تجارة الطاقة تتحول إلى سوق مُشترِين

نك بتلر / الفاينانشال تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –

يحدث الآن تحول جذري للقوى في سوق الطاقة العالمية. وهو لا يتعلق بالانتقال من مصادر الوقود الأحفوري إلى المصادر الأقل إطلاقا للكربون أو من خيارات مرتفعة الكلفة مثل الطاقة النووية إلى أخرى أقل كلفة مثل الغاز والموارد المتجددة. إنه تحول من سوق يقودها المنتجون إلى سوق مشترين حيث يتولى المستهلكون تحديد الأسعار (التي يشترون بها) واختيار الشركاء التجاريين (الذين يتعاملون معهم). وآخر مثال لهذا التحول هو تشكيل مجموعة مشترين يقودها 3 مستوردين آسيويين للغاز الطبيعي المسال. ففي نهاية مارس الماضي، وقعت 3 من أكبر الشركات المستوردة للغاز المسال هي كوغاز الكورية وجيرا اليابانية وسينووك الصينية مذكرة تفاهم اتفقت بموجبها على التعاون في الحصول على إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وبقدر ما أن هذا الاتفاق يشكل رمزًا لشراكة بين بلدان ليست دائما على علاقة تحالفية وثيقة ومجموعة من الشركات كانت حتى عهد قريب جدا تتنافس على الإمدادات فهو أيضا مؤشر على توازن جديد في السوق العالمية للغاز وقطاع الطاقة عموما. فالمشترون في موقف قوي. كما من المقرر أن تبدأ مجموعة كاملة من مشروعات الغاز الطبيعي المسال الإنتاج خلال العامين القادمين. وهي مشروعات بدأ تنفيذها قبل بداية هبوط الأسعار الحالي منذ 3 أعوام.
ويذكر آخر تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للغاز أن 28 مصنعا جديدا قيد الإنشاء من روسيا إلى أستراليا. بعض هذه المصانع ضخم مثل مصنع «كوف بوينت» في الولايات المتحدة ومنشأة «يامال» في روسيا فالسعة الإنتاجية لكل منهما تزيد عن 5 ملايين طن في العام. والمشكلة هي أن الطلب على الغاز، كما هي الحال بالنسبة لموارد الطاقة الأخرى، أقل من العرض. حقا يشهد الاستهلاك ارتفاعا. فالانبعاثات المنخفضة نسبيا من الغاز (مقارنة بالفحم) وسهولة استخدامه مقارنة بالطاقة النووية وانخفاض أسعاره تجعل منه الوقود المفضل في العديد من البلدان. ولكن الاستهلاك ينمو ببطء أشد من الإمدادات. فأرقام الاتحاد الدولي للغاز تظهر أن الغاز الطبيعي المسال المتداول في عام 2016 ارتفع إلى 258 مليون طن بزيادة 5% في العام. ولكن السعة العالمية لتسييل الغاز زادت إلى 339 مليون طن مما أوجد فائضا ساهم في خفض الأسعار. توجد تخمة في الغاز ستتفاقم مع بدء تشغيل المشروعات الجديدة.
