شرح شرح العبيرية «مقاطع مختارة»

سماء عيسى –

لك الحمد جز لي بالذي أنا قائل
شهيد على نفسي وانت مجيرها

مثلما تنفض الشجرة يباس الأوراق في الخريف
لتتجدد الحياة تجدد الطفولة.
من ينفض خطاياي واوزاري
ويعيدني اليه جسدا
من التراب والبكاء والدم!
ظمئا الى الحب
الى الشوق
في ان لا أراه
ولا أفقد محبتي اليه
لانه احبني واصطفاني
المجهول امامي
النير
من فتح امامي ديامس الرؤئ
وتركني صامتا في الذهول.

فإني لم اطلب سواك مسامرا
وانت لها من كل حب سميرها

ليلا عندما تهجع البشرية، في رحيلها المعتم الى الظلام الدامس،أبقى وحيدا باحثا عنك،اطلب عونك،لأنك الساهر الأمين الناظر البصير،الواهب العطاء،كل حياة تدب في الارض والسماء.
لكنني وجدت طائرا في شجرة، وحيدا في الليل مثلي،فأنست اليه،مثلما أنس التائه الى نار في الصحراء، ولم أكن الا متأملا لجمال خلقك،ولهدوء العالم الساكن في روح طائر الليل الحزين.
فلم احطني بعذابك
ولم هجرتني بعقابك
ولم خلقت في طريقي حقول الجفاف
وتركت دمعي مدرارا يشربه التراب !
اذابوا لها أكبادهم وقلوبهم
معلقة فيها وفيها مصيرها
لكم تمنيت أن ينعدم كلامي فلا اتحدث،ليكون لي شفاء في الحياة وثوابا في الآخرة. لكم تمنيت ان يكون حديثي بالقلب اولا وبالعين ثانيا، ثم اصمت كشجرة امام الحطاب. مثلما منحت يا الهي الطير جمال التغريد في المساء، عندما تعود الحياة الى هجعتها الاولى، وجمال التغريد في الفجر، عندما تنطلق القوافل مع شروق الشمس وضحاها. امنحني يا الهي الصمت، لأنني صامت في محياي وصلاتي، صامت في محبتي وموتي.
ابعدني يا الهي عن النور، حتى لا ارى الا جمالك، ولا ابصر الا وهج ضيائك، دعني في الظلمة التي منها تشرق وتنبع الحياة، تبحث عني وحوش الارض ولا تراني، يبتسم لي الملاك حين يراني، ويأخذني الى رحابك الظامئة اليها المخلوقات، السابحة في رحابها الكائنات، المنتشرة في أرجائها النجوم والأفلاك والاقمار.
وعندما في الصحراء وفي الأودية وفي الجبال، يشرق نورك، تشرق الارض عن مياه قدسية ارتوي منها، ترتوي الكائنات، تهجع الطفولة في الأكواخ البعيدة شبعا وأمنا.

قلوب جلاها الخوف والشوق والرجا
فأشرق في سبع السموات نورها
القلب مشكاة لكنه لا يفنى الا بك، لأنك النور لأنك البهاء لأنك الزرقة المتوارية نار البحر الطافحة بالغياب. متى أضاء المصباح واندلق من الكوكب ماء الرهبة والمحبة، انتشر ضياء العلم في الأكوان، غزت الارض اجيال من الطيور المهاجرة من أطراف الصقيع.
في تلك الليلة كان المطر يشتد، العواصف والرياح تهب قوية تقتلع الأشجار والمنازل، حسبت انها نهاية الارض المنتظرة، هرعت ابحث عن مأوى يقيني الرعد والبرق، ابصرت خيمة بها امرأة طردتني، حتى اتيت غارا به أسد، ربت عليه فابتسم، بقيت بحضنه حتى الشفق، عندما انبلج الفجر ورحلت نجوم السماء الى المنفى، ابصرت ملكا يبتسم قائلا: أرأيت كيف أكرمك الله وأحبك؟ قلت كيف؟ قال: تلك المرأة كانت ابليس، والاسد كان آخر أنبياء الله؟ قلت من، قال: محمد.
رجال شروا لله عقد ضميرهم
ولم يختلبهم للحياة غرورها
رجوه فأعطوه الصفاوة والرضا
ولم يخف من نفس عليه ضميرها
فقال هلموا يا احبابي أنتم
من الخلق عندي قلبها وصرورها

