أمواج: ماذا عن شعبان ؟

فوزي بن يونس بن حديد –
abuadam-ajim4135@hotmail.com –

وردت إلي كما وردت إليكم رسائل كثيرة مهنئة بحلول شهر شعبان، وأكاد أجزم أن أغلبها لصقٌ وتركيبٌ، دون قراءة أو تدبر لمعانٍ شملتها الكلمات، فهل نحن واعون بما نقول أم هي فزاعات تتشدق بها الأفواه، وتتناقلها الأصابع بالضغط على الأزرار، وتعوّد العالم الإسلامي بها، يرددها في كل المناسبات دون إحساس بما يجري هنا وهناك، أو ما تخفيه العبارات والسطور من معان جليلة لا بد أن يقف عندها كل مسلم لتتجلى رؤية الإسلام الصادقة عبر هذه الأنوار الساطعة.
ففي كل شهر مناسبة ومناسبة هذا الشهر الذي نحن فيه الآن، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثير الصيام في شعبان لقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان» وقد ورد الحديث في كتب السنة بيانا أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يصوم من شعبان الكثير وهو الشهر الذي يليه شهر الصيام، فمن منّا يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ويصوم أغلب أيام شعبان؟
ولعل صيام الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأيام قبل رمضان تعليمٌ لنا جميعا أن ندرّب النفس على هذه العبادة الربانية والبدنية، ونؤدب أنفسنا استعدادا لشهر الصيام، حتى إذا بدأ رمضان كانت الأمور عادية ولا يجد المسلم مشقة في صيامه والقيام بأركانه، بل يجد في نفسه إقبالا كبيرا وشغفا بما عند الله من خير عظيم وثواب كبير، ومن فوائد الصوم أنه يعلّم المسلم الصبر عن الشهوات والصبر على الطاعة، فالصبر بنوعيه ليس سهلا كما يظن العبد، لأنه يتطلب منه أن يكون مستعدا لجملة من الشروط والأحكام تُلزمه أن يلجم شهواته ويبحر في ملكوت السماوات والأرض.
ومع هذه النفحات الإيمانية التي تدرّ عليه في هذا الشهر يبقى الحدث الأبرز تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة، حيث كان المسلمون في بداية عهدهم يتجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم، وبعدها أمرهم المولى عز وجل بالاتجاه إلى بيت الله الحرام، الكعبة المشرفة، حتى لا يتمادى اليهود في التعبير عن تبعيّة المسلمين لهم وهم يتجهون إلى بيت المقدس، وحتى يستقل المسلمون بقبلتهم ووجهتهم، ولكن في الحقيقة كما قال المولى عز وجل « فأينما تولوا فثم وجه الله» ولكن تحديد القبلة جعل المسلمين في كل العالم يتجهون إلى مكان واحد وهو الكعبة المشرفة.
ومن العيب فعلا أن نهتم هذه الأيام بغير هذه المناسبات الكبرى المهمة التي تشحذ المسلم وتجعله قريبا من المولى، ومن الغريب أيضا أن ينسى المسلمون هذه المناسبات العظيمة ويقفوا عندها تأمّلا وتبصّرا ومحاولةً لإيجاد الحلول المناسبة للخروج من الوضع المتوتر الذي يشهده القدس الشريف. ومما يؤسف له حقا أن يضيّع شبابنا أوقاتهم هذه الأيام في الحديث عن الكلاسيكو بين ريال مدريد وبرشلونة وأن يظلوا صامدين خاشعين أمام جهاز التلفزيون لمدة لا تقل عن ساعتين ويدفعون لذلك مبالغ، ويسهرون الليالي من أجل لا فائدة مادية ولا معنوية، بل قد يجازفون بفوات صلاة الفجر والالتزام بالدوام في موعده بحجة أنهم سهروا على مباراة كانت تشغلهم ولم يريدوا أن تفوتهم، ولمّا تسألهم ماذا وقع في شهر شعبان من أحداث أبكتوك بجوابهم: لسنا في عصر الظلمات إنما اليوم في عصر التقدم والتحضر وصناعة الصواريخ والطائرات وأنتم تحدثوننا عن النجاسة والطهارات.