صحوة التنين .. واستثمار الماضي المستقبل!!

د. عبدالحميد الموافي –
استطاعت الصين بناء اقتصادها وصناعاتها الصفر، مستفيدة من الخلاف مع موسكو، وعقاب موسكو الصارم والضار لها في أوائل خمسينات القرن الماضي، وهو ما حولته الصين إلى دافع قوي للاعتماد على الذات في كل شيء. وبعد أن تمكنت بكين من بناء اقتصادها، الذي بات يشكل منافسة قوية للاقتصاد الأمريكي.  

في الرابع عشر والخامس عشر من مايو الجاري استضافت العاصمة الصينية المنتدى الأول للمبادرة الصينية (الحزام والطريق) بمشاركة نحو 1200 شخصية منهم 28 رئيس دولة وحكومة و190 مسؤولا على المستوى الوزاري، بالإضافة إلى خبراء ومهتمين وإعلاميين ينتمون إلى 110 دول من دول العالم، وقد مثل هذا الحدث الضخم، الذي افتتحه وشارك في فعالياته الرئيس الصيني (شي جين بينج) تدشينا عالميا للمبادرة التي أعلنها الرئيس الصيني في أواخر عام 2013م (لإحياء طريق الحرير البري والبحري) الذي يربط بين موانئ الشرق الصين وبين أوروبا من إسطنبول حتى لندن، مرورا بالطبع بجنوب وغرب آسيا،‏ وبالخليج ومصر،‏ في محاولة طموحة لإحياء وتنشيط طرق التجارة القديمة، التي سارت فيها قوافل الأجداد وسفنهم،‏ تشق الصحارى والوديان، وتعبر البحار والخلجان والممرات المائية،‏ بطرق بدائية بالطبع،‏ لتحمل التوابل والبخور واللبان والحرير والمنسوجات،‏ والمواد الغذائية الأخرى بين شعوب تلك المنطقة الواسعة،‏ التي كانت تشكل العالم القديم.
وإذا كانت منطقة شرق وجنوب شرق آسيا،‏ والصين في مركزها،‏ تعد واحدة من اهم العقد العصبية العالمية،‏ التي تستجيب مبكرا لتطورات وتوجهات،‏ يتجه العالم نحوها بشكل أو بآخر،‏ ثم إعطاء جرس إنذار للتنبيه لما هو قادم، والاستعداد له، وتناظرها منطقة الخليج ومصر كعقد عصبية شديدة الأهمية إقليميا ودوليا أيضا،‏ فإنه لم يكن مصادفة أبدا أن يحدث ما حدث من تطورات في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، بكل جوانبها والأطراف المشاركة فيها،‏ بشكل واضح أو مستتر،‏ والمستمرة آثاره ونتائجه حتى الآن من ناحية،‏ وما أعلنته إدارة باراك أوباما ضمن التوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة على المستوى الدولي وإعطاء اهتمام متزايد لشرق آسيا من ناحية ثانية. وأيا كان موقف إدارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، وما تعنيه جولته الأولى في المنطقة، فإن التوجهات الاستراتيجية للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية ذات الوزن،‏ لا تتبدل أو تتغير بسرعة، ولا بدون أسباب قوية،‏ وإن كانت الإدارة العملية والعلاقات يمكن أن تتغير بتغير المسؤولين وصناع القرار بالطبع،‏ وهو أمر مفهوم. على أي حال فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن مبادرة الحزام والطريق الصينية، هي مبادرة ذات طابع استراتيجي،‏ تتجاوز بكثير البعد التاريخي المتمثل في إعادة إحياء طريق الحرير البري والبحري بين موانئ شرق وجنوب آسيا وبين وأوروبا،‏ كما أنها لا تقتصر بالقطع على الجوانب الاقتصادية والتنموية المرتبطة بالحزام الاقتصادي الممتد بامتداد طريق الحرير،‏ وما يتضمنه من مشروعات عديدة تسهم في تنشيط الدول المطلة عليه،‏ والقريبة منه،‏ والتي تزيد على ستين دولة، والتجاوب والحماس الشديد،‏ الذي جسده منتدى بكين قبل أيام يعبر عن الكثير في الواقع. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب،‏ لعل من أهمها ما يلي:
* أولا: انه من الصعب فهم أبعاد المبادرة الصينية (الحزام والطريق)، في إطار التطورات الراهنة فقط. صحيح أن فعاليات منتدى بكين ألقت الكثير من الضوء على الخطط والرؤية الصينية الطموحة في هذا المجال،‏ ولكن الصحيح بالتأكيد أن الأمر له أرضيته ومنطلقاته ذات الطابع الصيني الخاص،‏ وهو ما لا يمكن فهمه أو استيعابه، إلا في إطار يتسع ليشمل رؤية الصين لذاتها،‏ ولدورها الإقليمي والعالمي/‏ ولكيفية إدارتها لمصالحها،‏ وقد قدمت القيادة الصينية،‏ على امتداد العقود الماضية،‏ ومنذ انتصار الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونج عام 1949،‏ الكثير في هذا المجال. وباختصار شديد جدا، فإن الصين التي كانت فريسة للأفيون،‏ تبنت رؤيتها الثقافية والسياسية الخاصة للنهوض وإعادة البناء‏ مستعينة بتراث حضاري ثري‏ وبقيادات وطنية وضعت النهوض بالصين واستعادة دورها في مقدمة الأولويات‏. وبقدر ما غالبت الصين نزعة النرجسية والإعجاب بالذات،‏ برغم تبنيها لنموذجها الأيديولوجي الخاص،‏ حتى الآن،‏ فإنها استطاعت الحفاظ على قدراتها،‏ وتنميتها، دون تبديد لها في معارك جانبية‏ أو استعراضية. وحتى الآن تعتبر الصين نفسها دولة تنتمي إلى الدول النامية!
نعم استطاعت الصين بناء اقتصادها وصناعاتها من الصفر،‏ مستفيدة من الخلاف مع موسكو،‏ وعقاب موسكو الصارم والضار لها في أوائل خمسينات القرن الماضي،‏ وهو ما حولته الصين إلى دافع قوي للاعتماد على الذات في كل شيء. وبعد أن تمكنت بكين من بناء اقتصادها،‏ الذي بات يشكل منافسة قوية للاقتصاد الأمريكي،‏ وبعد أن بنت علاقات استراتيجية قوية مع الدول الإفريقية،‏ وضمنت إلى حد كبير إمدادات النفط لها، وبنت صناعاتها العسكرية،‏ بما فيها أول حاملة طائرات صينية،‏ فإن التنين الصيني بدأ يستيقظ ويفرك عينيه،‏ ويمد اذرعه من حوله حفاظا على مصالحه الاستراتيجية،‏ بهدوء، ولكن بثبات وحسم إلى حد كبير،‏ ودون ضجيج لا ضرورة له. ولم تكن الخلافات حول جزر بحر الصين الجنوبي مع كوريا الجنوبية والفلبين واليابان محض مصادفة.
وبينما تصرخ واشنطن من حجم العجز في ميزان المدفوعات مع الصين،‏ التي تستثمر نحو ثلاثة تريليونات دولار في سندات الخزانة الأمريكية،‏ وهي ورقة قوية في يد الصين،‏ فإن بكين شرعت في إنشاء مؤسسات مالية دولية قادرة على خدمة توجهاتها العالمية، بل ومنافسة البنك الدولي مثلا،‏ ونعني بذلك بنك التنمية الآسيوي،‏ ودون الحاجة إلى تفاصيل عديدة،‏ فإن مبادرة (الحزام والطريق) الصينية هي في جانب منها إحياء لطريق الحرير البري والبحري القديم، الذي تحمست له اليونسكو منذ اكثر من 27 عاما، وهي خطوة لبناء مصالح اقتصادية قوية مع الدول الواقعة على امتداد طريق الحرير البري والبحري أيضا، خاصة أن الصين تتوفر لها الإمكانيات المالية لتمويل إنشاء البنية الأساسية اللازمة في تلك الدول وبالتالي إيجاد شبكة نقل تجاري حيوية،‏ وقد وقعت الصين اتفاقيات بالفعل مع اكثر من 40 دولة وأعلنت أنها ستنفق نحو 114 مليار دولار لتمويل تلك المشروعات،‏ وبدأت بالفعل في ذلك.
