ترامب في مائة يوم.. مؤشرات ودلالات

عبد العزيز محمود –

بعد مائة يوم من تنصيبه الرئيس رقم 45 للولايات المتحدة، فإن العالم تابع الرئيس دونالد ترامب خلال أول مائة يوم له في البيت الأبيض، وهي تحمل دلالة رمزية لأي رئيس أمريكي (منذ عهد فرانكلين روزفلت)، فما الذي تحقق، وما الذي لم يتحقق، وما هي ملامح السياسات الداخلية والخارجية التي سينتهجها خلال المدة التي سيمكثها في البيت الأبيض؟
الرئيس الأمريكي احتفل بالمناسبة يوم السبت الماضي في جيتسبرج بولاية بنسلفانيا، حيث أعلن من هناك وتحديدًا في 23 أكتوبر الماضي خطته للمائة يوم الأولى، وكانت أشبه بتعهدات رئاسية أكد التزامه بتنفيذها قبل نحو أسبوعين من إجراء الانتخابات الأمريكية في 8 نوفمبر الماضي.
وعلى العكس من سلفه باراك أوباما الذي تعهد في بداية حكمه بإذابة الجليد في علاقات واشنطن مع العالم والانسحاب من العراق وتحفيز الاقتصاد الأمريكي، ركز ترامب على بناء جدار على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، مع المكسيك، وتقييد الهجرة، وإلغاء قانون الرعاية الصحية (أوباما كير)، وتكليف هيئة الأركان المشتركة بحماية البنية التحتية الأمريكية من الهجمات الالكترونية، ومعالجة الخلل في الميزان التجاري مع الصين.
أوباما استهل حكمه وهو يحظى بدعم كبير من الشارع الأمريكي، لكن ترامب تولى منصبه في مواجهة مظاهرات نظمها معارضوه داخل وخارج الولايات المتحدة، وقدر عدد المشاركين فيها بنحو 5 ملايين شخص، حسب بعض المصادر على الأقل، منها مسيرة للنساء في واشنطن، وهو ما اضطر أنصاره لتنظيم مسيرات مضادة لتأييده في كل أنحاء أمريكا.
بالتأكيد ترامب ليس أوباما، والظروف بينهما تختلف، وهذا ما كشفت عنه تشكيلة الحكومة التي أعلنها ترامب في 8 فبراير الماضي، وضمت 24 عضوا، ( وهي تعتبر أكبر حكومة أمريكية منذ عهد جورج واشنطن)، وكلهم من الشخصيات ذات المواقف المتشددة والمحافظة فيما يتعلق بقضايا الأمن والهجرة والإرهاب.
وفي بادرة تؤكد الرغبة في الاقتراب من المجتمع الاستخباراتي، قام ترامب بترفيع مدير المخابرات الوطنية ومدير المخابرات المركزية لمستوى أعضاء في الحكومة، التي أعتمدها مجلس الشيوخ في 12 أبريل الماضي، وضمت للدفاع جيمس ماتيس، والداخلية ريان زينك، والخزانة ستيفن منوتشين، والأمن الداخلي جون كيلي، والخارجية ريكس تيلرسون (الرئيس التنفيذي السابق لشركة إكسون موبيل).
كما عين مجموعة من صقور اليمين الأمريكي كمستشارين في البيت الأبيض وعلى رأسهم ستيف بانون كبير المستشارين والمحللين الاستراتيجيين، والجنرال مايكل فلين مستشار الأمن القومي، و راينس بريبوس رئيس موظفي البيت الأبيض، وبيتر نافارو مدير مجلس التجارة الوطنية، وشون سبيسر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، وجاريد كوشنر(زوج ابنته ايفانكا) مستشارًا ثم مسؤولًا عن ملف السلام بين إسرائيل والفلسطينين، إلى جانب ملفات العراق و كندا والصين والمكسيك، ورئاسة مكتب الابتكارات الأمريكية ولجنة مكافحة الإدمان وشؤون قدامى المحاربين.
وبعد 24 يومًا استقال مستشاره للأمن القومي مايكل فلين، عقب الكشف عن اتصالات أجراها مع السفير الروسي في واشنطن، وتم اختيار الجنرال السابق هربرت ماكماستر مستشارًا للأمن القومي، وفي وقت لاحق استبعد بانون من لجنة مديري مجلس الأمن القومي، بحجة عدم امتلاكه خبرات أمنية، وبدا أن دوره يتراجع أمام كوشنر.
ورغم معارضة الحزب الجمهوري أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بإلغاء قانون الرعاية الصحية (أوباما كير) وتقديم نظام بديل يبدأ تطبيقه في عام 2018، لكن المتضررين من القرار بلغوا نحو 18 مليون أمريكي، وسط توقعات بارتفاع العدد إلى 32 مليونًا بحلول عام 2026، وهو ما دفع الكونجرس لرفض المشروع.
كما أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا ببناء جدار حدودي مع المكسيك، على أن يتم تمويله من خلال رفع التعريفة الجمركية علي الواردات المكسيكية بنسبة 20%، وفرض ضرائب على الأسر الأمريكية والشركات الصغيرة، وهو ما ما أثار احتجاجات داخلية وأزمة مع المكسيك، وهكذا تأجلت قضية تمويل بناء الجدار حتى سبتمبر المقبل.
وفي تطور لاحق أصدر الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا بتقييد دخول مواطني سبعة بلدان ذات أغلبية مسلمة (العراق وإيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن) إلى الأراضي الأمريكية لمدة 90 يومًا بشكل مؤقت، وخلال شهرين تم ترحيل 604 آلاف شخص من الولايات المتحدة.
القرار اعتبرته دوائر قضائية امريكية تمييزًا على أساس الجنسية، وأصدر القاضي الفيدرالي جيمس روبارت حكما بوقف تنفيذه، لكن الرئيس الأمريكي أصدر قرارًا جديدًا استثنى منه مواطني العراق، وأصدر قاض في هاواي حكمًا بإلغائه، مما دفع البيت الأبيض لرفع الأمر إلى محكمة الاستئناف.
خلال المائة يوم الأولى تبنى ترامب شعار (أمريكا أولًا)، مما صبغ السياسة الخارجية الأمريكية بالميل إلى الانعزال، وأعطيت الأولوية لدعم قدرات وزارة الدفاع، التي زيدت مخصصاتها في موازنة عام 2018 إلى 639 مليار دولار، وفي المقابل تم تخفيض ميزانية وزارة الخارجية.
وبدا واضحًا أن الرئيس الأمريكي يعطي للجيش دورًا مهمًا على صعيد دعم السياسة الخارجية ومكافحة الإرهاب، ففي 29 يناير الماضي أذن بأول عملية عسكرية في عهده، للإغارة بقوات الكوماندوز على موقع للقاعدة باليمن، ثم أمر بتوجيه ضربة صاروخية ضد قاعدة الشعيرات الجوية السورية، ردا على هجوم بالأسلحة الكيميائية استهدف بلدة خان شيخون، وأمر حاملة الطائرات كارل فينسون للتوجه إلي شرق آسيا، لإجبار كوريا الشمالية علي وقف تجارب صاروخية، ووسط تهدديات متبادلة بين واشنطن وبيونج يانج، كما أمر في أبريل الماضي بإسقاط «أم القنابل» على مواقع وأنفاق تابعة لداعش في أفغانستان.
وفي تطور لافت للنظر أكد ترامب أنه يمكن أن يغير مواقفه، تبعا للتغيرات التي تطرأ على الساحة السياسية، وهكذا أكد التزام أمريكا بحلف الناتو الذي يمثل أداة مهمة في الحرب على الإرهاب، وذلك بعد تصريحات وصف فيها الحزب بأنه قد «عفا عليه الزمن».
وقبيل اجتماعه بالرئيس الصيني شي جين بينج في فلوريدا تراجع ترامب عن اتهامه للصين بالتلاعب في العملة، مؤكدًا التزامه بمبدأ الصين الواحدة، وكان الهدف ترطيب الأجواء بهدف حل الخلافات الثنائية حول تايوان وبحر الصين الجنوبي والبرنامج النووي الكوري الشمالي، لكن القمة الأمريكية الصينية لم تحقق إلا نجاحا رمزيا، بسبب استمرار الخلافات حول عدد من القضايا على رأسها الخلل في الميزان التجاري.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي رحب ترامب بخروج بريطانيا من الاتحاد، الذي وصفه في تصريحات صحفية بأنه كان «خطأ كارثيا»، مما دفع المجلس الأوروبي للرد بأن هذه التصريحات تتعارض مع سياسة خارجية أمريكية دامت 70 عامًا مع أوروبا.
العلاقات الأمريكية البريطانية تحتل أولوية، هذا ما كشف عنه لقاء ترامب مع تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية في مستهل حكمه في البيت الأبيض، ماي وجهت له الدعوة لزيارة لندن، ومن المتوقع أن يزورها في يوليو المقبل بالتزامن مع مشاركته في قمة مجموعة العشرين بهامبورج.
