ركيزة للسلام والتنمية وبناء المستقبل !!

د. عبد الحميد الموافي –
من المؤكد ان الحفاظ على الوحدة الوطنية والإقليمية للدول العربية ، لا يتوقف فقط على التزام الأشقاء بالحفاظ على تلك الوحدة ، أرضا وشعبا ، لأن الأهم من ذلك ، أو ما يسبقه على الأقل ، ان تكون الحكومات والسلطات المعنية في الدول الشقيقة معنية ومهتمة ، بل وساعية بجدية، من اجل الحفاظ على الوحدة الوطنية والإقليمية لدولها،  

بالرغم من ان الدول العربية شهدت ، على امتداد العقود السبعة الماضية ، اي منذ خمسينات القرن الماضي العديد من الخلافات ، التي وصلت احيانا الى حد المواجهات المسلحة ، بشكل او بآخر ، الا انها ، باستثناء خطيئة غزو الكويت عام 1990، ظلت محكومة بوجه عام بحدود الواقع السياسي العربي ، والالتزام بالحدود السياسية ، التي استقلت عليها الدول العربية ، بغض النظر عن اية اطماع او ادعاءات او تطلعات للتمدد ، او للاستيلاء على مصادر ثروة ، ظاهرة او مطمورة في باطن الارض او تحت الماء ، تظهر حينا وتختفي احيانا حسب المزاج السياسي ، او حسابات المصالح في هذه الدولة العربية او تلك ، والتأثر بالطبع بالتطورات الاقليمية والدولية من حولها . ولكنها – اي تلك الاطماع او الادعاءات والتطلعات ، ظلت تعبر عن نفسها بشكل اساسي عبر وسائل اعلام الاطراف المعنية ، واستخدامها في المعارك السياسية والمنافسات العربية ، التي اعتادت الدول العربية عليها ، ولا تزال تدمنها الى حد كبير، او بعضها على الاقل . واذا كان ذلك النمط من ادارة العلاقات بين الاشقاء قد امكن احتماله ، او تحمل تبعاته ، خلال العقود الماضية ، خاصة وان الكثير مما كان يظهر على سطح الاحتقانات العربية، كان سرعان ما يختفي عند نجاح لقاءات واجتماعات المصالحة العربية ، الا انه لا بد من الاعتراف ان ما تمر به وتتعرض له المنطقة العربية ، وكثير من دولها ، على مدى السنوات الاخيرة ، يختلف في الواقع في جوهره واهدافه والاطراف المتورطة فيه بشكل مباشر وغير مباشر احيانا ، عما كان يجري من قبل ، حتى وان اخذ مظهر الخلافات وتصارع المصالح بين الاشقاء ، وهو ما كان يتم من قبل . فالخلافات والاطماع والادعاءات والتطلعات الآن، وخلال السنوات الاخيرة تنطوي على خطر كبير، ومؤثر بالفعل يتمثل ليس فقط في عدم الالتزام بالقيم والمبادئ والاسس التي ارتكزت عليها العلاقات العربية، على امتداد العقود الماضية ، وفي مقدمتها الالتزام باحترام سيادة واستقلال وانظمة الحكم في الدول العربية الأخرى، وهو ما ينص عليه ميثاق جامعة الدول العربية الموقع في مارس عام 1945، اي منذ اثنين وسبعين عاما ، ولكنه يتمثل ايضا – الخطر – في الميل والنزوع والقبول بفكرة تفتيت الدول العربية او بعضها على الاقل، طالما يخدم ذلك غرض هذا الطرف العربي او الاقليمي او الدولي ، بل وللأسف الدفع نحو هذا التفتيت احيانا ، وصولا الى حد التورط – ولو بالصمت، والقبول والموافقة الضمنية على محاولات اضعاف وتخريب، ثم تفتيت هذه الدولة العربية او تلك . وذلك برغم وضوح حقيقة ان استنزاف، او اضعاف، او تخريب وتفتيت أية دولة او مجتمع من المجتمعات العربية ، لا يمكن الا ان يكون تأثيره بالسلب على مجمل القوة العربية، وعلى أي طرف عربي منفرد ايضا، بالنظر الى ارتباط الامن العربي واشتراك كل الدول العربية فيه دون استثناء ، وبالتالي بطلان مقولة انه يمكنني النجاة بذاتي . وهذا هو في الواقع درس التاريخ والخبرة السياسية العربية ، الذي ينبغي ان نعيه جيدا ، وخاصة اليوم وغدا .
