بيرم التونسي من جديد

يوسف القعيد –
هذا ما قاله بيرم التونسي عن نفسه في حديث قديم جدا يعتبر وثيقة من وثائق عمر هذا الشاعر الجميل الذي اكتشفنا عذوبة شعره وعمقه بعد رحيله عن الدنيا. مثلما نفعل نحن أبناء هذا الجزء من العالم مع كل الذين أسعدونا في حياتهم. قال بيرم لا فض فوه ومات حاسدوه:
– وأصدرت مجلة باسم «الخازوق» أغلقت بعد صدور العدد الأول منها والأخير، لأنى نشرت فيها زجلا لم يسر في ذلك الوقت محمود فخري باشا زوج الأميرة فايقة ابنة الملك أحمد فؤاد من زوجته الأولى الأميرة شويكار.
ويستطرد بيرم التونسي:
– كنت أعيش من إيراد قليل. كان يأتي لي من بعض الصحف المصرية كمجلة الشباب والتي كانت تنشر أزجالي مقابل مرتب شهري لا يزيد على جنيهين. وذلك بجانب عملي في كثير من المصانع. من بينها مصانع مسابك الحديد والحرير الصناعي والبسكويت. وكان أجري ضئيلا جدا. إلى درجة أنه لم يكن يسمح لي بتناول وجبة كاملة من الغذاء في أي مطعم متواضع في مدينة ليون سوى مرتين في الأسبوع.
وقصة النفي بدأت يوم 25 أغسطس سنة 1920 الذي تقرر فيه ترحيله من مصر بسبب مقطوعة زجلية. أما كيفية عودته إلى مصر فقد انتهز فرصة وجود باخرة عائدة إلى مصر عام 1938 وتسلل إليها حيث جاءت به إلى مدينة بور سعيد. وهناك هتف به هاتف يقول:
غلبت أقطـع تذاكـــــر                        وشبعت يا رب غربـــــة
بين الشطوط والبواخــــر                     ومن بلادنا لأوروبــــــا
فى بور سعيد  السفينــــة                    رسيت تفرغ وتمــــــلا
هتف بى هاتف وقالــــي                    انزل من غير عزومـــــة
إنزل دى ساعة تجلــــي                     فيها الشياطين في نومــــة
إنزل دا ربك  تملـــــي                       فوقك وفوق الحكومـــــة
وإن كان شاعر الشعب العظيم بيرم قد عاش حياة البؤس والحرمان، فإنه ترك لأسرته بعد وفاته ثروة طائلة عن طريق حق الأداء العلني تقدر بنحو اثنين وعشرين ألف جنيه سنويا. وهو مبلغ أكثر من ضخم إذا قورن بالزمن الذي رحل فيه بيرم عن عالمنا.
لم يكن بيرم التونسي زجالا وشاعرا فقط. ولكنه كان ناثرا من الطراز الأول. من مقاماته مقامة عنوانها: المقامة الانتخابية، جاء فيها:
– حدثنا الحافظ بن عمران:
قال: لقد- والله- فسدت البرية. وأصبحوا لا يعتبرون إلا الأفندية، وأنا والدي عمدة وعمي عمدة. وخالي خير من لبس اللبدة، ثم إنني أستاذ أكبر لأنني حضرت في الأزهر يحترمني أهل بلدتي ويوقرني بنو جلدتي فما هذا الجحود والنكران وكيف إذا أريد عين من الأعيان أو عضو في البرلمان يجيئون بدخيل ليست لنا به معرفة ويقال انتخبوه وأيدوا موقفه.
والحمد لله الذي أعز وأذل. فقد فسد البرلمان وانحل! ونحن على أبواب انتخابات جديدة وقد جاء إلى بلدتنا رجل من الطفيليين يدعى أنه من أعلى عليين يقول: قد رشحت نفسي لبلدكم لأن لي قريبا من نسلكم وولدكم فأعطوني أصواتكم أشكركم وانصروني أنصركم.
ثم قلت لهم لقد أوضحت لكم منهاجي وعلى الله اتكالي فهل تنتخبونني على ذلك؟
قالوا: نعم ولتحيا العمم.
فكتبت إلى خصمي الذي جاء ليضع اسمه بجانب اسمي: إلى الذين انتخبوا اعتزلوا البرلمان إن كنتم غير متطهرين حتى لا تبوؤوا بغضب من الله والناس، ولقد رشحنا أنفسنا فأيدنا الجميع فابتعدوا قبل أن يفشكم الكناس. قال فما كاد يصله هذا الخطاب، حتى ابتعد عنا وغاب، ولم يدخل الانتخاب.
وثمة مقامة عنوانها: عدم التدبير. يكتبها هكذا:
– من الساعة 9 صباحا متلاقيش في أوروبا كلها واحد نايم في الفرش إلا في المستشفيات.
وعلى كده استعمرونا وشغلونا فعَلة. ندحرج لهم براميل البيرة ونشيل بالات القطن وما أشبه.
– جبتي قد إيه كبدة؟
– كيلو بعشرة فرنك.
– لو كانوا العشرة فرنك في إيد بنت باريسية كانت خلت بهم السفرة تضرب تقلب من الأصناف اللي عليها. يعنى كان نص كيلو كفاية. وخرشوفتين لطاف ينسلقوا ويتاكلوا بالزيت والفلفل الأسود. وخساية بنكلة تنحط منقوشة جميلة في طبق كبير. غير ما تلاقي هنا حتة جنبة. وهنا حتة زبدة. وهنا شوية فاكهة. وفى الوسط باقة أزهار إن ما كانش عاجبك. تروحي تجيبي بالعشرة فرنك كلهم كبدة، جاكي وجع في كبدك.
– الله يسامحك ياسي السيد.
وكان التساؤل حول أيٍ من معاصريهم أشعر الشعراء قال:
سئل كبير من كبار الأدباتية من أشعر الشعراء في مصر الفيحاء فأجاب:
شوقي بك إذا طرب.
والحاج محمد الهراوي إذا هرب.
وعبد القادر أفندى المازني إذا تعب.
وعباس أفندي العقاد إن كان بأتب.
وخليل أفندى مطران إن ظل في حلب.
وحافظ بك إبراهيم لو تمجلس على الكتب.
وأحمد أفندى رامى إذا ولول وندب.
وعبد الرحمن أفندى شكري لو قرا نهاية الإرب.
ومصطفى أفندي الرافعي لو سمع فعجب.
أكثر من هذا أنه اشتهر بمحاكاة أساليب الشعراء المعاصرين والأقدمين. وحين نزلت باليابان كارثة مدمرة تخيل الشعراء في ذلك الوقت وقد هبوا لمواساة اليابان في هذه الفاجعة. فكتب على لسان حافظ إبراهيم:
بلد الشمس أي خطب دهاهــــا
فطغى سفلها على أعلاهـــــــا
وكتب على لسان خليل مطران:
تقطعت الأوصال من عزمه الفتى
وما الخطب إلا أن تقطع أوصالـــه
وكتب على لسان أحمد رامي:
فى رياض الهوى وتلك الجنـان
خليـلاني في سكــرات خليـلاني
وكتب على لسان مصطفى صادق الرافعي:
ما للورى؟ هلك الورى، ضل الورى
أين الورى؟ ذهب الورى كهبـــاء
وكتب على لسان عبد الرحمن شكرى:
دعتني إلى خوض موج الدهــور
وللدهر موج رفيع الــــــذرى
وقلد أمير الشعراء أحمد شوقى من خلاق قصيدته:
«يا نائح الطلح أشباه عوادينـــا
نَشْـجى لِـوَادِيكَ، أَم نَأْسَـى لوادينا؟
قال:
يا نائح الطلح إحنا وانت واحد في الأحزان حنعيط على أنفسنا ولا عليك. والكلام ده ولا مؤاخذة زي كلام المعددين أو كلام النسوان. لما يدخلوا عزاء ميت غريب ويسمعوا الندابة. يقوموا يفتكروا رُخرين مصايبهم ويعيطوا.