قمة الناتو الـ ٢٨.. تحديات وتحولات

عبد العزيز محمود –
بانعقاد القمة الـ ٢٨ لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي في بروكسل يومي ٢٤ و٢٥ مايو الجاري يدخل الحلف مرحلة تحول فارقة، وسط جدل واسع بين أعضائه حول أولوياته، وسبل دعم فعاليته على المستويين الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة.

وتناقش القمة التي يشارك فيها قادة الدول الـ 29 الأعضاء عددا من القضايا على رأسها مدى إمكانية انخراط الناتو رسميا في الأعمال القتالية للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية – داعش – وسبل تفعيل الحوار مع روسيا ، وتوزيع الأعباء المالية بين أعضاء الحلف بصورة أكثر عدالة.
وتأتي القمة وسط تباين في وجهات النظر بين الناتو والإدارة الأمريكية حول دور الحلف، حيث تطالب واشنطن بأن تكون مكافحة الإرهاب على رأس أولوياته ، وهو ما لا يعارضه الشركاء الأوروبيون، لكنهم يرون أن المهمة الأساسية للحلف، والتي تشكل من أجلها، هي الدفاع عن أوروبا في مواجهة أي تهديد محتمل من جانب روسيا.
وهي وجهة نظر تعكس الشكوك المتبادلة بين الحلف وبين روسيا، والتي تزداد عمقا مع نشر قوات تابعة للناتو في بولندا ودول البلطيق، وقيام موسكو بأنشطة مماثلة في المنطقة الممتدة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، وأيضا في سوريا والبحر المتوسط.
لكن مكافحة الإرهاب تظل القضية الأكثر إلحاحا، فالإدارة الأمريكية الجديدة وضعت القضاء على تنظيم الدولة على قمة أولوياتها، والقمة تتزامن مع الحرب التي يشنها التحالف الدولي بقيادة واشنطن على مواقع وقوات تنظيم الدولة في سوريا والعراق وأفغانستان والصومال، وضد ملاذاته الآمنة حول العالم.
وتناقش قمة الناتو مقترحا أمريكيا بالمشاركة في العمليات القتالية للتحالف الدولي، الذي تشكل في سبتمبر ٢٠١٤ ويضم ٦٨ دولة، لمواجهة التنظيم على جميع الجبهات، بما في ذلك الحملة العسكرية في سوريا والعراق، إلى جانب العمل على تفكيك شبكاته، ومنع تدفق المقاتلين الأجانب إلى صفوفه.
وقد شن التحالف الذي تقوده القيادة المركزية الأمريكية 10 آلاف غارة جوية حتى الآن في العراق وسوريا، ساهمت، مع الهجمات البرية لشركاء إقليميين، في تحرير نحو ٤٠ ٪ من الأراضي الخاضعة للتنظيم في العراق، وحوالي 10 ٪ من الأراضي المماثلة في سوريا.
وخلال هذه العمليات قدم الناتو كل ما يلزم لقوات التحالف الدولي ، من الدعم اللوجستي والتدريب ، إلى جانب المعلومات الاستخباراتية، عبر طائرات الإنذار المبكر (اواكس)، التي تقرر استخدامها في وقت لاحق في العمليات العسكرية في سوريا، وكذلك فوق الأراضي التركية.
لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تريد أن يكتفي الحلف بهذا الدور، وتطالبه بالمشاركة في العمليات القتالية لتحرير باقي الأراضي الخاضعة للتنظيم ، وهو مقترح مطروح للنقاش في قمة قادة الناتو القادمة ببروكسل، لكنه لن يخضع للتصويت داخل القمة ، فالقرارات تتخذ بالإجماع أو طبقا لتقديرات كل دولة ، وتحتفظ كل دولة عضو بسيادتها الكاملة ، ومسئوليتها عن قراراتها .
