في ضــوء التوصـيـات بـربـط مـخـرجـات التعليـم بســوق العمل

د. محمد رياض حمزة –

ناقشت ندوة (التعليم والتوجهات الحالية والمستقبلية في سوق العمل) الثورة الصناعية وانعكاساتها على التعليم وسوق العمل، وواقع الاقتصاد العماني وتوجهاته المستقبلية وانعكاس ذلك على التعليم والتوظيف، والمشروع الوطني لمواءمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل. وكانت الندوة قد عقدت في 8/‏5/‏2017.
عبارة «ربط مخرجات التعليم بسوق العمل» اسْتُهْلِكَت وأُفْرِغَت من معناها إذ تَقَوّلَ بها، ويعاد ذكر هذه العبارة في كل مناسبة وندوة ومؤتمر في التعليم، وأكدها مسؤولو وخبراء منظمتي العمل الدولية والعربية، وكرر ذكرها الكُتّاب والمعنيون بالتعليم وبسوق العمل… وفي السلطنة «المشروع الوطني لمواءمة مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل».
فهل مخرجات التعليم غير مربوطة بسوق العمل في السلطنة؟ يمكن الرد على هذا السؤال بالرد بنعم، وذلك باستحضار تخصصات ومناهج التدريس في برامج مؤسستين من مؤسسات التعليم العالي التي تعتبر مخرجاتها الأكثر طلبا من قبل الأنشطة الإنتاجية والخدمية والتجارية في سوق العمل في السلطنة، وهما كلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس والأقسام الهندسية بالكليات التقنية. فتعتبر كلية الهندسة واحدة من الكليات الأولى في جامعة السلطان قابوس التي كانت قد فتحت أبوابها للدفعة الأولى من طلبتها في عام 1986. وقامت الكلية حينئذ بوضع برامجها التي تؤهل الطالب خلال خمس سنوات للحصول على درجة البكالوريوس في عدد من التخصصات الهندسية وتقدم التخصصات الآتية: الهندسة المدنية والمعمارية وهندسة الكهرباء والحاسب الآلي، والهندسة الميكانيكية والصناعية وهندسة النفط والكيمياء هذا بالإضافة إلى برنامج الهندسة الميكاترونيكية، وتضم الكلية المعامل التطبيقية، ومختبرات الأبحاث، ومختبرات الحاسب الآلي مع قاعات الرسم الهندسي، وهي مزودة بأحدث التجهيزات القادرة على تلبية احتياجات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وعلى خدمة المواد العلمية المضمنة في الخطة الدراسية. ويتم بشكل متواصل تطوير هذه المعامل والمختبرات لتوفير أحدث الأجهزة والمعدات لجعلها تواكب النمو والتقدم في المجال الهندسي. ومن اجل إكساب الطلاب الخبرة الهندسية قامت الكلية في عام 1990 بتأسيس مكتب الاتصال الصناعي والخريجين. ومن مهام هذا المكتب الإشراف على تدريب الطلاب ووضع برامج وخطط التدريب وتقييم الطلاب أثناء التدريب الصناعي. والتركيز على مهامه في التواصل مع الخريجين. تلك هي المستلزمات المادية التي تُيّسر للدارس فهما معمقا لمفردات التخصصات الهندسية وتطبيقاتها.
أما الأقسام الهندسية في الكليات التقنية السبع فهي: الهندسة الميكانيكية، وهندسة النفط والغاز، وهندسة التبريد والتكييف والهندسة المدنية، ومسح الكميات، والرسم الهندسي. وهندسة القوى الكهربائية، وهندسة الحاسب الآلي، وهندسة الاتصالات. وتحرص المديرية العامة للتعليم التقني بوزارة القوى العاملة أن يأخذ الجانب التطبيقي ــ العملي 70% من مجموع حصص التدريس في الكليات التقنية.
وسواء في كلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس أو في الأقسام الهندسية في الكليات التقنية فإن تلك التخصصات ومناهجها وتطبيقاتها صيغت لتلائم الاحتياجات من الوظائف والمهن في سوق العمل، فالقطاع الخاص كان دائم الحضور في مجالس الأقسام الهندسية للمساهمة في وضع التخصصات الأكثر ملاءمة لسوق العمل واحتياجاته.
المنظمة العربية للتنمية الإدارية من جانبها، تؤكد أن العديد من الدراسات التي سلطت الضوء على العلاقة بين التعليم وسوق العمل، على أن هناك علاقة استراتيجية وثيقة، تحكمها العلاقة بين العرض والطلب في سوق العمل، ومن هنا يمكن القول إن استراتيجيات وسياسات التعليم، إذا تم ربطها بشكل ممنهج مع الاقتصاد الوطني وتوجهات سوق العمل، فإن ذلك الربط سوف يعمل دون شك على كسر الهوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وبالتالي الحد من وجود باحثين عن عمل. لذا فإن التعليم يلعب دورا محوريا في أي سياسات أو خطط أو برامج تستهدف تحقيق الإصلاح الاقتصادي من أجل أهداف التنمية المستدامة.
تبنت الحكومة سياسات ومشاريع جادة لموازنة سوق العمل واستقراره وربط التعليم والتدريب بسوق العمل، مستهدفة تطوير وتنمية مهارات وكفاءة وفعالية القوى العاملة الوطنية لتكون منافساً قوياً للقوى العاملة الوافدة فوضعت البرامج والحوافز لتشجيع الشباب العماني للعمل في المهن التي لا تلقى قبولا مجتمعيا كالبيع والسياحة والمقاولات، بل إن وزارة القوى العاملة لم تتوان عن تقديم المبادرة تلو المبادرة للعمل الحثيث مع القطاع الخاص لتوفير مئات الآلاف من فرص العمل للباحثين عن العمل ولاستقرار القوى العاملة الوطنية في عملها، فخلال السنوات 2011 إلى نهاية 2013 استُدْعِيَ ما يربو على 150 ألفا من الباحثين عن عمل وعُرِضَ عليهم ما وفره القطاع الخاص من فرص العمل، وهم من مخرجات الدبلوم العام وما دونه، ومن حملة شهادات التعليم الجامعي، فضلا عن توالي تنفيذ برامج التدريب المقرون بالتشغيل، لذلك فإن وزارة القوى العاملة، عملت وتعمل على أسس مدروسة على ربط مخرجات التعليم التقني بسوق العمل.
شمل الجهد الحكومي في السلطنة ربط مخرجات التعليم بسوق العمل بما يلي من الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات المسؤولة عن التعليم العالي:
– اعتبار التعليم العالي أحد أهم القطاعات التي شملتها مشاريع تشغيل القوى العاملة حيث تم التركيز على الجودة وذلك من خلال الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي فقد تم إنشاء الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي بموجب المرسوم السلطاني رقم 54/‏2010 الصادر في 3/‏5/‏2010م لتحل محل مجلس الاعتماد وتتبع مجلس التعليم ويأتي إنشاء الهيئة لتكون الجهة الرسمية المسؤولة عن عمليات الاعتماد وضمان جودة كافة مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة في السلطنة واعتماد البرامج الأكاديمية التي تطرحها هذه المؤسسات كما ان للهيئة دورا أساسيا في تقييم واقع جامعات وكليات التعليم العالي بمعايير واقعية للجودة. كما عملت الهيئة منذ فترة التأسيس على وضع نظام وطني لإدارة جودة التعليم العالي يستند إلى أفضل الممارسات العالمية ويأخذ في الوقت نفسه متطلبات البيئة العمانية المحلية بعين الاعتبار.
– عملت الحكومة على تسليط الضوء على استراتيجيات وسياسات وآليات التعليم العالي من حيث علاقتها باحتياجات سوق العمل.
– تحليل واقع سياسات التعليم العالي في السلطنة وعلاقتها بسياسات واتجاهات الاقتصاد الوطني وسوق العمل.
– عرض مشاريع الرقي بالتعليم في ضوء تطورات سوق العمل وأنشطة الاقتصاد الوطني مع تسليط الضوء على علاقته بمخرجات التعليم العالي والمهني من خلال رؤية استراتيجية.
– متابعة وتفعيل المؤسسات الحكومية المعنية بالإشراف على تنفيذ برامج تشغيل القوى العاملة الوطنية وفق احتياجات سوق العمل، وجعل التدريب المهني مكملا للتشغيل ببرامج يتواصل تنفيذها مع القطاع الخاص.
– تشجيع القطاع الخاص لاستيعاب آلية ربط مخرجات التعليم بسوق العمل والتأكيد على ضرورة مساهمته في تقييم وتطوير تخصصات التعليم وبرامجه بما يتناسب واحتياجات سوق العمل.
– عقد الندوات والمؤتمرات وحلقات العمل والتنسيق بين الجهات المسؤولة عن التعليم بما يجعل مخرجات التعليم على مستوى الجودة التي يتطلبها سوق العمل.
وبعد كل ما تقدم فهل قصرت مؤسسات التعليم العالي في ربط برامج وتخصصات التعليم في السلطنة بسوق العمل؟ الجواب: لا إن الجهات الحكومية لم تقصر في الربط المنشود، وإن وجد ما يعيق تشغيل خريجي الجامعات والكليات من القوى العاملة الوطنية ووجود أعداد متزايدة من الباحثين عن عمل، فلتلك الحالة مسببات أخرى وملخصها ليس في تخصصات التعليم أو مناهجه وهي:
– تكررت التوجيهات السامية بضرورة إجراء المراجعة الشاملة للتعليم، وتلك المراجعة تبدأ بتقييم أهلية المخرجات وجودة إعدادها في التخصصات الأكثر طلبا في سوق العمل.
– القطاع الخاص يريد تشغيل القوى العاملة الوطنية، بأي مؤهل دراسي وبأي خبرة، ولكن بشرط أن تحقق الربح الذي تحققه القوى العاملة الوافدة. ولم يعط الاهتمام الكافي لتدريب القوى العاملة الوطنية للوظائف والمهن المتوفرة في منشآته.
– تَطَلُُّع معظم القوى العاملة الوطنية في منشآت القطاع الخاص أو من الباحثين عن عمل لوظيفة في القطاع الحكومي، لما لهذا القطاع من مميزات. تلك أهم معوقات تشغيل مخرجات التعليم من القوى العاملة الوطنية التي تتسبب بالتصور السائد بأن مخرجات التعليم غير مربوطة بسوق العمل. فمقولة ربط التعليم بسوق العمل متحققة والهوة التي تفصل بين مخرجات التعليم والفرص المتاحة في سوق العمل ينبغي أن يتولاها المواطن والقطاع الخاص.

mrhamza1010@gmail .com