مقطع من كتاب «ذهب الضجر» لياسر عبداللطيف

في الحياة الجديدة – ولنسمها هكذا من باب الاحتفاء الذي يتسع للمبالغة – ظهرت لي مدينة أدمنتون تحت ضوء مختلف عمّا اعتدته طوال السنوات الست الماضية. لطالما رأيتها مدينة مُضجرة بشكل غير مسبوق بالنسبة لي. في بداية وصولي، في شتاء 2010، تجلت لي كمدينة شبه مهجورة في قلب السهوب الجليدية، تصلح مستعمرةً لعقاب روح آثمة، منفى سيبيري لشخص عُصابي مصروع من طراز فيدور العظيم. أول كتابة راودتني في الأرض الجديدة كانت القصائد. توالت واحدة إثر أخرى: مقاطع أو «ستانزاس» كما تقول أليس ميجور شاعرة المدينة بشعرها الفضي وأعوامها السبعين وجمالها الأسكتلندي الصامد في وجه الزمن. أسميت المجموعة الأولى من تلك المقاطع «قصائد من سيبيريا الغرب»… السهوب. والجليد. والمنفى. كنت أقف أمام البحيرة الصناعية في حي هامبتونز الذي كنا نسكنه وقتها، وأتذكّر بطل فيلم «نوستالجيا» لتاركوفسكي، وتداعيه في نهاية الفيلم. وأقول إنني سوف أتداعى أمام بحيرة مماثلة في يوم من الأيام.
في الضوء الجديد صرت أكثر انتباهًا للممر المحفوف بأشجار الحور السامقة اجتازه في الطريق للبار أو السوبرماركت، أصوّر حالاته وتبدّلها مع الفصول، من الخضرة العميقة في الصيف لاشتعال الألوان في الخريف، ثم الذبول وتراكم الثلج والجليد على المشهد.
صرت أكثر انتباهًا لنسائها الجميلات من شتى الأجناس، وللنزعة المحافظة الميثودية والانجليكانية لسكان الغرب الأوسط، وللانفتاح النسبي للكاثوليك منهم ومنهن. لانغلاق العرب والمصريين، للشباب المسلم صاغرين في إبراز الهوية والهناء الزوجي، لدأب الآسيويين، للصينيين في الفاملي بيزنس يبيعون بأرخص الأسعار، ويحصدون ثروات تتراكم ببطء، للفلبينيين بطموح جبار وعزيمة لا تكل للعمل في كل المجالات، للهنود والباكستانيين بشعور الرجال المصبوغة دومًا وأناقة نسائهم الرفيعة، للصوماليين يتبوأون الدرك الأسفل في السلم الاجتماعي هنا، بمشاكلهم التاريخية . بناس شرق أوروبا بيض الدرجة الثالثة، تفضحهم سلافيتهم. ناس الغرب الأوسط الانجلو بروتستانت البيض أكثر عنصرية من نظرائهم على الساحلين، أصلهم مزارعون في السهول الواسعة لمقاطعات البيرتا وساسكتشوان ومانيتوبا، كندا التي لا يعرفها العالم، ومسرح قصص أليس مونرو حيث تتولد الجريمة «كما تتولد الديدان ذاتيًا في قدور المش» بالتعبير اللاذع لمحفوظ في «القاهرة الجديدة».
وظهر النفط الرملي هنا، فنشأت صناعة استخراجه، وما استتبع ذلك من شركات وإعمار، وخدمات وتوسع للمدن. وتحضّر قطاع كبير من فلاحي البراري. وتحولت تلك المدينة النائية إدمنتون إلى أحد المراكز الاقتصادية الهامة في هذا البلد مترامي الأطراف. أُحب دائمًا صورة المدينة التي تبزغ من قلب البراري. من هنا سافرت إلى جبال الروكيز في نطاقها الكندي، في حدود نفس المقاطعة، البيرتا، أو في المقاطعة المجاورة بريتيش كولومبيا المتاخمة للمحيط الهادي. إن تجمعات الجليد العملاقة على الجبال وسفوحها إذ تذوب وتحفر أخاديد عميقة في الصخور. أطنان من الثلج تنحت تلك الرواسب البركانية منزلقة نحو المحيط فتتشكل خلجان ضيقة يراها المسافر بالطائرة مثلثات من الازرق الفيروزي تتغلغل في البُني الأغبر لصخور الروكيز في تجلّيها على الساحل الدافئ للباسيفيكي. مدينة فانكوفر عاصمة الساحل الغربي هي تقريبًا المدينة الوحيدة التي لا تثلج فيها في كندا. أما في الرحلة العكسية من الغرب للشرق، فالطريق ينحدر من مرتفعات الجبال نحو السهول الفسيحة والخصيبة. لم أكن أعرف ما هو الفقر المائي، ولطالما فكرتُ وفكّر كثيرون مثلي: أن تلك المصطلحات لا تخصّنا في مصر، التصحّر، حروب الماء وما شابه. ومن أين يأتي الفقر المائي ولدينا كل هذا النيل في القرى يتدفّقُ. وفهمت معنى هذه المصطلحات عندما رأيت كمية المياه التي حبت بها الطبيعة هذه الدولة القارة. تحتفظ الجبال ومستجمعات الجليد بخزان مائي كوديعة مصرفية تنفك أرباحها على شكل بحيرات وأنهار وبرك، تغطي هذا الاتساع بفواصل غير كبيرة بينها. نهر بين كل بحيرة وأخرى، وبحيرة بين كل نهر ونهر.