من ناحية أخرى تشهد العلاقات الأمريكية الروسية حالة من التوتر، فالرئيس الأمريكي تلقى أول مكالمة هاتفية من الرئيس بوتين في 9 فبراير الماضي، تضمنت اقتراحًا روسيا بتمديد معاهدة ستارت الجديدة للحد من الأسلحة النووية، لكن المعاهدة يعتبرها ترامب (صفقة سيئة) أبرمها أوباما في عام 2010 مع روسيا.
وعقب نشر موسكو لنوع جديد من الصواريخ متوسطة المدي، اعتبرتها واشنطن انتهاكا لمعاهدة الحد من الأسلحة، أعلن جيمس ماتيس وزير الدفاع أن بلاده غير مستعدة حاليًا للتعاون مع روسيا في المسائل العسكرية بما في ذلك العمليات ضد داعش في سوريا والعراق، واتهمت وسائل الإعلام الروسية واشنطن بإشعال سباق جديد للتسلح.
وفيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل كشفت زيارة بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل للبيت الأبيض في فبراير الماضي توافقا في وجهات النظر، واشنطن من جانبها تراجعت عن حل الدولتين كخطوة ضرورية لتحقيق السلام، لكن ترامب أبدى تحفظات على سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة (منذ عام 1967)، وكان التباين الأبرز بشأن داعش، الذي يعتبره ترامب العدو الأول لأمريكا، بينما يرى نتانياهو أنه يحارب إيران -خصم إسرائيل- في سوريا والعراق.
وكان أخطر ما شهدته المائة يوم الأولى لترامب تحقيقات حول تدخلات روسية مزعومة في الانتخابات الرئاسية، حيث تجرى حاليا ثلاث تحقيقات منفصلة يقوم بها مكتب التحقيقات الفيدرالي ولجنة المخابرات في مجلس الشيوخ ولجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وأعلن جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية أن التحقيقات تشمل البحث عن صلات محتملة بين مسؤولين في حملة ترامب الانتخابية وروسيا.
كما عقدت لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي جلسات مغلقة حضرها مدير المخابرات المركزية السابق جون برينان ومدير المخابرات الوطنية السابق جيمس كلابر ومدير وكالة الأمن القومي مايكل روجرز، دون الإعلان حتى الآن عن نتائج باستثناء ما سمح بنشره حول قضية مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق.
من جهة أخرى اتسمت علاقة الرئيس الأمريكي مع الإعلام بالتوتر، واتهم ساين سبيسر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض وسائل الإعلام بعدم الحياد خلال تغطيتها لحفل تنصيب ترامب، وتم منع صحفيين من نيويورك تايمز، وسي ان ان، و بوليتيكو، و بلومبيرج نيوز، ولوس انجلوس تايمز، من دخول البيت الأبيض، وهو إجراء رفضته وكالة الاتصالات لكن البيت الأبيض اتهم الإعلام بنشر تغطيات غير عادلة.
وخلال المائة يوم الأولى وتحديدًا حتى منتصف أبريل الماضي قدم ترامب للكونجرس 21 تشريعا، كان أهمها لخفض الضرائب على الشركات بنسبة 15%، وتعديل قانون التحصيلات الجمركية، وإلغاء تشريعات صدرت في آخر 60 يوما من ولاية أوباما، كما أصدر أوامر تنفيذية بوقف التمويل الاتحادي لمنظمات الإجهاض، والانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وحدد 28 أبريل الماضي موعدا نهائيا لوضع الميزانية الاتحادية لعام 2018 حتى لا يتعرض نشاط الحكومة الفيدرالية للشلل كما حدث خلال إدارتي كلينتون وأوباما.
حصاد المائة يوم الأولى يعطي مؤشرات ودلالات، وحسب استطلاعات الرأي فقد نجح ترامب في الاحتفاظ بقاعدة مؤيديه، لكنه لم ينجح في توسيع هذه القاعدة، ويرى 53% من الأمريكيين أنه قائد قوي، حقق نجاحات ملموسة، لكن مائة يوم لا تكفي للحكم عليه، وكما قال سلفه أوباما، فإن مائة يوم قد تكون مهمة، لكن يلزم آلاف الأيام حتى يحدث فارق، وهكذا فإن ترامب يلزمه مزيدا من الوقت حتى تتحدد تماما سياساته الخارجية والداخلية.

جريدة عمان

مجانى
عرض