ومع الوضع في الاعتبار ان هناك اسبابا عربية واقليمية ودولية ، للتغيرات والتهديدات والمخاطر، التي تمر بها وتتعرض لها المنطقة العربية في السنوات الاخيرة ، بما في ذلك تنوع وتعدد اللاعبين العرب ، وتعدد وتنوع ارتباطاتهم وتقييماتهم ورؤاهم ، بل وتماهي بعضهم – بوعي او بدون وعي – احيانا، مع مخططات ومصالح دولية معلنة ومعروفة ، على نحو غير مسبوق ، وهو ما يستحق دراسات متعمقة له ولأبعاده ، فانه من الاهمية بمكان الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من اهمها ما يلي :

*اولا : لعلنا في حاجة ماسة الى ادراك ، بل الأحرى الى التذكر واليقين لحقيقة ان العالم ، بكل قواه غربا وشرقا ، يتعامل مع الدول العربية جميعها ككتلة او مجموعة واحدة ، بغض النظر عن التمايز الذي تبديه هذه القوة الاقليمية او الدولية في تعاملها مع الدول العربية اتساقا مع مصالحها وسبل تحقيقها ، في ظرف او آخر . ومن ثم فإن هدم او تخريب او اضعاف اية دولة عربية ، هو في حقيقته استنزاف وخصم من حساب قوة الدول العربية الاخرى على المستويين الفردي والجماعي . ومع الوضع في الاعتبار طبيعة الشخصية والثقافة العربية ، والممارسات المتراكمة بين الاشقاء ، في الظروف المختلفة ، فإن خلاصة التجربة هي انه لا خلاص لأية دولة عربية بمفردها ، ولا بالاستغناء ، او توهم الاستغناء عن الاشقاء ، تحت أي ظرف من الظروف . ومن هذا المنطلق فان دعم وتعزيز القوة العربية – على المستويين الفردي والجماعي – تتطلب دعم قوة كل دولة عربية على حدة من ناحية ، وفي تعاونها مع الاشقاء ايضا ، ايا كانت صورة او بعد هذا التعاون من ناحية ثانية . ويقتضي ذلك بالضرورة وقف اية تدخلات سلبية ، او اية محاولات لإضعاف او لتخريب او لتفتيت أية دولة عربية، ليس فقط التزاما بالقوانين العربية والدولية ، وبحقوق الاخوة والمصير الواحد ، ولكن ايضا لإرساء ثقة نحتاجها الآن بدرجة كبيرة ، بيننا كدول وشعوب شقيقة، تسعى الى بناء حاضرها ومستقبلها . واذا كانت كل المواثيق العربية والدولية تقوم على مبادئ احترام سيادة الدول الاخرى والالتزام باحترام حدودها واعتبار انظمة الحكم فيها حقا من حقوق شعوبها ، فإننا نحتاج بشدة الى العودة للالتزام باحترام ذلك في ممارساتنا لعلاقاتنا مع بعضنا البعض كدول شقيقة ، تربطها مصالح عديدة ومصير واحد وامن مشترك .
*ثانيا : ان تداخل وتقاطع المصالح واعتبارات الامن القومي لكل دولة عربية وللدول العربية ككل ايضا ، تفرض بالضرورة قدرا من الاهتمام وامكان التنسيق والتعاون بين الاشقاء فيما يحقق المصالح المشتركة والمتبادلة . وبقدر ضرورة احترام حقوق السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ، بقدر مراعاة مصالح الدول الاخرى شقيقة وصديقة ، والعمل على ما يحقق المصالح المشتركة لشعوبها جميعها ، وهو ما يفرض بالطبع العديد من صور واساليب التعاون والتشاور والتنسيق ، عند الضرورة ، والى المدى الممكن في هذا الجانب او ذاك ، ثم حل أية خلافات بالحوار والطرق السلمية وبما يحفظ مصالح مختلف الاطراف ، بحكم ان ذلك هو ما يدعم سبل الاستقرار . وفي ظل ما تمر به اكثر من دولة عربية الآن ، وخاصة سوريا وليبيا واليمن ، وبغض النظر عن كل ما نشر وينشر بشأن مخططات ومقترحات وتصورات اعادة صياغة حدود دول المنطقة لتفتيتها ، سواء بادعاء ان اتفاقية سايكس بيكو قد مضى عليها قرن من الزمن ، وانها لم تراع التركيبة الاثنية والعرقية الفسيفسائية لشعوب المنطقة ، او بادعاء حق تقرير المصير واتاحة فرصة للتنوع لأن يعبر عن نفسه ، او بالزعم التعيس اقتسام الثروة والسلطة، او بغير ذلك ، وهي كلها تصب في اتجاه تقسيم دول وشعوب المنطقة ، بما يحولها الى دول او كانتونات عرقية واثنية ومذهبية ، تطيح بقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية وتجعلها موضعا للتقسيم والتوزيع على موائد القوى الاقليمية والدولية المتربصة بالشعوب والموارد العربية، فان المدخل الاساسي ، بل حجر الزاوية ، الذي ينبغي الالتزام والتمسك به هو الحفاظ على الوحدة الاقليمية والوطنية للدول العربية ، بما في ذلك سوريا وليبيا واليمن وبالطبع العراق وغيرها ، باعتبار ذلك أمرا بالغ الاهمية لحاضر ومستقبل هذه الدول ، ولحاضر ومستقبل المنطقة العربية ككل . والحديث يطول في هذا المجال . ومن هنا فإن هناك بالتأكيد مسؤولية عربية ، فردية وجماعية ، من خلال جامعة الدول العربية والاتفاقيات العديدة التي تربط بين الدول العربية ومنها اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي وغيرها ، وهذه المسؤولية تتمثل في العمل على الحفاظ على وحدة الدول والشعوب العربية ، وخاصة تلك التي تتعرض لمشكلات في هذه الفترة ، ومحاولة الأخذ بيدها للخروج مما تمر به بأقل خسائر ممكنة ، لأن معاناة أي منها ستؤثر بالضرورة على كل الدول الشقيقة ، ليس فقط فيما يتصل بعمليات اعادة الاعمار ، ولكن ايضا في ترميم الكثير من الجروح والندوب العميقة التي لحقت بتصور كل طرف لعلاقته مع الأطراف الاخرى ، وما يتراكم من رواسب ضارة في هذا المجال . ولعل مبدأ الحفاظ والالتزام بحدود الدول العربية التي استقلت عليها ، يكون ركيزة في هذا المجال للبناء عليه، مع الوضع في الاعتبار تسوية أية منازعات على الاراضي بين الاشقاء بالحوار والطرق السلمية .

