية الصراع على السلطة بين أئمة أواخر الدولة اليعربية على الحياة العلمية، أو على مكانة العلماء في شؤون الحياة السياسية آنذاك. يعود الكتاب في أصله إلى رسالة قدمها الباحث للحصول على درجة الماجستير، وصدر عن دار الفرقد 2013م. جاء الكتاب في تمهيد وثلاثة فصول.
*عوامل ازدهار الحياة العلمية: تضافرت في عمان أيام دولة اليعاربة عدة عوامل أسهمت في توفير بيئة ازدهرت فيها حركة الإنتاج الفكري والتأليف الموسوعي، والنهضة التعليمية، ومن أهمها كما يشير المؤلف: «الاهتمامات العلمية لأئمة اليعاربة»، فالناس على دين ملوكها؛ ولما كان أغلب أئمة اليعاربة هم علماء مشهورون ومتحققون في زمانهم، فإن أثر ذلك تجلّى في الرعية، ومن الشواهد التي يضرب بها المؤلف المثل، ما ينقله عن السالمي في تحفة الأعيان عن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي في ذكر مناقب الإمام ناصر بن مرشد اليعربي: «فضل هذا الإمام يُزاحم فضل الإمامين الجلندى بن مسعود، وسعيد بن عبدالله، إلا أنه يفوق؛ لأن العدل كثر في زمانه وطال مكثه عمرا، وكثُر في زمانه العلم، وكثر الدين والورع في زمانه، حتى إن من يبيع اللحم ويبيع البصل فيهم من يصلح أن يكون قاضيا أو واليًا أو خازنا أو وكيلا لكثرة أمانتهم وعلمهم».
ويذكر المؤلف أن الحياة العلمية في عهد اليعاربة قد بلغت أوج ازدهارها في عهد الإمام بلعرب بن سلطان، فقد كان أحد علماء عصره، وتنقل عنه المصادر بعض فتاواه، إضافة إلى كونه أديبا اهتم بنظم الشعر. ولقد استفاد الإمام بلعرب من حياة الاستقرار والرخاء التي مهدها أسلافه، فتوجه إلى نشر العلم وبسط سبل التعليم، فأنشأ مدرسة جبرين الشهيرة، وأمر بفتح المدارس في حواضر عمان وربوعها. مدارس نظامية تجاوزت مرحلة الكتاتيب، فأصبحت تضم معلمين في مختلف العلوم والمعارف، وتقدم فيها جميع الخدمات التي يحتاجها الطلاب؛ حتى تخرج منها نخبة من العلماء والقضاء والأدباء.
ويذهب البراشدي إلى أن التربية العلمية لأئمة اليعاربة كان لها دور في اتجاهاتهم وتكوينهم العلمي، إذ كان لهم اهتمام علمي قبل توليهم الإمامة، تجلى في اهتمامهم في اقتناء الكتب ونسخها، ومساءلة العلماء، وإقامة المناظرات العلمية. وإلى جانب ذلك؛ كان لاهتمام أئمة اليعاربة بالعلم والعلماء؛ أثر في وجود العلماء والفقهاء في قيادة مفاصل الدولة، فهم إلى جانب كونهم قادة ووزراء وتجارا وولاة وعسكريين؛ كانوا علماء وفقهاء وأدباء أو نساخا للكتب، او نُسخت لهم المؤلفات والكتب، كالشيخ خميس بن سعيد الشقصي، والشيخ الفقيه الوالي بلعرب بن أحمد بن مانع الإسماعيلي، والشيخ الوالي عامر بن محمد بن خلف الشامسي. ومن التجار سعيد بن عبدالله المنحي.
الرخاء الاقتصادي: يذهب البراشدي إلى أن أحد عوامل النهضة العلمية في عهد اليعاربة، الرخاء الاقتصادي الذي كانت عُمان تعيشه آنذاك؛ إذ عمل اليعاربة منذ تأسيس دولتهم على يد مؤسسها ناصر بن مرشد اليعربي على النمو الاقتصادي، فعمل على تأمين حركة التجارة الخارجية، وإصلاح النظام الاقتصادي في البلاد.