عندما التقت عابدة بابنها، وكانت خائفة أن لا يلتقيا يوم القيامة، قالت:أتحب الموت يا بني؟ قال:نعم. قالت:ولم؟ قال: لأصير الى من هو خير منك؟ قالت:ولكن أهناك خير من أمك يا ضيغم؟ قال:من غذاني في احشائك، وأخرجني من مضيق، ولم أمت ولم تموتي. بكيا معا حتى مات الولد في حضنها، شهقت بعده وسقطت ميتة عليه.
والذين عرفوا الموت ووصفوه في قلوبهم وعقولهم، لا بد انهم أكثر الناس زهدا وتواضعا وترفرفا في الحياة، لأنهم اغتسلوا بماء الجنة وعادوا، هم أكثر الناس زهدا ومحبة وصدقا. عدوا أنفسهم من الموتى وهم أحياء، دخلوا المقابر وتركوا القصور، اقتربوا واقترنوا بكل ما يخلد ويبقى،وتخلوا عن كل ما تأكله النار وتفنى.
من رأى قبره في المنام وبكى، ثم نهض سائرا اليه، يبحث عنه، فوجد بابا تقف أمامه امرأة ابتسمت عندما رأته وقالت:اتبعني… تبعها حتى دلفت إلى بستان من الرمان والعنب والزيتون. قالت:اتبحث عن هذا؟ قال كلا ابحث عن قبري! قالت لكنها الارض التي ستُدفن بها! ابق هنا ورحلت عنه. تبعها، لكنها أغلقت باب البستان عليه، وهناك اقترب منه الملك قائلا: ستبقى هنا بقية عمرك، تنظر الى هذا الثمر ولا تأكل منه، متى أكلت ثمرة منه سقطت ميتا…
بقي جائعا جائعا جائعا، أكل ثمرة من البستان بعد جوع طويل ومات………
لا أعتقد أنني رأيت أصدق منك يا أنس بن معاذ، كان أنس كلما أصبح عليه الصبح، ظن أنه لن يمسي، وعندما يحل عليه المساء، ظن أنه لن يصبح، كان لا يخطو خطوة واحدة، حتى يظن أنها الأخيرة، ولن يخطو بعدها خطوة أخرى.
مرآة الموت كانت أمام عينيه
سحابة تمتلئ ماء عذبا
كانت ظله في النهار
وخيمته في الليل…
نظرت إليك، وكنت اعتقد أنك، بعد ألف وأربعمائة عام من لقيانا نسيتني، وأنك لن تعرف غريبا مثلي، لكنك ابتسمت وأشرت لي بالجلوس قربك، فجلست وحدثتني كيف افترقنا ذات مساء، ولم يكن بيني وبينك غير نهر من الدم، قلت لك لا تعبر يا أنس، ابق معي، أو هلم نعود الأدراج إلى قرانا، لكنك ابتسمت وعبرت، وبقيت أنا في خوفي وهلعي، عشت خمسين عاما بعد مماتك، وكنت خجلا من لقياك مرة أخرى، لكنك حتى عندما لقيتني، بعد ألف عام وأكثر،حضنتني وبكيت،بكينا معا وثانية افترقنا أبديا افترقنا
مقاول مرد لا يبوس نعيمهم
فأوجههم يزهو على الشمس نورها
ورأيت كان أمامي كبش دون لون ما، قيل هذا هو الموت، جاء من يريد ذبحه أمامي، فاعترضت قائلا لا تذبح الكبش حتى لا نصاب بنعمة الخلود، أو قل نقمة الخلود، حيث الخلود نعمة ونقمة في آن. قال لكن الله سبحانه خالقك وخالقي، هو من أرسلني لذبحه، وأنا لا أستطيع لأمره عصيانا. ذبحه أمامي وكان كبشا سمينا غزير الدم ثري اللحم مخيف الهيئة، يحسبه من يراه للوهلة الأولى ثورا أو حمارا وحشيا.
ثم جاء قوم يهرعون مهللين فرحين بموته،قيل هؤلاء هم الخالدون في الجنة، وجاء قوم يبكون ويصرخون قيل هؤلاء هم الخالدون في النار. قلت أوليس هناك من لا يريد الخلود، حتى لو كان من أبناء الجنة، قيل ذلك محال، لقد انتهت رغبة النهاية في الحياة الاولى، والآن لا نهاية في عالم لا نهاية له، ولسوف يبعث الله الموتى من قبورهم، الواحد تلو الآخر، وبعد حسابهم يبدأ العقاب في النار أو النعيم في الجنة. ما هو قادم في حياتك هو الأمر، وليس الأمر ما مضى ورحل، وغدا عندما تشرق الشمس، تكون أقل ضياء وبهجة من اليوم واليوم أقل من البارحة، حتى يأتِ يوم لا شمس لا أقمار لا نجوم تنير الكون، ويكون في تلك الظلمة السحيقة أن تتزلزل الآر ض ويبدأ النشور والوقوف بين يدي الخالق جل وعلا. بل وحتى أولئك الباكين خلودها في النار، ستكون رحمة الله بهم واسعة، وسيعفى عمن جعل توبته طريقا إلى المحبة، وجعل من مكانه مأوى للمشردين، وجعل من جسده حطاما يأوي إليه الطير الراحل الحزين.