*ثالثا : انه من المؤكد ان الحفاظ على الوحدة الوطنية والاقليمية للدول العربية ، لا يتوقف فقط على التزام الاشقاء بالحفاظ على تلك الوحدة ارضا وشعبا ، لأن الاهم من ذلك ، او ما يسبقه على الاقل ان تكون الحكومات والسلطات المعنية في الدول الشقيقة معنية ومهتمة ، بل وساعية بجدية، من اجل الحفاظ على الوحدة الوطنية والاقليمية لدولها ، ورفض التفريط في اي جزء او قسم منها تحت اي ادعاء او مبرر . على انه من الاهمية بمكان المسارعة الى تأكيد ان بناء وترسيخ الوحدة الوطنية في اية دولة عربية ليس مسألة فرض او ضم او اكراه من اي نوع من جانب طرف ضد طرف او اطراف اخرى ، لأن الوحدة الوطنية تقوم على اساس التعايش والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات ، وعلى الشعور بالامن والاستقرار في كنف الدولة ، والمشاركة في ثمار التنمية الوطنية ، والقدرة على التعبير عن التطلعات ومواصلة تحقيقها في اطار وطني ، يتسع لكل ابناء الوطن دون تمييز ودون استغلال او تسلط من جانب طائفة او عرق او مذهب او دين ضد الاطراف الاخرى . والحمد الله عاشت الدول والشعوب العربية عقودا ، بل قرون عديدة مترابطة ومتماسكة وقادرة على ادارة مصالحها المشتركة ، ولكنها تتعرض الآن بالفعل الى محاولات مستميتة لضرب تماسكها واستقرارها ، وبذر الشقاق بين فئاتها ومكوناتها ، لأسباب ومصالح معروفة ومعلنة ، والمؤسف ان هناك ممن يتمسحون بالاسلام ، يقومون بالدور الاساسي في عملية التفتيت هذه بادعاءات ومزاعم باطلة. وفي مواجهة هذه الهجمة الشريرة ، فان الحكومات والسلطات المعنية في الدول العربية المختلفة لا يمكنها الا ان تضع ذلك كله في اعتبارها ، وان تسعى جاهدة للتعامل الواعي معه لبناء وترسيخ وحدتها الوطنية والاقليمية ، وتحصين نفسها داخليا لمواجهة اية محاولات في هذا الاتجاه، والعمل على اشراك مختلف شرائح المجتمع في جهود التنمية والبناء ، وصياغة الحاضر والمستقبل ، وعلى اساس من المواطنة والمساواة والشعور الحقيقي بالأمن والقدرة على تحقيق الذات في اطار الوطن ، لأن ذلك هو ما يقطع الطريق في الواقع امام كل دعوات التفتيت والتقسيم والتخريب ، التي ستنتج فقط كيانات او كانتونات او دول تجاوزا ، تكون بالضرورة ضعيفة وغارقة في مشكلاتها ، وموضعا للتقسيم على موائد القوى الاقليمية والدولية الاخرى ، التي تستخدمها لخدمة مصالحها ، والامثلة في هذا المجال عديدة ، من داخل المنطقة وخارجها ايضا . ولذا فإنه من المهم والضروري العمل وبناء وترسيخ الوحدة الوطنية للدول العربية ورفض أية محاولات لتفتيت او تقسيم اية دولة عربية كسبيل لحل مشكلاتها ، لأن حل المشكلات لا يكون بالتفنيد ولكنه بدعم التماسك الوطني لكل دولة على اساس من المواطنة والمساواة ، وتظل تجربة السلطنة تجربة ونموذجا بالغ الاهمية والدلالة في بناء وترسيخ الوحدة الوطنية، ومنذ وقت مبكر ، وهو ما يفسر ايضا – في جانب منه على الاقل – ما تعيشه السلطنة من امن واستقرار وازدهار برغم كل ما يجري حولها وعلى امتداد المنطقة والفضل في ذلك يعود الى حكمة وبعد نظر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه .