بعبارة أخرى: المثقفون وتحولات العالم العربي «2»

د. حسن مدن –

انتهينا في العدد الماضي إلى عرض موقف واحد من بين ثلاثة مواقف صنفناها للمثقفين العرب تجاه التحولات التي شهدها ويشهدها العالم العربي منذ عام 2011، أي لحظة انطلاق ما جرى التعارف على وصفه بـ«الربيع العربي»، وهو موقف نقد التقاعس عن المشاركة، ونواصل في هذا العدد عرض الموقفين الآخرين.
الموقف الثاني: نقد المشاركة

لم يأت النقد للمثقفين والأدباء فقط من زاوية تقاعسهم عن أداء الدور المنتظر منهم إزاء غليان شعبي واسع النطاق، وتحركات وتحولات كبرى أحدث واقعاً عربياً جديداَ، إنما يأتي من زاوية أخرى تماماً، تقرع المثقفين العرب على اندماجهم في تحركات، أبعد ما تكون في البرامج الاجتماعية والسياسية التي يحملها قادتها، بحسب رأي الناقدين، عن أهداف الدولة المدنية والتحول الديمقراطي.

ويمكن للمتابع أن يقع على مادة واسعة تحمل الوجهة هذه، ولكني وجدت تعبيراً نموذجياً لها في مقال للكاتب السعودي مشاري الذايدي الذي كتب متسائلاً: «هل كان ما سمي بالربيع العربي فرصة لازدهار التيارات الدينية والجماعات المتشددة، أم كان نافذة أمل للانتقال العربي إلى أفق جديد متصل بالعصر والعقل؟ ضاع صوت التحذير في جوف الزحام، وصارت الصحافة والثقافة العربية جزءا من المشكلة، فلذلك لا يُنتظر منها حل ما كانت هي سببا في فساده. بعدما انتهت الحفلة، تبين مشهد الحفلة عن تكسير وتخريب وواقع مرير، خراب وتراب ودخان وحرائق، وغرق، وفقر، وفوضى، وانفلات أمني، وهزال اقتصادي، وفلتان في القيم والأخلاق الاجتماعية الحاكمة، وضرب بالقانون عرض الحائط، والأحزاب السياسية الدينية «تكذب» للبقاء في الحكم، كل شيء منهار وملوث، ولم يزد هذا الربيع العربي الأمر إلا خبالا. «كل هذا التقييم السلبي للربيع العربي ونتائجه صار من نافلة القول الآن، ومن مكرر الكلام، والكل يدعي الحكمة، ويحذر من تأثير الربيع العربي الضار، وأنه صار خريفا أو شتاء أو صيفا لاهبا، وليس ربيعا».(1)

لمثل هذا الموقف تجليات وتعبيرات كثيرة نلحظها في الإعلام العربي عامة، بل يكاد هذا الخطاب أن يصبح طاغياً، خاصة في ضوء المسارات التي اتجهت إليها الأمور في البلدان التي شهدت المتغيرات، حيث ما تزال أبعد أن تكون عن حالة الاستقرار، ناهيك عن بعدها عن تحقيق الحد الأدنى من وعود الثورة وأهدافها، التي يلزمها مخاض تاريخي طويل وعسير، خاصة في ظروف انفجار الهويات الفرعية، دينيا وإثنيا، ودخول أصحابها في صراعات ما أكثر ما تتخذ الشكل الدموي.

الموقف الثالث: منزلة بين المنزلتين

يبدو أصحاب الموقف الثالث في منطقة نقدية، لا نميل لتسميتها بالرمادية أو المحايدة، خاصة بالنظر إلى أن من يعبرون عنها معروفون بمواقفهم المعادية للاستبداد العربي، ولكنهم لم يروا في ما جرى ويجري في البلدان العربية طريقاً للتخلص من هذا الاستبداد، وأفصحوا عن خشيتهم من أن تؤدي هذه التحولات إلى استبدال الاستبداد القديم بنظير له، جديد.
وقد وجدت في البيان الذي أصدره، في البحرين، الشاعر قاسم حداد والروائي أمين صالح، حول الأحداث التي جرت في البحرين مطلع العام 2011، تعبيراً عن هذا الموقف النقدي، الذي إذ يقر بمشروعية المطالب التي رفعت في التحركات التي شهدتها البلاد، يبدي قلقاً من هيمنة التيارات الدينية على قيادتها ووجهتها، فإزاء الانقسام الذي وسم موقف المثقفين في البحرين يومها مما جرى، بين مشارك متحمس في تلك التحركات، وبين معارض لها، من حيث المبدأ، أصدر الرجلان بيانا قالا فيه: «لم نكن يوماً بعيدين عما يحدث، نؤمن بحق الشعب، بكل فئاته وطوائفه وأفراده، في التعبير سلمياً عن مطالبه المشروعة في العيش بحرية وكرامة، في تحسين أوضاعه المعيشية العادلة في الحقوق والواجبات ونحن ضد العنف والمعالجات الأمنية لمشكلات حياتنا».(2)

