لماذا الجماهير .. وليس النخبة؟!

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ينظر إلى مفهوم الـ«جمهور» أو الـ«جماهير» على أنه إحدى الأدوات المهمة التي يمكن القياس عليها للنجاح أو الفشل فيما يخص التعبئة لأمر ما على مستوى الوطن على وجه الخصوص، وهذا القياس لم يأت من فراغ، فـالـ«جمهور» له ثقله وتأثيره التي لا ينكرها عاقل، ولنا في قصة النبي شعيب عليه السلام، مبلغ الأثر.
كما جاء في قوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)، ولذلك تظل هناك دائما حسابات موضوعة لما تشكله ردة فعل «الرهط» أو الـ«جمهور» تجاه أمر ما، ومن لا يضع اعتبارًا لهذا الثقل في جميع محطات الحياة عليه أن يعيد ترتيبات حساباته، لأنها حسابات قد تفتقد إلى بعد النظر، وتفتقد إلى الخبرة والرؤية الموضوعية تجاه الأشياء، ولذلك نرى في تجارب كثير من الدول أنه عند العزم على اتخاذ قرارات مصيرية سواء في مجالات التنمية المختلفة، أو في جوانب العلاقات الدولية يؤتى بهذا الجمهور العريض إلى ساحة اتخاذ الرأي الأصوب، وهو الرأي الذي يطرحه الجمهور، ليس إلا، وعلى أساسه يتخذ القرار النهائي، وذلك من خلال طرح الاستفتاءات، والاستبانات، بالإضافة طبعا إلى ما تم التوصل إليه من رأي من بين الغرف البرلمانية الممثلة لهذا القطاع الكبير من الـ«جماهير» حيث تشكل البرلمانات أو المجالس النيابية، كما هو معروف، عينة انتقاها هذا الجمهور العريض بكامل إرادته الحرة، وبالتالي عندما يصدر هذه الرأي أو ذاك من هذين المصدرين (الجمهور والبرلمان) يكون اتخاذه عين الصواب، لأن الجميع هنا يتحمل خطأ التطبيق، وليس ولي الأمر فقط.
وما ينطبق على القرارات المصيرية، ينطبق في الوقت نفسه على أي قرار كبرت أهميته أو صغرت في شأن حضور الـ«جمهور» وأهميته مباركته في السير قدما نحو تطبيقه أو عدم تطبيقه، وذلك بهدف الحصول على التضامن الاجتماعي، عندها يكون المجتمع بكل أطيافه هو الضامن، وليس المسؤول في موقعه، والأوطان كما هو معروف تشكلها الـ«جماهير» العريضة، وتحدد مصائرها الـ«جماهير» الكبيرة، وتعلي سقف هامتها الـ«جماهير» القوية، وكما هو ثابت من خلال تجارب الحياة الطويلة أن هذه الـ«جماهير» لا تجتمع على ضلالة أبدا، بعكس الرأي الفردي الذي قد يخالطه النزوع إلى السيطرة، وربما استحضار المصلحة الذاتية في الإتيان بعمل ما أحيانا، وهذا ليس مستغربا في ظل المناخات النفسية التي تحيط بالفرد كفرد على حدة، وقليلون هم القادرون على الترفع عن الولوج في مظان هذه المناخات، عند ممارستهم عملا له علاقة بالـ«جماهير».
يأتي استحضار ثيمة الـ«جماهير» دائما في أي عمل يبدأ التفكير فيه، فقبل الشروع في عمل مهرجان ما، لا بد أن تكون صورة الـ«جماهير» حاضرة، وتأتي تلبية رغباتها في مقدمة أجندة برامج هذا المهرجان أو ذاك، وعند العزم على إقامة معرض، أو محاضرة، أو ندوة، أو برامج توعوية، أو توزيع استبانات الرسائل العلمية، أو وضع خطة لبرامج توعوية، أو معرفة صلاحية منتج ما، أو رضا المواطن عن أداء مؤسسة ما، كل هذه، وغيرها تستدعي أن تكون الـ«جماهير» موجودة في كل هذه الأمور، لأن قياس النجاح أو الفشل لن يستطيع أحد تقييمه إلا من خلال هذه الـ«جماهير» المتوزعة على امتداد البقعة الجغرافية في الوطن الواحد، والمتنوعة فكرا وثقافة، فتعدد الآراء والأفكار، واختلاف التجارب الناتجة عن الأعمار المختلفة، وعن البيئات، وعن متطلبات كل زاوية جغرافية من زوايا الوطن الكبير هي المعززات التي يعتمد عليها هذا الجمهور في اتخاذ الرأي واستصوابه، ولذلك تفرض الـ«جماهير» استحقاقاتها بقوة الجماعة، وقوة رأيها، وصلابة مواقفها، وشمولية آرائها، وصدق تضامنها، ونصاعة رؤيتها، وصدق محبتها، فالـ«جماهير» أصدق الصادقين في التعبير عن محبتها لأوطانها، ولذلك يسعى القائمون على العملية الانتخابية، كأحد أوجه الاعتماد على الجماهير – على سبيل المثال – سواء أولئك الذين يترشحون لعضوية المجالس النيابية، أو مجالس إدارات الأندية، أو مجالس إدارات الشركات الكبيرة، استجداء مؤازرة الجماهير لهم، ويبذلون في ذلك الكثير من الجهد والمال، فالـ«جماهير» في جانب آخر تمارس رأيا «ممتنعا» وليس يسيرا على أي أحد أن يجرها إلى زاويته الخاصة، وبالتالي من يحظى برأي الـ«جماهير» يكون قد كسب رهان الاستحقاق لأمر ما من أمور العامة، وقطع تذكرة صعود إلى قمرة القيادة في الأمر ذاته، بل أكثر من ذلك حيث يحظى بتأييد قطاع عريض وكبير من الـ«جماهير» وهو إذ ينطلق، ينطلق من مركز ثابت، ومن خطوة واثقة، وكما قيل: «واثق الخطوة يمشي ملكا» هذه درجة كبيرة من درجات السلم الاجتماعي، ومن يصلها يستحق أن تخفض له الهامة، لأنه معزز بقوة رأي الجمهور، والجمهور يظل هو المحق فيمن يختاره ليمثله، وليتحدث باسمه، وليعبر بكلمته، وهذه قمة الـ«شورى» التي دعت إليها التجارب الإنسانية منذ الأزل والى الأبد.
