«ما فعلت يدي» لأحمد المريخي.. القصيدة تقطـر من السكِّين

طارق إمام –

منذ السطر الأول، تقدم المجموعة الشعرية الأحدث لأحمد المريخي «ما فعلت يدي» (الهيئة العامة لقصور الثقافة)، نفسها كنص إحالي، يحظى بتلك العلاقة المتوترة، (كونها علاقة جدل بالضرورة)، بين الواقع الشعري والواقعة قَبل- الشعرية.
إنها خصيصة أخرى تسم قصيدة النثر في انفتاحها على السردي، ليس كأرض مجاورة تستعير خواصها، بل كجزء حي من بنيتها ومن آلياتها لإنتاج خطاب شعري تمثل «هجينيته» نوعاً من تألبه على الثنائيات التي تجعل من النص سلطة متعالية على التجريبي. قصيدة النثر عند المريخي كما يمكن أن نرى في مجموعتيه السابقتين «ضد رغبتي» و«حركات مراهقين» فضلاً عن هذه المجموعة، لا تنفصل عن محفزاتها السردية التي تنهض دائماً في الخلفية، ملوِّحة بـ«الحكاية» الثقيلة الراقدة في القاع. هكذا تحضر «العبارة الشعرية الأولى» في المجموعة، ملتحفةً بالإهداء: «العدالة الكاملة تُفسد الدراما»، وهي عبارة مفتاحية جاءت كتصدير للكاتب نفسه، تنبئ عن «نص درامي» كشكل، بالقوة نفسها التي تنبئ بها عن «عدالة ناقصة» كفضاء دلالي سنتلمس تمظهراته في كافة النصوص.
يتشكل النص من أربع حركات رئيسية تتمثل أكثرَ من طريقة في بناء النص الشعري، فالنصين الأول والأخير «تغريدة» و«هدنة»، يمثلان قصيدتين قصيرتين تنهضان مباشرةً على مشهدية اللحظة حيث يتحقق النص الشعري «الآن» حاذفاً بقسوة المقدمات التي يمكن تلمّسها من الفجوات المتروكة عمداً، وحيث يضيق الحيز بين «الرغبة» و«التحقق» ليتوقف الزمن عند اللحظة المضارعة التي تختصر الماضي والمستقبل معاً في توترها بينهما إذ تقبض عليهما بين استرجاع واستشراف. وبين هاتين القصيدتين قصيدتان أخريان طويلتان، متصلتان بدءاً من عنوانيهما «ساحة حرب» و«ساحة حرب أيضاً». أولاهما موزعة على ثمانية وعشرين مقطع مرقم (ما يشي بمتتالية لا تقطعها العناوين الجانبية)، فيما تمثل القصيدة الثانية أربع قصائد معنونة تصب في الأخير، على استقلاليتها بعناوين، في عنوانها الكبير. بقراءة شمولية، يتحقق الإيقاع الكبير للنص، والذي يمكن أن يمثله تدرجٌ في علاقة الذات بالعالم: علاقة تبدأ بالجار، ثم تغور في استقراء الأشباه من الهامشيين الذين يلتقطهم النص الثاني، قبل أن تتوقف أمام الموجودات، عثوراً على الأنثى كمحطة وصول أخيرة مثلما كانت محطة انطلاق في الإهداء.
«لا تفزع أيها الجار، أنا أحمد/‏ أسكن الشقة التي فوقكم مباشرة/‏ أحمد.. أبو فارس». لنلحظ أولاً أن الذات الشاعرة تقدم نفسها باسم الشاعر، وبكنيته الواقعية. إنه تقريب مؤسِّس أيضاً: فالمسافة هنا بين الذات الشاعرة (كقناع فني) والشاعر (كذات تجريبية) ضاقت حد الانتفاء، كانعكاس لانتفاء المسافة نفسها بين العالم والنص. هنا، نصٌ يقرأ فردانية ذاته في ظل مجموع، لا يدَّعي أنه صوت له كالشاعر الرائي أو النبي، لكنه، بالمقابل، لا يدير ظهره لمقولِهِ مكرساً لقطيعةٍ تصبح في بعض الأحيان ترفاً مجانياً. «الجار»، وما زلت في النص الأول «تغريدة»، (والذي يستعير عنوانه من سلاح آخر هو «السوشيال ميديا» التي تشكل المناخ الافتراضي الاستعاري لأرض الثورة)، هو «الآخر» في حضوره الوجودي، كـ«جحيم»، تستعين الذات على مجاورته بسكين. غير أن الانقلاب «الدرامي» يتحقق في تحولٍ قدري يسم الأبطال التراجيديين (عندما تتدخل يدٌ مُفارِقة لتُعطِّل الفعل باتجاه فعل آخر): «إن السكين الذي في يدي/‏ هو السكين الذي غرسوه بيننا يوم أن سكنا هنا../‏ أنا الآن أنزعه/‏ نعم، لم نكن بحاجةٍ إليه../‏ وقد قامت الثورة». «السكين»، وهو أداة مصنوعة يتحول هنا إلى معطى «طبيعي»، غرسه آخرون (مثلما يحدث مع النبت)، وكأنه صار موجوداً بديهياً متجرداً من سياقه القيمي الذي يحيل مباشرةً للدم.
ثالوث أول تحدده القصيدة الأولى، ستتسع تفاصيله في النصوص اللاحقة: أنا/‏ أنت/‏ الآخرون. بوجود «الآخرين» تنفي الذات عن المخاطب صفة الآخر، لتجعل منه والذات «أنا» موزعةً على ذاتين. أيضاً تقترب هذه القصيدة من لغة «الكلام» حتى يبدو أن فعل التدوين حاول محاكاة خطاب شفاهي في أبسط صيغه الفصيحة، مع الاحتفاظ بمفردات عامية تستحيل إزاحتها.
النقلة التالية تنفتح مباشرةً على أطول نصوص المجموعة وأكثرها احتشاداً بالذوات العابرة. لقد تخلت الذات عن سِكِّينها لتدخل عزلاء في «ساحة حرب»، (أما كان يجب أن تُسقطه من يدها؟)، ساحة تُمثِّل الذوات القادمة ضحاياها: جرحى وقتلى، بأعضاء مبتورة وأجساد شائهة، تجعل القصيدة/‏الجدارية أشبه بجيرنيكا جديدة. هنا ينهض نصٌ كولاجي مؤلف من ثمانيةٍ وعشرين نقلة. إنها الطريقة التي يبرع فيها المريخي، كونها تحظى بخصيصتين مهيمنتين في نصه الشعري: الولع بالتشكيل ما يجعل القصيدة شديدة المشهدية وتحظى بحركية واضحة، حتى أن فعل «النظر» يهيمن، دون وسيط بين الناظر والمنظور فتحل تعبيرات مثل «أنظره»، «ينظرني». الخصيصة الثانية هي الاتكاء على القفزات عبر مونتاج متواتر (وهي خصيصة سردية أيضاً) ما يجعلنا أمام لغة شعرية لاهثة و متخففة إلى أقصى درجة من الإطناب. لا يخاصم نص المريخي اللغة التداولية، بل يتكئ عليها في سيولتها واتصالاتها الواضحة باللغة الشفاهية وبعناصر الثقافة التي أحياناً ما يضطر الشاعر لتعريفها في هامش مثل: الدرباس، الأحراز، الحيب وغيرها، مراهناً على قدرتها على تحقيق الشعري من دون تزيدات زخرفية. وبين الولعين يتحقق نص مشدود لجذر سردي: «حمل بائع التين ثماره ومضى إلى حيث يبيع/‏ لم يشتر الناسُ في ذلك اليوم/‏ عاد بائعُ التين إلى بيته، ومرَّ يومٌ،/‏ الثمرُ غالٍ والمواسمُ غابرة والسوق لا ترحم/‏ صارت الأيامُ أشجار عطب،/‏ كلما نَظَرَها تحسَّر على حديقته،/‏ كيف تركها نهباً لبذرة واحدة». ليس ما يمنع في هذا السياق من اختراق قصائد/‏ ومضات مفاجئة، لا تتجاوز الواحدة منها السطرين: «ليس سوى نجار/‏ كلما صنع باباً خلق جداراً». بالقوة نفسها، تستدعي الذات الشاعرة لنصها كتابة شخصٍ آخر، هو الابن «فارس»، الذي تتحول بعض سطوره لقصيدة يُختتم بها النص، تعيدنا مجدداً، لأفق الثورة: «وداعاً أيها النظام الفاسد/‏ لقد جعلتني ولداً شقياً، ولداً ضائعاً،/‏ أنا الآن أتمكن منك، فوداعاً وداعاً». استعارة يد الطفل هي ما ينجو بهذا المقطع «التصريحي» من فخ الصياح.

في «ساحة حرب أيضاً» تهيمن الموجودات، لتحتل الصدارة، سواء كانت موجودات العالم الطبيعي أو الاصطناعي التي صاغتها الثقافة لتُحوِّلها إلى علامات سيميوطيقية: نعامة، سرب نمل، حذاء، تلفاز ووردة وراديو. كأن هذه القصيدة «الملحقة» بسابقتها كما يدل العنوان، تقيم معها علاقةً مرآوية، لتنهضان متواجهتين مثل «نيجاتيف» و«بوسوتيف» للصورة نفسها: واحدة قبل التحميض وأخرى بعده. عالم الموجودات هو عالم ما قبل التحميض، في الغرفة المظلمة التي تشكل رحماً للصور. في هذه المتتالية يحضر من جديد الأفق الحكائي، متصلاً بأشكالٍ سردية قارة في الذاكرة الجمعية ومنها الأمثولة، حيث اتصال الإنسان بوجوده قبل أن يهزم الإنسانُ وجوده ذاته ليعود عارياً مثلما سقط من الفردوس. بعد ساحتي الحرب هاتين اللتين تلتهمان وحدهما سبعين صفحة من مجموعةٍ شعرية تتألف من أربعٍ وثمانين صفحة، تحل الـ«هدنة» عنوان القصيدة الأخيرة، حيث ينهي ضميرُ المخاطب النص مثلما افتتحه، لكن المخاطب هذه المرة امرأة، والدال المتكرر «لو» يحيلنا للواقع الافتراضي مثلما فعلت التغريدة في المستهل. وكأن هذا النص ينهض بين قوسين كبيرين من الافتراض، حيث يصبح واقع الوجود هو واقع المخيلة، وحيث يمكن للذات الشاعرة أن تجد مكاناً في العالم مستعيضةً بهامشها عن المتن، قبل أن تقتل نفسها بالسكين نفسه الذي أبت أن تقتل به الآخر.