قال حداد وصالح أيضا: «لا نريد لهذه الاحتجاجات الشعبية أن تديرها التيارات الدينية، الطائفية، فتحرّف المطالب وتشوّه الحقوق وتوجّه الحركة وجهةً ليست خاطئة فحسب، بل مضادة، وقد تفضي إلى التناحر، كذلك نرفض القوائم السوداء بكل مسمياتها وعناوينها ومبرراتها، التي يبتكرها كل طرف من أجل قمع وتخويف وتخوين وتصفية الآخر؛ هذه الممارسة، أو هذا السلوك، الذي يتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية، التي تقوم على حق الاختلاف والحوار والجدل، واحترام الرأي الآخر… نرفض التعامل مع الفرد ككائن تابع، خانع، قابل للإغواء أو التهديد أو الابتزاز. نؤمن بحرية الفرد، وحقه في التفكير واتخاذ الموقف الخاص والمستقل، من دون أن يُفرض عليه موقف ما، أو الضغط عليه كي ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك».(3)
سنجد تعبيراً مشابهاً لهذا الموقف، في ما اتخذه الشاعر أدونيس مما جرى في بلاده، فأدونيس كان قد وجه للرئيس السوري بشار الأسد رسالة مفتوحة، دعاه فيها إلى وقف مماهاة سوريا بالحزب الحاكم: «سوريا، قال أدونيس في رسالته، أرحب، وأغنى، وأكبر من أن تُختَزَل في هذا الحزب، أو أي حزب سواه. أنت مدعوٌّ أن تكون إلى جانب سوريا، لا إلى جانب الحزب. أو أن تكون معه بقدر ما يندرج هو في سياق حركيتها، وبقدر ما يعمل على السموّ بها، مع غيره من أبنائها. ـ خصوصاً أنّ الحزب أُعطي فرصة طويلة ونادرة لكي يندرج في هذه الحركية الخلاّقة، عاملاً على السموّ بهذه البلاد الفريدة. غير أنّ التجربة تؤكّد فشله الكامل. لا تنفع المكابرة في ذلك، ولن تجدي القوة أو العنف في إثبات العكس. تتسع السجون للأفراد، لكنها لا تتسع للشعوب. يستحيل سجن الشعب. ولا تشير السجون السياسية إلا إلى الفشل. ولا تجدي القوة، مهما كانت، في قمع هذه الحقيقة أو طمسها. (4)

«بل إنّ الحزب في ممارسته السلطة طول هذه الفترة، أساء كثيراً إلى الهوية الثقافية السورية. قدّم على عروبة الانتماء للغة والثقافة عروبةَ الانتماء إلى «العرق» و«الدين»، مؤسِّساً لثقافة ذات بعد واحد، ينتجها مجتمع ببعد واحد. ثقافة ضيقة، اجتراريّة، تنهض حصراً على الضدية: «تكفير» المختلف وتخوينه أو نبذه أو تهميشه. عروبة حلّت محلّ اللاهوت. فُكِّك المجتمع وأُعيد بناؤه: الحزب ـ القائد ـ السلطة، من جهة، والشعب من جهة. وإمعاناً في هذا التفكيك لم يكن يُقَرَّب إلا المناصرون. وكان يُنبَذ المعارضون، ويُشَرَّد الرافضون. هكذا أنتج الحزب، طول أربعين سنة من حكم سوريا، المتنوّعة المتعدّدة، ثقافة أحادية مغلقة وقَمْعية، وهكذا تحوّلت الثقافة في سوريا، إلى تبشير وإلى إعلام ودعاية بارتباط كامل مع الأمن وسياساته. وحوصرت الثقافة السورية بين عقليتين مغلقتين: السلفية، باسم الدين والتراث والماضي، والحزبية البعثية، باسم عروبة قامعة للحريات وتتناقض مع أبسط حقوق الإنسان. تتناقض خصوصاً مع التعددية التي هي قوام الشخصية السورية. (5)
على خلاف ما توقعه أدونيس، فقد نظر إلى هذه الرسالة على أنها «فشلت حتى في الاعتراف بالقمع الوحشي الذي ترك مئات القتلى السوريين»، ونظر إليها البعض على أنها نصيحة من متعاطف مع النظام، يرشده إلى سبيل الخلاص بنفسه، خاصة وأن أدونيس نفسه عبرَّ عن تحفظه تجاه طبيعة التحركات الجارية في بلاده الأم: سوريا، كون المظاهرات فيها لم تنطلق من الجامعات كما كان الأمر في عقود سابقة، إنما من الجوامع، في إشارة منه إلى أن هذه التحركات «مختطفة» من قبل التيارات الدينية.

قد نجد تنويعات على هذه الآراء، تتقاطع معها في أمور، وتفترق عنها في أمور أخرى، فثمة من يرى أن غياب القادة المثقفين عن الثورات يمكن أن يكون بمثابة السمة المميزة لحقبة ما بعد الإيديولوجيا التي يُشعر من خلالها بحاجةٍ أقل لتوحيد المذاهب. ومن المحتمل أيضاً أن دور المثقفين انكمش خلالها في المدونات وتنظيم الحشود في الشوارع، وللبعض يعد هذا كافياً. يقول الروائي العراقي سنان أنطون «لا أعتقد أن هناك حاجة للمثقفين؛ لقيادة أي ثورة»، ويضيف «لم تعد هنالك حركة تُقاد عن طريق الأبطال».

أستاذ الفلسفة الراحل السوري صادق جلال العظم برر خفوت دور المثقفين باعتقاده أن «لا أحد يريد أن يكون المتهم في خطف الثورة». ويضيف «هذا الخوف المفرط أصبح عائقاً». إلى حد ما، يعد الصمت الفكري للانتفاضة الحالية بمثابة الاستجابة المتعمدة، بسبب الفراغ الناتج عن الخطاب الثوري للأجيال السابقة. (6)

نكمل في العدد القادم.

الهوامش

(1) مشاري الذايدي: «إني أتهم المثقفين العرب» – الشرق الأوسط 19/‏‏2/‏‏ 2013
(2) صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3100 – الخميس 03 مارس 2011
(3) المصدر السابق
(4) رسالة أدونيس إلى بشار الأسد: موقع الحوار المتمدن
(5) المصدر السابق
(6) روبرت وورث: المثقفون العرب الذين لم يزأروا- ترجمة منتصر مختار – موقع المسبار الإلكتروني