بعبارة أخرى: المثقفون وتحولات العالم العربي«1»

د. حسن مدن –

يبدو مفهوماً أن يجري السؤال عن دور المبدعين والمثقفين، الكبار والمرموقين منهم خاصة، في التحولات الجارية في العالم العربي اليوم، لجهة التأثير فيها أو التفاعل معها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن الجزء الأكثر توهجاً في المنتوج الإبداعي العربي في الرواية والقصة القصيرة والشعر، خلال العقود الماضية، توجه نحو فضح ومناهضة صور الاستبداد وغياب الحرية في البلدان العربية، وكانت الكثير من الأسماء والأعمال الأدبية ملهماً لأجيال من الشبان العرب في تبني دعوات الحرية والتقدم، والتوق إلى غدٍ ديمقراطي في بلدانهم.
الإبداع العربي، كما هو جزء كبير من الفكر العربي المنتج في العقود الماضية، كان له إسهام لا يمكن إغفاله في إشعال جذوة الوعي، وفي تقديم بانوراما عن تحولات الواقع العربي وتعقيداته. ولا يقتصر الأمر على المنتج الإبداعي أو الفكري وحده، فالعديد من المثقفين كانوا منخرطين في العمل السياسي الميداني للمطالبة بالديمقراطية، يمكننا هنا الاستشهاد بدور المثقفين التقدميين في سوريا في إطلاق ما جرى التعارف عليه بـ«ربيع دمشق»، الذي سبق الربيع العربي بنحو عقد من الزمان، حيث وقع المثقفون السوريون على بيان 99، الداعي للحقوق المدنية والانفتاح، قبل أن يصار إلى وأده هذا التحرك بالقمع، حيث سجن العديد بعد ذلك.
لم يكن القمع نصيب المثقفين ورجال الفكر في سوريا وحدها، لقد حدث هذا في مختلف البلدان العربية، حيث واجه المثقفون العرب الضغوط من أجهزة الدولة، وكذلك من التيارات المحافظة التي ازداد تغوُلها في المجتمع، وقد أفلح هذا القمع في تحييد أصوات كثيرة، ولكنه في الإجمال أخفق في أن يصادر من الأدب العربي روحه النقدية رغم قسوة الظروف.
قبل أن ندخل في الأسباب التي جعلت السؤال عن غياب أو تخلف الإبداع العربي عن مواكبة ما يدور حوالينا من تحولات عاصفة، نود أن نصنف مواقف المثقفين والمبدعين العرب إزاء هذه التحولات في خانات ثلاث، تبعا للموقف الذي اتخذه ويتخذه من يمثلون المواقف المختلفة من هؤلاء.
فمواقف هؤلاء المثقفين تراوحت بين الحماس المفرط للتحولات التي جرت منذ عام 2011، وبين التحفظ والريبة تجاهها، ليس فقط بعد المآلات التي انتهت اليها، وإنما أيضا لحظة انطلاقها الأولى، وبين الموقف المعادي لها تماما، والذي يرى في كل ما جرى مؤامرة أمريكية تندرج في إطار خطة الفوضى الخلاقة، وتمكيناً للتيارات الإسلامية لتمزيق العالم العربي على أسس مذهبية وطائفية، وهذا الموقف نلمسه في ركام من المادة الإعلامية في الصحافة السيارة، وهو في الإجمال خال من التأصيل الفكري والمعرفي، ويقف عند حدود القدح، ومن وسائله تقريع المثقفين والقوى المدنية التي انخرطت في التحركات التي جرت في بلدانها، بحجة ذيليتها وتبعيتها للقوى الدينية، وعدم امتلاكها لمشروعها الخاص، وهو موقف، وإن كان ينطوي في بعض حالاته على وجاهة، إلا أن الغرض منه، في الغالب الأعم، التماهي مع الموقف الرسمي.

وسنعرض تالياً نماذج لهذه المواقف الثلاثة:

الموقف الأول: نقد التقاعس
يكاد نصري الصايغ أن يصل إلى استنتاج مؤداه أن المثقفين العرب لم يضطلعوا بدور في صنع «الربيع العربي»، ولا في مجرياته، ومن واقع تجربة إشرافه على صفحة الرأي في جريدة «السفير» اللبنانية، فهو يرى أن الفائدة في محاولة فهم ما جرى لم تأت من هؤلاء المثقفين، إنما من خلال «ما يدونه شباب الثورة على صفحات التواصل الاجتماعي، فلقد كانوا على اتصال مباشر بالميادين، خلافاً للمثقفين، الذين يتفقون مع مقولاتهم ويُصدقون معها، ويحاكمون الوقائع بآليات ليست من جنس الوقائع، التي لها جديتها وخصوصيتها التامة. ولقد تبين لي، أن الوقائع الميدانية ومآلاتها وقدرتها على التغيير والاقتحام، لا تتطابق مع النظريات الثورية التي طبعت فكر المثقفين. ولم يتنبه كثيرون أن النظرية ليست سابقة للوقائع، بل لاحقة لها، فالثورة كانت تأتي قبل نظريتها. لقد حاكم معظم المثقفين أحداث الربيع العربي، وحكموا عليها، انطلاقاً من أفكار نشأت بعد ثورات سابقة. وبدا أن الثورات لا تتشابه، ولا تنسخ بعضها بعضاً، وجل ما يتصل في ما بينها، هو التأثير الذي يخلقه المناخ العام المحيط بكل حدث من أحداث الربيع». (1 )
وبرأيه فإن «عطب المفكرين، هو في إعطاء الفكر سلطة وحق الإمرة، بحيث يلزم ان تأتي الأحداث طبق النظرية ومتوائمة مع الأفكار. إنها ديكتاتورية مانعة لحرية التخبط والمعاناة والنقد والتفلت، لاكتشاف الجديد… التقيد بالقواعد، يخلق قيوداً للفكر. التفلت الدائم منها، يمنح المفكر حرية اكتشاف الجديد، أو اكتشاف جديد لما تم كشفه بطريقة أخرى سابقاً. الثورة فوضى مثيرة ومبدعة. وفي الفوضى يحصل الابتكار. وهذا ما حصل في يوميات الربيع العربي. (2 )
قريباً من هذا يوجه ابراهيم الجبين نقداً لاذعاً للمثقفين على ما يعده «قصوراً في الاضطلاع بدورهم في هذه المرحلة» وهو كتب يقول: «المثقفون العرب لم يصنعوا الثورات بأيديهم، وهذا واقع على الجميع الاعتراف به، بل كانوا على هوامشها.وربما مهّدوا لها بكتاباتهم ونضالهم سنين طويلة، ولكنهم ليسوا هم الشهداء الذين سقطوا في المظاهرات التي أجّجت الثورات في ربيع العرب، فتقدموا مراتٍ بخفر وحياء، ومراتٍ أخرى بهدوء وتؤدة، وبعضهم أسرع الخطى، ولكن بعضهم اندفع بانجراف كبير ليجاري الشباب في رفضهم لكل قديم، ومعه كل قيمة».(3 )
الشاعرة الكويتية سعدية مفرح، وفي الإطار نفسه، إطار نقد المثقفين والمبدعين لتقاعسهم في الانخراط في التحولات التي شهدتها بلدانهم، تحدثت عما وصفته بالقوة المائعة، «فالمثقف التقليدي غالبا ما يردد ألفاظا ومصطلحات غاية في الابتعاد عن لغة الشارع حتى وهو يتوجه بخطابه إلى الشارع، مع أنه يدرك أن هذا الشارع لا يفهمه مطلقا أو جزئيا، لكنه يصر على استخدام مثل هذه اللغة الصعبة المعقدة لإيهام الجمهور أنه أفضل منه بقصد أو بغير قصد فهذا ما تكرس لديه ولدى الجمهور وهو أيضا ما عزز صورة البرج العالي الذي لا يسكنه سوى المثقفين في ثقافتنا العربية».(4)

وهي ترى أن الاتهام الأول الموجه للمثقفين العرب هو تقاعسهم عن هموم الأمة تقاعسا اتخذ أشكالاً عديدة، منها مثلا التجاهل التام لكل ما يجري في أوطانهم بلا أي حراك فاعل لهم بين الجماهير، ومنها أيضا الالتفاف على الهموم الحقيقية للأمة بالانشغال في هموم أخرى خارجية تكفل لهم البريق الإعلامي العالمي من دون أن تكلفهم التنازل عن امتيازاتهم المحلية غالبا، أما أسوأ أشكال التقاعس فهو التعالي على صوت الجماهير واعتبار هذه الجماهير مجرد غوغاء تمارس الصراخ في الشارع فلا ينبغي الانشغال بسماع ما تقول. وقد أدى هذا النوع الأخير من التقاعس بكثير من هؤلاء المثقفين إلى الانحياز للسلطة في بلادهم تلقائيا، كل على حدة، وبغض النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة لهذه البلاد أو أفكارها في الحكم حتى لو كانت تتعارض في الداخل والخارج مع ما يؤمن به هذا المثقف نفسه وما ينادي به من خلال كتبه ونظرياته النخبوية.. (5)
في العدد القادم سنتحدث عن موقفين آخرين، موقف نقد المشاركة، وموقف المنزلة بين المنزلتين، وسنقدم نماذج لذينك الموقفين، كي نرى أن حدثاً بحجم «الربيع العربي»، ونضعه بين مزدوجين تعبيرا عن كون التسمية هذه باتت، هي ذاتها، إشكالية، حتى لدى الكثير من المثقفين الذين أفرطوا في الحماس لهذا «الربيع» لحظة انطلاقته، لا بد أن يستدعي التعارض المعروف بين السياسة والثقافة، وهي على كل حال سمة عامة لدى المثقفين، لا العرب وحدهم، وإنما هي ظاهرة في تاريخ الثقافة العالمية، وحسبنا هنا تذكر مواقف مثقفين كبار تحمسوا للثورة البلشفية، لكنهم سرعان ما راجعوا موقفهم هذا، وعادوا للحديث عن ما حسبوه وجها استبدادياً لها، بعد انتصارها.

الهوامش

(1) نصري الصائغ :«المثقفون في الربيع العربي: انتماء أو اغتراب» – جريدة السفير – بيروت «14/‏‏8/‏‏ 2013»
(2) المصدر السابق
(3) إبراهيم الجبين – جريدة العرب 26/‏‏08/‏‏2013، ص(14)
(4) سعدية مفرح: «القوة المائعة» – القبس6 /‏‏ 10/‏‏ 2013
(5) المصدر السابق