دعوة لتجديد قراءة النفري

أحمد فرحات –
هو شاعر يسبغ علينا نعمة السمو والرفعة، وأناقة الروح وشفافيتها، وخطوط مراقصة الأهوال والاطمئنان إليها. كما يجمع بين الفوضى والنظام، والآتي والمدبر، وصورة اليقين ونقيضها، والمجهول بما هو قابل للمعلوم، والمعلوم بما هو آيل لمجهول آخر، هكذا وفق رؤية إدراكية تعددية تجيد قراءة ما تند عنه الأنوار التي تقابله، وتتفاعل مع تدفقاته التي بإرادته قد تحييه أو قد تميته فيها.. لا فرق، ما دامت «الحقيقة» التي ينشدها لا تعرف النقيض، ولا تنقسم عنه، وتظل تصوغ مضمونا آتيا من مكان آخر، لا يسبب القسمة بين العقل واللاعقل، والقلب واللاقلب، والروح واللاروح.

إنه الشاعر الشيخ محمد بن عبد الجبار النفري، صاحب «المواقف والمخاطبات» الذي يظل القارئ منا يقرأ نصوصه بتجدد جاذب لا حدود لفتوحاته وكشوفاته المتوزعة داخل وعي الذات وخارجها، وبخاصة أنه يشترط اللامتناهي، كيما ينفذ مهماته المعرفية، وينطلق دوما من نبذ المتعالي، فالمتعالي، في المحصلة، لا يبلور موضوع المعرفة أصلا، ولا يخدمه.
وأجمل ما في النفري أنه ظل على المستوى الشخصي شاعرا مجهولا، ظهر في النصف الأول من القرن الرابع للهجرة، لا أحد يعرف تاريخ ميلاده، ولا تاريخ وفاته. ويرى العديد من الباحثين، أنه لولا الإشارات التي أوردها شيخ المتصوفة الأكبر محي الدين بن عربي في سفره الأكبر والأشهر: «الفتوحات المكية»، وكتابه «رسالة عين الأعيان»، ما كان بالإمكان الالتفات بيسر إلى نسب «المواقف والمخاطبات» للنفري، الذي كان يسيح في الأمكنة والفيافي، وخصوصا في العراق (بلده الأصلي) ومصر، لا يعرفه أحد، ولا يلتفت إليه أحد، بقرار منه طبعا، وانسجاما مع أسرار رحلته الأبعد في الكون، ونظام خطابه الصوفي الخصوصي العالي الذي لا يجاريه فيه أحد، مبنى ومعنى، والذي لا يريد من ورائه شهرة، أو مجدا باطلا، على غرار نظراء له كثر في الشعر، وفي المسار الصوفي الخصوصي العالي.. قديما، وبالتأكيد حديثا.
والنفري صاحب العبارة التي خلبت لب الكثيرين: «كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة»، قيل إنه لم يكتب بيديه شيئا من «مواقفه ومخاطباته»، وإنما كان يملي على تلاميذه ومريديه ما يقول من مواقف ومخاطبات، شأنه في ذلك شأن مرجعيات صوفية وفلسفية ثقاة في التاريخ أملوا ولم يكتبوا، وظلوا يمتدون بخطابهم، أفقا وعمقا، ليغطوا مساحات أبعد من حقل الكتابة نفسها والقول الصوفي الخصوصي العالي نفسه.
وعندما نكرر ذكر القول الصوفي الخصوصي العالي هنا، فلأن النفري لم يقل بالحلولية، أو الاتحاد بين الخالق والمخلوق، كما قال أبو يزيد البسطامي، ثم تبعه الحسين بن منصور الحلاج في القول والنهج عينه، بل ظل النفري أمينا لمسرح الشهود لديه، لا يشكو من عجز، ولا يتبرم من صبر على فهم تعاليم الخالق، فالفهم لديه هو الإبداع في جوهره، وليس درجة في سلمه: «قال لي ما أنا في شيء، ولا خالطت شيئا، ولا حللت في شيء، ولا من شيء، ولا من، ولا عن، ولا كيف، ولا ما يقال، وما لا يقال، أنا أنا، أحد فردي صمد، وحدي أظهرت ولا مظهر إلا أنا».
وفي اتجاه نوراني عمودي، يخاطب الشيخ ربه: «إلهي.. أنت فلا أشباه تماثلك، ولا أشكال تشاكلك، ولا شواكل تجانسك».
والصوفي الشاعر بحجم النفري، هو أيضا في قمة وعيه المعرفي بذاته، من خلال فتوحاته، يقدم شعر جاذبية الإرادة كأرض التقاء لها عصمة نظامها الشديد الثقة بما يطلع دوما من اتصالها الغلاب بالمعرفة، وبما يتجاوز المعرفة سموا وقيم عطاء، يحددهما، بالطبع، العارف الأول: قال لي: «خل المعرفة وراء ظهرك تخرج من النسب ودم لي في الوقفة تخرج من السبب».
المعرفة هنا قنطرة إلى الغايات القصوى تستحث نفسها بعد الوصول إلى ما لا يخطر لها على بال، وإلى ما لا يساورها من مد الشوق عينه؛ ويظل السالك مثل النفري لا يستطيع الوصول أيضا إلى كنه الذات العليا، على الرغم من اقترابه منها: «وقال لي أنا أقرب إلى كل شيء من معرفته بنفسه، وأنا البعيد لا كبعد الشيء من الشيء».
ومنه قوله: «وقال لي: القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة».
لكن النفري من جانب آخر، يظل يرى نفسه، على ضآلتها، مختزلا لمعنى الكون .. كل الكون: «وقال لي أنت معنى الكون كله» .. «إنما أحادثك لترى، فإذا رأيت، فلا حديث».
وإذا كان متاحا للمرء أن يعطي لصيغة وجوده في هذا العالم طابع الاختبار، حتى من قلب السقوط المفتوح، فإن المخاطرة من جديد، تظل جزءا لا يتجزأ من النجاة: «أوقفني في البحر، فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح؛ وقال لي: لم يسلم من ركب.. وقال لي: خاطر من ألقى بنفسه ولم يركب.. وقال لي: هلك من ركب وما خاطر.. وقال لي: في المخاطرة جزء من النجاة».
والمرء لا يلقى ذاته على حقيقتها إلا عبر انخراطه في مغايرتها، حتى لو أذنبت، ففي مقابل فعل الذنب يقف فعل الصفح الجميل، ولكن بشروط تتطلب جهد الوعي الجدلي كله لالتقاط بعض ترميزاته: «أوقفني في الصفح الجميل وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع، وقال لي: ذكر الذنب يستجرك إلى الوجد به، والوجد به يستجرك إلى العود فيه».
وعلى خط الفصل بين الفكر و«صمت» الوجود، ثمة على الدوام برزخ يحذر منه النفري، ويدعو خلاله إلى كسر الجمود بكل ما هو متحرك وفاعل وجائل ومستطلع وصانع: «وقال لي: بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وقبور الأشياء».
وإذا كان الانقذاف إلى هذا العالم ليس نعمة بقدر ما هو ابتلاء، فإنه وفي الحد الأدنى، يظل من حقنا التمعن في السطوح، لعلها تأتي لنا بالأعماق فنشفى، أو على الأقل نظن أننا نشفى. والبلاء هو الفخ الذي يبدد نفسه كما يبدد غيره.. وسر البلاء لا يدرك كنهه إلا أهل الإرادة والاقتدار، أولئك القادرون على القراءة والتأويل وتصنيف درجات القراءة والقراء: «قال لي: ومعرفتك بالبلاء بلاء، وإنكارك للبلاء بلاء»… «وقال لي: القراء ثلاثة، قارئ عرف الكل، وقارئ عرف النصف، وقارئ عرف الدرس».
لغة النفري راقية، قوية بمرونتها وانضباطها. يتلبث المعنى فيها من فرط جمالها وأدائها ووقوعها عليه. إنها لغة مضاعفة الأحاسيس واستنفاد آيات الرؤية واحتمالاتها، وهي جديدة متجددة في كل زمن، وتفضي دوما إلى أقصى غاياتها وطاقاتها وقدرتها على أن تمون الذات بكل ما تحتاجه، ويحتاجه فيها، حتى العقل المتعالي (التراستندالي).
إنها لغة شعرية حداثية استفاد منها كبار شعراء الحداثة العرب، وفي الطليعة بينهم أدونيس الذي افتتن بالنفري أيما افتتان، وراح يبشر به ويعتبره «السلف الشرعي لقصيدة النثر العربية».
ولكثرة ما تعلق أدونيس بحادثات إبداع النفري، قال: إن كتابته هي بمثابة «شعرية الفكر الحقيقي»؛ لكن شعرية الفكر هذه، لا تلغي، في المقابل، أن كتابة النفري (ومن خلال المنظور الأدونيسي طبعا) تظل تمثل « تجربة قلبية لا تجربة عقلية، وتجربة كتابية، بدءا من القطيعة مع الواقع، ومن الصلة مع المتخيل. إنها تجربة تتجاوز إمكانات الواقع من أجل أن تحسن الغوص في داخله، وتحسن استقصاء ما يضمره، فهي تجربة رموز وإشارات وتلميحات». ويردف أدونيس: «النص هنا يقول أكثر مما يقول ظاهر كلماته، وتتقاطع فيه أبعاد ودلالات تجسد لغة تفرض التواصل معها ذوقيا أو حدسيا».
ومن جانب آخر يرى أدونيس أن النفري «يرفع الكتابة إلى مستوى الأسطورة؛ فكتابته تدعونا لكي نفهمها بحركة الأحشاء ونبضات القلب، كما لو أن علينا أن ننصهر فيها، أن نتماهى معها، كما نتماهى مع طفولتنا ولاشعورنا. ونصه هو نص يقول لنا إن الحقيقة شوق، وهي غير موجودة بوضوحها الكامل، أي بغموضها الدال، إلا في اللغة، أعني الشعر». اكتشف كتاب «المواقف والمخاطبات» للنفري، المستشرق البريطاني الكبير «آرثر جون آربري» (1905 – 1969) في العام 1934، واعتبره أحد أكثر المتصوفة العرب حساسية وغورا في الأعماق بأقل الكلمات. وأدونيس، في المناسبة، هو من اكتشف كتاب المستشرق آربري عن النفري، بعدما كان مرميا يعلوه غبار الإهمال والتجاهل في أدراج مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت في الستينيات من القرن الفائت، وقدمه للقراء العرب كاكتشاف شعري كبير في مجلته «مواقف»؛ وهو اكتشاف من شأنه أن يكون فتحا رياديا كبيرا يسهم في المزيد من إلقاء الضوء على «مشروعية» الكتابة العربية الحديثة، وإيجاد مرجعية عربية تراثية لها، ويعزز من فتوحاتها المغايرة والمتجاوزة في الشعر والسرد الإبداعي بوجه عام. وميزة نصوص النفري في رأي الباحث وليد عبد الله «أنها تحتاج لمتذوق ذي حساسية خاصة، لأنها نصوص لأهل الخاصة من أهل طريق العرفان، الذين يعلمون أسرار الكتابة والتدوين على صفحات وجودهم، ويقرأون ذواتهم كجزء متكامل داخل هذه النصوص. إن النفري يحاور ويتحدث حديثا داخليا متكاملا في ذاته، فهو يسمع وينصت ويصمت ويتحدث؛ وكل هذه العملية الحوارية تتم داخل دائرة ذاته؛ فلا محل للآخر إلا إذا أصبح من ضمن مفردات هذا الخطاب، ومن ضمن عملية اتصاله التي دونت خطابه، فكأنه يتحدث لذاته في غياب تام إلا من الذات الإلهية المخاطبة. لهذا تحمل نصوصه حرية الاتساع والإطلاق في العبارة، وامتداد المعنى، وبساطة أسلوبية، وعمقا محسوسا لا يسبر غوره. لقد تبادل النفري واللغة في عملية الكتابة الحب، فمالت اللغة معه حيث يميل، وانحنت أمام صدق تعامله معها، وتوظيفها بأشكال تليق بقدرتها على الإحاطة والابتكار والتجديد».
في زمن جفت فيه النصوص وبهتت.. نصوص الشعر ونصوص الفكر والتأدب والتفلسف ومختلف الخطابات السردية (عندنا وعند غيرنا في العالم)، ليس لنا في مثل زمن كهذا، إلا أن نلجأ إلى نصوص «مواقفك» و«مخاطباتك» أيها النفري العظيم، لعلنا نمنح بعض الشيء من وصال حقيقتك المتسامية، المهموسة، الخفرة وذات القدرة الهائلة على تحقيق التقابل الحميم واللطيف بينها وبين لهفات النفس.
أيها النفري.. حنانيك أفقا، ومراتب تعبير، وانسكاب نفس بنفس، وذهول فلوات بفلوات… أما أنت القائل: «حسن الظن من طرق اليقين»؟!

*مؤسسة الفكر العربي
بالتعاون مع مؤسسة الفكر العربي