تصوب في كثير من الأحيان أصابع الاتهام نحو الممارسة الوطنية الفردية، وتنعت بالنقص، والسبب في ذلك أن هذه الصورة تقيم على أن هذه الممارسة يتموضع شعورها داخل فردية نفس لا يعلم ما ترسمه وما تخبئه من مظان نفسية كثيرة، والفرد الواحد مهما علا شعوره الوطني ليس من اليسير تنقيته إلا إذا انضم إلى جمهوره العريض، وكما هو الحكم والقناعة أن الجماعة (الإنسانية) «لا تجتمع على ضلالة» ولذا تمثل الـ«جماهير» أكبر محضن لخلق شعور الوطني وتعهده بالرعاية والعناية، ومتى تربى هذا الشعور الوطني بين الجمهور العريض سعدت البلاد، ونمت، وترعرع زرعها، وآت أكله يوم حصاده، وحصاده ممتد طوال العام بلا منازع، والسؤال الذي يطرح هنا، وهل من يسير إيجاد جمهور معزز بالوطنية الحاضرة الناجزة في أي لحظة وعلى امتداد الوطن الواحد؟ أقول نعم، شريطة أن تستحضر حالة الجمهور في كل صغيرة وكبيرة من مفاصل التنمية في الوطن الواحد، وهذا الأمر ليس صعبا أبدا، خاصة اليوم في ظل ثورة الاتصالات المتعددة الوسائل والخدمات، والدليل على ذلك أن ما نشاهده، ونسمعه، ونقرأه من ردات الفعل المؤيدة أو المستنكرة بقوة الرفض «أحيانا» التي تأتي من الـ«جماهير» تجاه مختلف القضايا الوطنية صغيرها وكبيرها، يقينا لم تأت من فراغ، وإنما تعكس هذا الهم الخفي في صدور هذه الـ«جماهير» على اتساع رقعتها، وهذا الهم الخفي نقرأه اليوم أكثر ما نقرأه في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الوسائل التي يمكن القياس عليها في حقيقة الرأي الصادر من هذه الـ«جماهير» التي أقل ما توصف بأنها «رائعة».
تقع بعض ممارسات وأفعال هذه الـ«جماهير» تحت مفهوم تصرف (عقليات القطيع) وهذا أمر وارد في ظل الرأي الممتد ما بين قاعدة الهرم وقمته، وهذه تقع تحت تصنيف أمور كثيرة، منها الخبرة في الحياة، العمر المنجز، ومساحة الوعي المتحصل، والمعززات الفردية من التعقل والحكمة والنظرة الموضوعية للحياة، ومع ذلك تظل مثل هذه الممارسات استثنائية، وفي مناسبات قليلة، كـ«جماهير» الألعاب الرياضية، حيث تستفز مجموعة الانفعالات المتصاعدة من الحماس المتبادل بين مجموعة اللاعبين والجماهير الحاضرة، فتؤدي إلى القيام بتصرفات غير عقلانية، وتكون – في بعض الأحيان – نتائجها كارثية، وهذا ما يؤسف له حقا، هذا جزء معاب من تصرفات فئة من هذه الـ«جماهير» التي نناقشها هنا، ولكن يحتكم دائما على الصورة الغالبة في رأي هذه الـ«جماهير» وهي الصورة التي لا جدال على تحييدها في الرأي الوطني، وفي طرح الثقة عن تحميل الوطن تداعيات تصرفات أولئك الذين لا يعطون الوطن إلا بمقابل، وذلك حسب مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة، فالأوطان لا تخضع، ولا يجب أن تخضع في التعامل معها وفق مفهوم الربح والخسارة، وإلا لتأثرت بكل صاحب مصلحة. والأوطان، هاماتها ينبغي أن تظل دائما مرفوعة، وقوائهما منتصبة، وعلى الـ«جماهير» من أبنائها أن تبذل الغالي والنفيس لأن تظل كذلك، وهذا هو الرهان القائم لسلامة الأوطان وعزتها، ونصاعة صورتها إلى أبد الآبدين.