أوراق: كبرت السبلة وضاقت القلوب

علي بن خلفان الحبسي –
mudhabi@gmail.com –

السبلة مصطلح عرف منذ الأزل في المجتمع الخليجي وعمان على وجه الخصوص، بالرغم من اختلاف المسميات هنا وهناك إلا أن هذه السبلة أو المجلس هي السمة المميزة للبيت العماني ولا يخلو بيت منها، ولا تخلو قرية من المجلس العام للقبيلة أو الأهالي بشكل عام، فهي واجهة حضارية استمدها العمانيون من عادات وتقاليد متأصلة، فالسبلة هي رمز الكرم والضيافة وتمارس بها الكثير من العادات والتقاليد أفراحا وأتراحا.
وما بين سبلة اليوم وسبلة الأمس شتان، فالسبلة التي عرفنا بها كعمانيين كانت بمثابة المدرسة والكلية والجامعة، فتعلمنا من جلساتها الكثير من القيم والعادات والتقاليد، بدءا من المناشدة عن العلوم والأخبار، وكيف نجلس وأين نجلس ومتى نتحدث ومن يأكل أولا، ونتسابق على الإمساك بصحلة الفناجين ودلة القهوة وأصول العزام.
سبلتنا الصغيرة كانت ضيقة، بساطها حصير الرسل أو الخوص، تتوسطها القهوة والتمر أو الرطب، ولم كنا نعرف الكيوي والفراولة وألوان ما يقدم اليوم في مجالسنا، كانت السبلة مقرا للجميع دون تكلف، ولم تحاربها المدنية في حينها، والقلوب واسعة والسبلة أكثر ضيقا، وان لم يكن مبنى للسبلة فالسعف الذي تبنى منه حاضرا.
اليوم مجالسنا واسعة والقلوب ضاقت إلا من رحم ربي، مجالس تتلون بالرخام والجبس وأنوار يمكن أن تنير مدينة بأكملها ومائدة بشتى الألوان، هذه المجالس شبه خاوية على عروشها، وان اجتمع القوم فيها غابت فيها مظاهر اللقاء، ذاك يقلب في هاتفه وآخرون غارقون في رسائل الواتساب وغيرها من وسائل التواصل بين القوم من شتى البقاع، في وقت غاب فيه التواصل مع الجالسين في السبلة الذين لا تفصل بيننا وبينهم بضعة أمتار، وتفتقد الجلسات إلى علوم وأخبار وأحاديث، وآخرون يزاحمون كبار السن، يجلسون في أطراف المجلس، والقهوة تناديك لان ترتشف فنجان قهوة، ويسود المكان صمت رهيب لان الواتساب وزمرته سرقا منا كل شيء.
اليوم بعض مجالس بيوتنا عامرة بالنائمين نهارا والساهرين ليلا على أنغام البلاي ستيشن، وفي الجدران تتدلى شاحنات الهواتف تقف بالمرصاد حتى لا تضيع فرصة مشاهدة ما تحتويه هواتفهم من مواضيع لا تنتهي ما دام الإنترنت يغذي المكان.
تواصلنا اليوم من خلال السبلة مفقود، وفقدت السبلة بريق الماضي ولم تعد إلا جزء أساسي من خارطة المنزل، يجب أن تكون وتزكرش بالألوان لأنهم يعتبرونها الواجهة كغلاف منمق لكتاب لا نفهم شيئا من صفحاته.
لنعود للسبلة بريقها ولنحترم الجالسون بها، ولنتحاور ونناقش قضايانا من خلالها ونتعلم من ظلها، وأن نعمل جميعا لأن تعود هيبتها كما كانت، وأن تكون أكثر منطلقا للم شتات الأسر والأرحام والمجتمعات، وان نعلم أبناءنا ماهي السبلة وكيف كانت وماذا يجب أن تكون.