من جهة أخرى تبحث القمة التي تعقد في المقر الجديد لحلف شمال الأطلسي ( تكلف مليار يورو) سبل توزيع الأعباء المالية بين أعضاء الحلف بصورة أكثر عدالة ، فالولايات المتحدة تتحمل ٧٢٪ من موازنة الحلف، مقابل ٢٨٪ تدفعها الدول الـ 28 الأخرى، وهو وضع ترفضه إدارة الرئيس ترامب بشكل قاطع، وطبقا للأرقام فإن موازنة الناتو بلغت ٩٢١.٥ مليار دولار في عام ٢٠١٦، تشارك فيها الولايات المتحدة بنحو ٦٦٤ مليار دولار، مقابل ٢٦٧.٥ مليار دولار تساهم بها الدول الأخرى.
ويدرس قادة الناتو سبل زيادة ميزانيات الدفاع للدول الأعضاء بما يوازي ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي لكل منها ، وهو اقتراح وافق عليه خمسة أعضاء فقط في الحلف هم: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبولندا واستونيا واليونان، لكن الأعضاء الآخرين طلبوا أن يتم تطبيق ذلك بحلول عام ٢٠٢٤.
وظلت هذه القضية محور خلاف بين الحلف وواشنطن، فغالبية أعضاء الحلف يرون أن زيادة الانفاق العسكري سوف تكون على حساب الرعاية الاجتماعية والتعليم والعدالة والتنمية والبيئة، والرئيس ترامب يرى أن الأعباء لا يجري تقاسمها بشكل عادل، وأن أعضاء الحلف لا يوفون بالتزاماتهم المالية.
وقد دفع هذا الخلاف « ينس ستولتنبرج » ، أمين عام الحلف، للقاء الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض في إبريل الماضي، واجراء مشاورات لاحقة مع قادة الحلف، وفي مقدمتهم ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، بهدف احتواء الأزمة مع واشنطن، ومع الإعلان عن مشاركة ترامب في قمة بروكسل، يمكن القول بأن الخلافات يجري احتواؤها.
والحقيقة أن تقاسم الأعباء المالية لا يمثل نقطة الخلاف الوحيدة، فالإدارة الأمريكية تدعو حلف شمال الأطلسي إلى تخفيف حدة التوتر مع روسيا لدعم الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، وفي ظل وجود عدو مشترك يجب التعاون لمواجهته.
لكن غالبية أعضاء الناتو يعطون أولوية قصوى لمواصلة توطيد مواقع الحلف في شرق أوروبا، وتحديدا عند الحدود مع روسيا، محاولا القيام بذلك بأقل قدر من الاستفزاز للقيادة الروسية، وهذا ما دفعه لتأجيل مباحثاته مع أوكرانيا بشأن نشر صواريخ مضادة للصواريخ على أراضيها.
لكن موسكو مستفزة في جميع الأحوال، وهي تتهم الناتو بتهديد أمنها القومي عبر نشر قوات وأسلحة وصواريخ في بولندا ودول البلطيق، والحلف من جانبه يتهمها بممارسة أنشطة تهدد الاستقرار على طول حدوده من بحر البلطيق إلى البحر الأسود.
وخلال عام ٢٠١٦ نفذت مقاتلات الناتو ٧٨٠ طلعة جوية لمتابعة الطائرات الروسية (مقابل ٤١٠ طلعات جوية في عام2015 )، وهو ما يعكس مستوى التوتر بين الطرفين، كما يعكس أيضا تدهور الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط .
ويرى الناتو أنه حاول طوال عقدين بناء شراكة مع روسيا في المجالات ذات الاهتمام المشترك، لكن الوضع تغير عقب التدخل العسكري الروسي في جورجيا عام ٢٠٠٨، وأنه اضطر لوقف التعاون إثر احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم في عام ٢٠١٤.
