وقت للكتابة: تقنية الكتابة، كتابة التقنية

قاسم حداد –

1
الكتابة هي آلية تعبير يبتكر تقنيتها ويصوغ طبيعتها الكاتب بالأداة التي تتاح له تقليدية أو جديدة قابلة للتغير بين وقت وآخر. يستطيع الكاتب ان يعيد ابتكارها وتطوير حساسيته معها كلما تغيرت، شكلاً وطبيعة.

2
سابقاً، قبل الحاسوب، توهمنا أننا لن نستطيع الكتابة بأداة غير القلم.
الآن أعتقد أن تلك حقيقة صارت وهماً، يضاهي وهم الكاتب مدمن التدخين، وقت كان يظنّ بأنه لا يمكن ان يكتب حرفاً بدون السيجارة بين أصابعه بدخانها الذي يفيض على رئتيه ليملأ الفضاء حوله.

3
كل تلك عادات نرثها وتفرضها تقاليد نخضع لها بلا تبصّر. لكن ما إن نتعرض للتجربة الجديدة حتى نكتشف الأوهام. أوهامنا التي استهلكتنا وقتًا وجهداً وصحة أيضاً.

4
في منتصف الثمانينات بدأت تعرفي على جهاز الحاسوب، بوصفه آلة رقن فقط، وأخذت أتدرب على الكتابة بتلك الآلة الغريبة العجيبة. لكنني لم أجرأ على كتابة نصوصي عليه مباشرة.
عند نهاية الثمانينات، بدأتُ أولاً بعادة نقل المسودة الأولى من الورق الى الحاسوب، ثم أعمل على تبييضها. بعد فترة شعرتُ بأنَّ آلة الرقن بدأت تستجيب لأصابعي. كان ذلك شعورا فذا فعلاً. أحببت تلك التجربة المدهشة، وبدأتُ اكتب مقالاتي، ثم بعد فترة صرت أرى في شاشة الحاسوب ما يغري لرسم الحروف والكلمات ومحوها وإعادة رسمها وترتيبها. لم يكن أمراً عادياً رؤية الكلمات تولد وتتحرك مثل أحلام الأطفال.
وسرعان ما اندلع الشعر هناك.

5
بدأتُ أعتاد، والتذُّ، على الكتابة بأصابع آلة الرقن (الكيبورد) برشاقة المرتبك أولاً، ثم بعد ذلك صار الأمر زاخراً بالمتعة وبالمكتشفات. صارت التجربة تتكشّف عن حقائق الممارسة، كل آلةٍ، بل أن كل أداةٍ لها جمالياتها. اكتشفت، مثلاً، أن الأخطاء التي تحدث أثناء رقن النص، ليست أخطاء بالمعنى الدلالي الذي تعودنا عليه عند الأخطاء التي تحدث أثناء الكتابة بالقلم، ليس فقط لسهوة ورشاقة المحو والتعديل، ولكن خصوصاً أن ثمة خطأ (غالباً ما تقترحه سرعة الذكاء الافتراضي في الجهاز) سوف يفتح أمام نافذة غير متوقعة على الأفق التعبيري، فمن المتوقع أن تكون الكلمة، التي ولدت بالمصادفات التي ساهم فيها جهاز الحاسوب، كلمة مناسبة لصوغ صورة جديدة تغني جملتك التعبيرية، خصوصاً إذا كنت تمتلك ناصية المبادرة الفنية، من أجل تناول الهدم والبناء وإعادة الهدم والبناء فيما أنت تكتب نصك.

6
حدث لي كثيراً أن أرى في بعض أخطاء الرقن، التي نتجت أثناء كتابة المسودة، كلمات جديدة تفتح لي في النص أفقاً نوعياً غبر متوقع. (عندما تحاول مثلاً ان تكتب كلمة/‏‏ ليلى/‏‏ وكلمة/‏‏ المجنون/‏‏، فتكتب كلمة ثالثة غير متوقعة هي: (ليلون)، تكتشف شيئاً من جماليات الخطأ. حدث لي مثل ذلك كثيراً، وبشكل ممتع فعلاً.

7
الآن، يمكنني الزعم بأن الحاسوب قد نقلني تقنياً، من طريقة إلى طريقة أخرى بالغة الاختلاف، طريقة عملية وفعالة ومنتجة أيضاً.

8
بعد فترة اكتشفتُ أنني أواجه بعض الصعوبات التعبيرية، عندما أحاول استخدام القلم، فلا أستطيع كتابة جملة مفيدة وبخط واضح. لقد لاحظت بشاعة خطي.
أتذكر الآن، مثلاً، أنه صادف وقت بدأتُ في كتابة مسودة كتاب (طرفة بن الوردة)، استخدمتُ، من غير قصد، القلمَ والورقَ بالرغم من توفر الحاسوب. لم أدرك المسالةَ إلا بعد أن قطعتَ وقتاً طويلاً انجاز المسودة. فأخذتُ اتأملُ خَطِّي وهو يبدأ يتحسن ويتوضح. حتى أن تلك التجربة أضافت لي سبباً فنياً ثانياً للعمل على فكرة المخطوطة الفنية لنص (طرفة بن الوردة). لذلك من الممكن اعتبار تجربة هذا الكتاب احدى معطيات علاقتي الجديدة مع الكتابة على الكمبيوتر.

9
في السنوات الأخيرة، بدأ الكثير من الأدباء العرب يعتادون، حدّ الولع، على الكتابة مباشرة على جهاز الحاسوب. وفِي هذا ما يسهم في تحرير الكائن الإبداعي من أوهام التقاليد والتقليد.
لكن هل يمكن الظنّ بأن ثمة مثلبة في فكرة السرعة العملية التي توفرها الكتابة المباشرة على الحاسوب؟ لعلي سوف أميل على مثل هذا الظن، كلما صادفت درجة الارتجال والخفة التي يجري بها كتابة ونشر النصوص التي تملأ الفضاء.