إن الأمر ببساطة هو نهج صيني خاص في التعامل وبناء القوة الذاتية والاستعداد لمساعدة الدول النامية الأخرى لتحقيق مصالح مشتركة ومتبادلة وعدم تفضيل الخضوع لشروظ مؤسسات بريتون وودز المالية،‏ أي الصندوق والبنك الدوليين،‏ وليس مصادفة أن تتجاوب دول كثيرة عربية آسيوية وإفريقية وأوروبية مع المبادرة الصينية،‏ فالصين طرف موثوق فيه اكثر من مؤسسات التمويل الدولية الأخرى،‏ وليس لها تاريخ استعماري يسمم العلاقات مع شعوب المنطقة،‏ بغض النظر عن تاريخ الإمبراطوريات الصينية في شرق آسيا.
* ثانيا: انه في الوقت الذي مثلت فيه سلطنة عمان واحدة من اهم محطات طريق الحرير البحري،‏ وذلك بحكم نشاطها البحري القديم ووصول البحارة العمانيين إلى موانئ شرق الصين،‏ مرورا بأهم موانئ جنوب وجنوب شرق آسيا،‏ فإن السلطنة اهتمت كذلك بجهود اليونسكو لدراسة طريق الحرير القديم، بل وفي هذا الإطار وضع حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله ورعاه – سفينة البحرية السلطانية العمانية (فلك السلامة) لتستخدمه مجموعة علماء اليونسكو لدراسة مسار طريق الحرير في عام 1990، كانت السفينة (فلك السلامة) هي اليخت السلطاني في ذلك الوقت، وهو ما كان بمثابة لفتة كريمة من جلالته،‏ وتعبيرا عن الاهتمام العماني الكبير بطريق الحرير.
من جانب آخر فإنه يمكن القول بأن السلطنة،‏ وعبر ما مثلته في الماضي من موقع استراتيجي حيوي على طريق الحرير من ناحية، وعبر ما تمتلكه الآن بالفعل من إمكانيات كبيرة ومتزايدة على صعيد التحول إلى مركز لوجستي عالمي لخدمة التجارة والنقل بين منطقة الخليج والعالم من حولها من ناحية ثانية،‏ تملك بالفعل كل مقومات النجاح في هذا المجال، لاستعادة الدور والتحول إلى واحدة من اهم محطات طريق الحرير. وفي هذا الإطار فإن الاستثمارات الصينية الكبيرة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم – المدينة الصينية التي تبلغ استثماراتها نحو 10 مليارات دولار والتي بدأ العمل الفعلي في بعضها – تنطوي على فهم وإدراك صيني عميق للأهمية التي تمثلها الموانئ العمانية في هذا المجال. وفي حين تتحول الدقم إلى مركز لوجستي نشط،‏ من خلال استكمال شبكة الطرق البرية والسكك الحديدية وخطوط النقل البحري مع مختلف موانئ المنطقة والعالم، فإن سلسلة الموانئ العمانية من صلالة إلى الدقم إلى صور ومسقط وصحار،‏ تمثل مرافق بحرية متطورة تطل مباشرة على خطوط الملاحة البحرية،‏ ثم فإنه من المهم والضروري العمل، وبشكل سريع ومدروس جيدا أيضا للاستفادة من المبادرة الصينية (الحزام والطريق)، خاصة أن الصين تنظر بأفق واعٍ وواسع لما تقوم به من استثمارات في الدول المختلفة المطلة على طريق الحرير البري وطريق الحرير البحري. ويظل الأمر،‏ حتى الآن على الأقل ذا أبعاد اقتصادية واستراتيجية، ولكن من المبكر،‏ إلى حد كبير،‏ القول بأن المبادرة الصينية محاولة لبناء نظام عالمي جديد،‏ لأن هذا الأمر لا يتوقف على الصين وحدها،‏ رغم أهميتها، والتي تظل قوة دولية ذات نهج عاقل وهادئ وقادر على متابعة المصالح الصينية،‏ بعيدا عن الضجيج،‏ ويجد العالم نفيه الآن أمام التنين الذي، وهو ما لا بد من وضعه في الحسبان من جانب كل القوى الأخرى، أرادت ذلك أم لم ترد، وعلينا كعرب أن نستفيد من ذلك،خاصة أن الصين صديق قديم منذ باندونج،‏ ولعلنا نتمكن من ذلك بشكل مناسب ومفيد اليوم وغدا.