ولا شك أن توسيع الناتو لعضويته يثير قلق موسكو، التي استفزها انضمام بلدان من الكتلة الشرقية السابقة ، وآخرها دول البلطيق ، والجبل الأسود إلي الحلف ، كما أنها تعارض محاولات أوكرانيا للانضمام ، وتعتبر كل ذلك محاولة لعزلها وتطويقها، وأيضا إخلالا بالتفاهمات التي تم التوصل إليها مع المفاوضين الأوروبيين والأمريكيين قبل إعادة توحيد ألمانيا.
الموقف الروسي لم يوقف انضمام أعضاء جدد للناتو، ربما يكون أبطأ وتيرته فقط ، فالحلف نجح في ضم أعضاء جدد ست مرات منذ تأسيسه في عام ١٩٤٩، كما يشارك في ثلاثة تحالفات لتوسيع دائرة نفوذه، وهي مجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية، ويضم ٢٣ دولة من خارج الناتو، والحوار المتوسطي لدعم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويضم من خارج الناتو الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس، ومبادرة إسطنبول للتعاون من اجل السلام في منطقة الشرق الأوسط الكبرى، وتضم أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي – حيث لم تنضم السلطنة ولا المملكة العربية السعودية اليها – كما يتعاون الحلف مع أفغانستان وباكستان وأيضا مع استراليا واليابان وكوريا الجنوبية ومنغوليا ونيوزلندا وكولومبيا.
وهكذا تتزامن قمة قادة الناتو في بروكسل مع خلافات عميقة مع روسيا، وهو ما تحاول واشنطن معالجته بتفعيل الحوار بين الجانبين، لدعم الجهود الدولية الرامية للقضاء على تنظيم داعش ، والتي تتطلب تنسيقا بين مختلف الأطراف وأيضا بين الحلف وموسكو.
كما تتزامن القمة مع قيام الحلف بالمشاركة في مهام عسكرية في أفغانستان وليبيا وسوريا والعراق واليمن والبحر المتوسط والمحيط الهندي وخليج عدن، وتشارك قواته في حفظ السلام في كوسوفو والبوسنة والهرسك، ويستخدم الحلف لتحقيق أهدافه طائرات الإنذار المبكر والقوات الجوية والبحرية عالية التجهيز، وقوات الانتشار السريع فضلا عن القوات البرية المحدودة.
لكن هذه المهام تواجه انتقادات حادة من جانب روسيا والصين، اللتين تتهمان الناتو بتبني سياسة الحرب والهيمنة، مما يغذي سباق التسلح، لمصلحة شركات السلاح الغربية، فضلا عما يشكله ذلك من تهديد بتدمير بلدان وتحويل سكانها إلى لاجئين، وزيادة حدة التوتر والإرهاب في العالم.
وهذا ما دفع الحركة البلجيكية للسلام لتنظيم احتجاجات بالتزامن مع قمة الناتو، لمطالبة دول الحلف بألا تكون موازنات الدفاع على حساب الرعاية الاجتماعية، وأن توجه جهودها للاستثمار في الأمم المتحدة بدلا من الاستثمار في السلاح، لتحقيق الأمن والاستقرار العالمي.
وهي وجهة نظر يرفضها الناتو معتبرا أن تعزيز السلام العالمي والتنمية يلزمه رفع الجاهزية الدفاعية وتحديث القدرات العسكرية ومكافحة الإرهاب، وكلها أهداف دافع عنها الحلف خلال الـ 28 قمة التي عقدها منذ تأسيسه في عام 1949، وكانت أولها قمة باريس في ديسمبر 1957 وآخرها قمة وارسو في يوليو2016 ، وبين القمتين جرت مياه كثيرة، لكن قمة وارسو لعبت دورا مهما في تعزيز الوجود العسكري للحلف في بولندا واستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ودعم النظام الدفاعي الصاروخي البالستي، وتعزيز دفاعات الإنترنت، وتوسيع الوجود البحري في البحر المتوسط.
وبينما تتجه أنظار العالم لمتابعة قمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي في بروكسل، يظل السؤال مطروحا: هل ينجح ترامب في فرض أجندته، أم يتمسك الشركاء الأوروبيون بمواقفهم؟!