هوامش.. ومتون : وقفة احترام للحياة

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

عندما نطلق طائرا حبيسا في قفص، فإنّنا نفعل ذلك ليس حبّا بالأشجار التي سيداعب أغصانها بأجنحته، ناثرا عليها زقزقاته، وتغريداته، بل احتراما للحياة التي تفور في جسده الصغير، ولن تكتمل حياة، ذلك الطائر، إلّا بحرّيّته، وحينما نساعد حيوانا أليفا جريحا، أو نسقي شجرة في أرض مجدبة، فإنّنا نمنح هذه الكائنات فرصة لمواصلة حياتها انطلاقا من قاعدة أن الحياة هبة عظيمة من هبات الخالق، وأيّ مساس بها، أو تفريط هو جحود، ونكران لجميل الصانع، لذا احترامها واجب، وهو احترام لأنفسنا، وهذا الاحترام يشمل كافّة الكائنات التي تشاركنا هذا الكوكب الصغير، ويبقى الإنسان عنوانا كبيرا من عناوين الحياة، كونه حمل الأمانة «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا»، ولم تأت جهود العلماء في الطب خلال العقود الأخيرة إلّا لإسعاد الإنسان من خلال توفير الرعاية الطبية، ووسائل النقل السريع، وما إلى ذلك من اختراعات هدفها تخفيف آلام الإنسان، وإسعاده، لكي يعيش حياة كريمة، خلال عمره، الذي مهما طال، فإنّه سيصل خط النهاية، وكما يقول كعب بن زهير في (البردة):
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
وقد دعا المتصوّفة إلى احترام الحياة، عندما نظروا لكلّ شىء في الوجود كمظهر، وتجلّ للذات الإلهيّة التي هي المنبع الأوّل للحياة، فقالوا» «الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت»، فجمعوا بين العمل، والعبادة، ليكون واجب الانسان الأكبر تعمير الأرض، والإسهام ببناء الحياة، لأنّه خليفته الموكل بالبناء «إني جاعل في الأرض خليفة»، وقد حثّ ديننا على هذا، فمما يذكر في هذا السياق أن سفيان الثوري دخل في مجلس العابد البصري يوسف بن عبيد، فوجد عددا من الفتيان في حالة خشوع دائم، فقال: «لا تزيدوا التخشع على ما في القلب، واتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تكونوا عيالا على المسلمين»، وفي هذا القول دعوة للعمل، والإقبال على الحياة، في جميع صورها، وتنوعها، سواء كانت في جسد إنسان أو في نبات، أو في حيوان، فجميع مظاهر الحياة على الأرض لها قيمتها بصرف النظر عن أهميتها للإنسان، وكذلك الحفاظ على الثروات الطبيعية لتكون رصيدا للأجيال القادمة، لذا ينبغي اعادة النظر في ثقافة الثناء على الموت التي أصبحت سائدة، في الكثير من المنشورات، بما ينغّص مزاج الحياة، وتأتي دعوات الناشطين، ومنظّمات حقوق الإنسان في الغرب لايقاف عقوبة الإعدام، من منطلق قيمة الحياة العليا، ومنها تحريم القتل في جميع الأديان السماويّة، فلا يحقّ لأيّ انسان سلب حياة إنسان آخر، فالإنسان قيمة كبيرة في العالم المتقدّم، مهما كان صغيرا أم كبيرا، سواء كان عمره يوما واحدا، أو تسعين سنة، سليما معافى، أم يعاني من عوق معيّن، وفي هذا الإطار، لقد دهش مهندس كهربائي ابتعث في دورة تطويريّة في اليابان بحضارة هذا البلد، ورقيّ شعبه ليس من خلال تطوّر مجالات الحياة العمرانية، والتطور التكنولوجي، وتعدد الأنشطة الاقتصادية، والمشاريع، كما هو معروف، بل من خلال جزئيّة صغيرة أثناء دخوله الحمامات، فقد وجد ستة أنواع متاحة لكبار السن، والأطفال، شرقية وغربية، وكفيفي البصر، وذوي الإعاقة، وقارن هذا الصديق بين ما شاهده في اليابان من اهتمام بذوي الإعاقة، وما يلقونه في مناطقنا العربية، التي لا تجد مراعاة في أماكن كثيرة، فعند مراجعتها أيّ دائرة حكوميّة لا تجد الاهتمام الكافي، وفي وسائل النقل العامة نجد أسعار التذاكر واحدة لا تراعي حالتها، خصوصا أن في مناطقنا العربية تكثر ظاهرة فقد الأعضاء، بسبب الحروب، والصراعات، والأزمات، فهذه الفئة بحاجة الى دعم عالمي في مجال زرع الأعضاء، وتوفير أطراف صناعية، وقد لاحظت الخدمة المميزة التي يقدمها الطيران العماني لذوي الإعاقة، وكبار السن، في طريق سفري من مطار (مسقط) إلى مطار النجف الأشرف، فهذه الخدمة تبدأ من دخول المسافر مطار (مسقط) بعد تشخيص حالته من قبل مركز طبيّ خاص، فينقل بكرسي متحرك الى البوابة المخصصة، لرجال الأعمال، وركّاب الدرجة الأولى، مرورا بالتفتيش، وفحص الجواز وصولا الى باب الطائرة، ويتمّ بواسطة مصعد خاص، وهذا مؤشّر حضاري يدل على احترام الإنسان ككيان، وذات، وقيمة تستحق حياته وقفة احترام.