إسـرائـيـل وتصعـيـد متعمـد للخـلافات مـع ألـمـانيا.. لـمـاذا الآن ؟

سمير عواد –

من روابي منطقة «الزعيم» الفلسطينية المطلة على مدينة «القدس»، راح زيجمار جابرييل، وزير الخارجية الألماني، يستمع إلى شرح مسؤولة في منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسليم»، حول الممارسات التعسفية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد سكان المنطقة، التي سمح ببناء مستوطنة متاخمة لها هي «معالي أدوميم» والتي قامت إسرائيل بسببها ببناء سور بحجة الأمن قطع الطريق على سكان «الزعيم» الفلسطينية للعبور إلى القدس الشرقية التي يريد الفلسطينيون أن تكون عاصمة لدولتهم المستقلة.
لكن ليس هناك ما يؤشر على أن إسرائيل تفكر بالسماح للفلسطينيين كي يؤسسوا دولتهم المستقلة. وشاهد جابرييل بأم عينه، كيف تعمل إسرائيل في عرقلة الحلم الفلسطيني بتوسيع المستوطنات وبناء الوحدات السكنية ووضع العراقيل أمام الفلسطينيين لكي لا يتمكنوا من شق شوارع للعبور إلى المناطق الفلسطينية المجاورة.
حتى هذه اللحظة لم يكن وزير الخارجية الألماني، يعرف أن اليوم التالي من زيارته لإسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، سوف يشهد موقفا دبلوماسيا غير ودي حيال وزير خارجية ألمانيا، بطله رئيس الوزراء الإسرائيلي المثير للجدل، بنيامين نتانياهو نفسه، وهو ما تمثل في تصعيد رئيس الوزراء الإسرائيلي للخلافات مع ألمانيا، وبشكل متعمد، انطوى على إحراج لوزير الخارجية الألماني خلال زيارته لإسرائيل. ولم يخفف من ذلك بيان مكتب نتانياهو بأن إسرائيل حريصة على العلاقات مع ألمانيا، وهي مناورة مكشوفة أراد نتانياهو من خلالها تسجيل موقف سيستخدمه على الأرجح فيما بعد في حالات مقابلة زائرين غربيين أو غيرهم لمنظمات تنتقد السلوك الإسرائيلي حيال الفلسطينيين، وبالتالي فإن الأمر يتعدى الضيف الألماني .
وكان نتانياهو قد سرب إلى صحف إسرائيلية تهديدا لجابرييل، حذره من الاجتماع مع منظمات المجتمع المدني، عربية وإسرائيلية ناقدة لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن نتانياهو سوف يلغي اجتماعه مع جابرييل، الذي يشغل منصب نائب المستشارة الألمانية إلى جانب كونه وزيرا للخارجية. غير أن جابرييل، الذي يعرف نتانياهو جيدا، ظل يأمل أن يكون ذلك مجرد إشاعة ولن يصبح حقيقة، لاسيما وأن ألمانيا تأتي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، كأهم داعم سياسي ومادي وعسكري لإسرائيل. علاوة على أن جابرييل، الرئيس السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، من أصدقاء إسرائيل الحميمين.
وكانت وزارة الخارجية الألمانية قد تنبأت بحدوث مشكلة بسبب الزيارة، ومن علامات ذلك، تصريح السفير الإسرائيلي لدى برلين، أن إسرائيل ترفض أي وساطة بينها وبين الفلسطينيين. وعندما اطلع الجانب الألماني على برنامج عمل نتانياهو يوم الثلاثاء الماضي، الموعد المقرر للاجتماع مع جابرييل، تبين لهم أن مكتب نتانياهو لم يُدرج الموعد أبدا ضمن جدول الأعمال .