عندما كنت أنعم بظلال الشجرة طوبى، ثم جاء طير وحط على غصن منها، أحببت الطير لجماله، الذي لم أر مثله من قبل، دعوته الي فسقط في حضني، أكلت بعضه قديدا وبعضه مشويا، بعدها عاد طائرا كما كان على الغصن وحلق بعيدا، رحلت بعدها أبحث لي عن منزل في الجنة، جاء الطائر إياه، فقادني إلى بيت بها، قلت كلا ليس هذا بيتي، أخذني إلى منزل آخر، قلت له ما قلت للأول، حتى وصلت معه الدار الرابعة، قال لا تسأل إن كانت دارك أم دار غيرك، قلت كلا، أنت أدرى بما اختاره الله لي، وكان المنزل مثل الدنيا وعشرة أمثالها. حلق الطير في سماء الجنة، تركني أحاول البكاء، لكن لا بكاء ولا دمع في الجنة، قلت لكنني امتلئ حنينا لمن أحب واعشق. وذلك الحنين يبكيني. قال الطير قبل أن يحلق:لأنه لا حب لا عشق دون الحنين إلى من تحب، والحنين شجرة أسمها طوبى، فاهرع وابك تحت جذوعها، هناك من غصن بها تظهر لك حورية، هي من احببت، حنّ اليها القلب، وسأل من أجلها الدمع والدم. هرعت سيرًا النهار فالليل فالليل والنهار، لكنني لم أصل اليها، سألت من لاقيت في الدروب عن طوبى، فقيل بينك وبينها ألف عام من الرحيل، وعليك أن تقطع ألف ارض حتى تصل اليها.ادركت عندئذ ما قاله الطائر قبل رحيله،أنا لن أصل الى من أحب أبدا ،والحنين بروحي هو الشجرة طوبى التي تكبر بجسدي ،وتأكل منه رويدا رويدا،وتظل تأكل وتشرب منه حتى أموت ،يموت معي الحنين ،يموت الحب ويفنى.
يشق لهم رمانها عن كواعب
يرد وميض البرق منها جسورها
معقربة الاصداغ كحل جفونها
تردد فيها غنجها وفتورها
كانت امرأة فائقة الجمال، تراقب معروف الكرخي في وضوئه، حتى عندما سقطت من ذقنه قطرات الماء التحمت بها، فجعل الله جمالها ما لا حظيت به امرأة من قبل. وكان بعد ان أنهى صلاته وذهب لفراش نومه، وجدها تنظر اليه معاتبة: أتنام ولَك مثلي؟ ابتسمت ورحلت وألقت عليه نظرة قبل اختفائها، سقط مع ابتسامتها شعاع أنار الأرض وضح الكون في الليل الدامس. ثم انني قال الكرخي هرعت خلفها فلم أجد لها أثرا… سرت تائها في الأرض أربعين عاما أبحث عنها، حتى عندما كنت يوما أنام الظهيرة، تحت ظل شجرة في الصحراء، اقترب ملك الموت مني، ارتجفت قائلا: هل دنت ساعة رحيلي؟ قال: ليس بعد، فقط جئت لأخبرك أن من تبحث عنها توفيت قبل قليل، وأنها لأربعين عاما انتظرتك. بكيت بين قدميه طالبا منه أن يأخذني إليها، ان أراها قبل دفنها. ربت في حنو على راسي قائلا: لا أعرف مكان موتها، أبحث عنها في جنة الخلد فهي عائدة إليها، قلت اطرق سراح روحي الآن لأرحل اليها، ابتسم وقال:عندما يأمرني الله، ثم رحل وتركني وحيدا ابكي.
وطير كمثل اليخت خصر متونها
ومن ذهب أذنابها وصدورها

تقل يا ولي الله كل من اطايبي
فمرعاي منها غصنها ونضيرها
ثم إنه عندما أطلقت الرصاصة على جسده، اصابت القلب وأخطأت الروح، ظلت الروح تدور حول جسده الميت ثلاثة أيام وتبكي، ثم بعد دفنه وقبل أن يأكله دود الارض، تعود اليه وتبكي بكاء مرا، حتى عندما يكون الدود مزق لحمه وفتت عظامه، تعود إليه ثانية وتبكي بكاء طويلا مرا.
بعد ذلك ترحل الروح بعيدا، حتى تصل الجنة وهناك تعود طيرا اخضر، تسكن قنديلا تحت عرش الله، تسرح من الجنة حيث شاءت،ثم ترجع الى قناديلها.

——
العبيرية : من عيون الشعر الروحي العُماني
كتبها: العلامة محمد بن ابراهيم الكندي
مؤلف موسوعة بيان الشرع
من علوم الاسلام، الأصل والفرع.
شرحها تحت عنوان الجنه في وصف الجنة
العلامه الشيخ محمد بن يوسف اطفيش