لقد تم تأجيل بعض المشروعات المستقبلية بما في ذلك العديد منها في أستراليا. وتواجه المناطق التي تحققت فيها اكتشافات حديثة كما في شرق إفريقيا صعوبة في تأمين موافقة الشركات المعنية على تطوير الموارد التي تم تحديدها هناك. فمصر مثلا تحتفل بسلسلة من الاكتشافات ولكن من غير الواضح متى ستكون هنالك حاجة إليها. وينعكس الفائض في أسعار السوق. ففي آسيا انخفض سعر الواردات من حوالي 20 دولارا لكل «مليون وحدة حرارية بريطانية» في عام 2013 إلى أقل من 6 دولارات في اليوم. وسيشكل الارتفاع الجديد في إنتاج الغاز الصخري الأمريكي، الذي سيأتي بالمزيد من «الغاز المصاحب للنفط» للسوق، إضافةً جديدةً لهذا التشبع. كما لم تتخل روسيا عن الأمل في بيع المزيد من الغاز لأوروبا عبر خط أنابيب «نورد ستريم 2». وأوجد كل هذا سوقا الغلبةُ فيه للمشترين. وبما أن الغاز لم يعد يُحرَق كناتج ثانوي غير مفيد للنفط في معظم أجزاء العالم كما لا يمكن التخلي عن مشروعات الغاز الطبيعي المسال التي اجتذبت سلفا استثمارات رأسمالية ضخمة، سيلجأ المنتجون إلى عقود بيع آجل لفترات طويلة وفق شروط مفيدة جدا للمستهلكين. لذلك الفرصة متاحة لتكتل المشترين في آسيا كي يحقق مكاسب تجارية كبيرة. فالبائعون ليسوا في وضع يمكنهم من مقاومة العقود والصفقات المرنة التي تمنح المشترين حق إعادة بيع الغاز. ولن تكون قوة المشترين مقتصرة على آسيا أو الغاز الطبيعي المسال. فسوق النفط أيضا متخمة بالإمدادات. وليس صعبا تصور من هم أولئك المصدرون الذين تمَسُّ حاجتهم إلى الإيرادات. فنيجيريا وفنزويلا وروسيا كلها بلدان تخطر في الذهن. كما أنه ليس صعبا تخيل الشركات التي سترغب في أن تكون متيقنة من قدرتها على بيع إنتاجها كي تحصل على أي أموال يمكن أن تجنيها من المشروعات التي استثمرت فيها مقادير ضخمة من رؤوس الأموال. يشكل مشروع جورجون البحري الواقع قبالة أستراليا والتابع لشركة شيفرون مثالا واحدا فقط لذلك.
لقد كلف هذا المشروع الذي بدأ تشغيله في العام الماضي أكثر من 50 بليون دولار بزيادة تفوق 20 بليون دولار عن التكلفة المقدرة له. فليس القطاع النووي فقط هو من يرتكب الأخطاء الكبيرة. لقد حدث بعض هذا الانتقال نحو سوق المشترين سلفا. فإيران واصلت تصدير النفط رغم العقوبات. لقد تمكن الإيرانيون من المحافظة على تجارتهم النفطية عبر صفقات ثنائية بأسعار مخفضة. وطهران ليست وحدها. فالأسعار المتحققة (الفعلية) لإمدادات النفط والغاز لا تتطابق دائما مع الأرقام المعلن عنها رسميا. مثل هذا التحول في قوى سوق مصادر الطاقة تترتب عنه نتائج. فكما اكتشفت أوبك، من الصعب جدا وضع أسعار بعينها والمحافظة عليها في عصر يتسم بالوفرة. ومع هبوط الأسعار تتدنى كذلك إيرادات المستثمرين والدولة. أيضا تقلل الصفقات الثنائية من حجم النفط والغاز المتداول عالميا مما يوجد سوقا محدودة التداول ومتقلبة. وسيدرك المزيد من المشترين احتمال إعادة صياغة شروط التجارة. كان دونالد تاسك، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي، يفكر قبل عامين في إيجاد «هيكل مشترٍ وحيد» لإدارة احتياجات أوروبا من واردات الغاز. (تعني فكرة المشتري الواحد توحيد بلدان الاتحاد الأوروبي لجهودها التفاوضية بهدف الحصول على عقود أفضل لواردات الغاز من شركة غازبروم الروسية- المترجم) وعلى الرغم من أن التوفيق بين احتياجات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سيكون تحديا صعبا إلا أن الفكرة ليست خيالية بالقدر الذي يوحي به بعض منتقديها. فمن المؤكد أن أوروبا بتبنيها عملية الشراء المشتركة ستؤمِّن صفقاتٍ أفضل من تلك التي تحصل عليها الآن. إن لدى الأسواق ميل للتأرجح من جانب إلى جانب.
لقد كانت هنالك أوقات يقرر فيها المصدرون الأسعار وأوقات أخرى لا تكون لهم فيها الغلبة. ونحن الآن على أعتاب تغيير كبير بعد نصف قرن من سيطرة المنتجين. إنها لحظة قاسية للشركات المعنية ولمستثمريها. وسيعتبرها البعض حركة دورية ستعكِس اتجاهها حين يرتفع الطلب. ولكن هذه الاستراتيجية خطرة جدا. فالمقاربة الأفضل للشركات والمستثمرين معا هي افتراض أننا نَمُرُّ بتحول هيكلي وأن على أولئك الذين يعملون في قطاع الطاقة مواءمة نموذجهم الاقتصادي واستراتيجيتهم الاستثمارية مع الواقع الجديد كي تزدهر أعمالهم.