وكما كان متوقعا من جابرييل، الذي يشغل منصبه منذ نهاية يناير الماضي، ويتمتع بشعبية وقبول من قبل الرأي العام الألماني، فقد أبى على نفسه الاستسلام للإنذار الذي وجهه نتانياهو، ورفض الانصياع لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بإلغاء اجتماعه مع ممثلي المجتمع المدني، الناقدين لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. بل رد على نتانياهو بالقول «لن تحتج الحكومة الألمانية لو جاء نتانياهو إلى ألمانيا واجتمع مع منتقدي السياسة الألمانية». وأضاف «من عادة السياسيين الألمان عقد لقاءات مع ممثلي المجتمع المدني خلال زياراتهم للخارج».
وتجدر الإشارة إلى أنه من ضمن المنظمات التي اجتمع جابرييل مع ممثلين عنها، منظمة «كسر الصمت» التي توثق شهادات جنود إسرائيليين حول استخدام العنف ضد الفلسطينيين خلال تأديتهم الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية. ومنظمة «بتسليم» الحقوقية التي توثق منذ سنوات طويلة ممارسات إسرائيل التعسفية ضد الفلسطينيين. وذكر نتانياهو اسم هاتين المنظمتين بالذات عندما حذر وزير الخارجية الألماني من الاجتماع معهم.
وراحت النخبة السياسية في برلين تنتظر الساعات التالية لمعرفة ما إذا سينفذ نتانياهو تهديده، وهو ما حصل بالفعل، بل دافع عن إلغائه استقبال جابرييل بحجة أن المسؤول الألماني كان يتحدث إلى منظمات تعتبر جنود إسرائيل مجرمي حرب.
وبينما أعرب جابرييل عن أسفه لقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت السفارة الألمانية في تل أبيب قد أرسلت تقريرا عاجلا إلى برلين، شرحت فيه ظروف إلغاء نتانياهو للمقابلة مع جابرييل، بينما حاول جابرييل التقليل من أهميتها رافضا أن يتحول إلى «كرة» يتقاذفها السياسيون في إسرائيل، وقال إنه لا يعتبر الموقف عبارة عن «كارثة، ففي القريب سوف نلتقي معا» المقصود نتانياهو. وتجدر الإشارة إلى أن المواجهة القادمة بين المسؤولين الإسرائيليين والألمان، سوف تتم في مايو المقبل، عندما يقوم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بزيارة رسمية إلى إسرائيل.
ويتفق المراقبون في برلين على أن الواقعة تزيد من توتر العلاقات بين برلين وتل أبيب. فقد انتقد الألمان بشدة القرار الإسرائيلي بشرعنة الاستيطان، مما جعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تؤجل موعد المشاورات الحكومية بين البلدين التي كانت مقررة في مايو القادم في القدس، وزعمت برلين أن السبب انشغال الحكومة الألمانية بالتحضير لقمة مجموعة العشرين في يوليو المقبل بمدينة هامبورج، لكن بعض المراقبين في العاصمة الألمانية قالوا إن ميركل أرادت أن تعبر عن غضبها تجاه سياسة الاستيطان الإسرائيلية . في نفس الوقت، لم تترك برلين فرصة إلا وأكدت على تمسكها بحل الدولتين، معتبرة إياه الحل الوحيد لتسوية النزاع الفلسطيني/‏‏‏ الإسرائيلي.
وقد انتقدت كافة الأحزاب الممثلة في البرلمان الألماني «بوندستاج» موقف نتانياهو، وأعلنت تأييدها المطلق لوزير الخارجية الألماني.
وبحسب «ماجد ستّار» المحرر الدبلوماسي في صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه» الذي رافق جابرييل في جولته إلى الأردن وإسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، يعكس الخلاف الذي فجره نتانياهو حول لقاء جابرييل مع ممثلي منظمات المجتمع المدني الناقدة لسياسات إسرائيل، مجرد تعبير عن المستوى المتدني الذي وصلت إليه العلاقات بين برلين وتل أبيب في الفترة الأخيرة. وترى ألمانيا والاتحاد الأوروبي القرار الإسرائيلي بشرعنة الاستيطان، علامة على أن نتانياهو لا يريد تسوية النزاع مع الفلسطينيين.