ضربات أمريكية أنهت صراعات .. هل تنجح في سوريا هذه المرة ؟ !

عماد عريان –

حتى بدايات القرن العشرين ظلت الولايات المتحدة – كما هو معروف وفقا لمبدأ جيمس مونرو- بعيدة عن الانخراط في الأحداث أو الصراعات الدولية والأزمات العالمية، منكفئة على ذاتها في نصف الكرة الأرضية الغربي، حتى كان السابع من أبريل 1917 عندما قرر الرئيس الأمريكي آنذاك «وودرو ويلسون» إسقاط هذا المبدأ وتغيير العقيدة الأمنية في أكبر تحول في تاريخ بلاده بإعلانه دخول الولايات المتحدة الحرب ضد ألمانيا على وجه التحديد، وقد لعب القرار الأمريكي بالفعل بالتدخل إلى جانب الحلفاء دورا مهما في حسم الحرب لصالحهم بعد عام على وجه التقريب من القرار الأمريكي حيث منيت ألمانيا بهزيمة ثقيلة أدت إلى تغيير شكل النظام السياسي العالمي في السنوات والعقود التالية.

المقصود من التذكير بهذه الحقيقة التاريخية الثابتة الإشارة إلى أن دخول واشنطن ساحة المعارك جاء متأخرا وبعد سنوات من اندلاع الحرب العالمية الأولى ( 1914) وبعد مرحلة طويلة من التردد والترقب وغياب الحلول والخطط العالمية الكفيلة بإنهاء القتال، إلا أن الضربات الأمريكية جاءت حاسمة في هذا المجال، وأغلب الظن أن هذا الأسلوب الأمريكي تحول من وقتها إلى ما يشبه المنهج المتبع في التعامل مع كثير من الأزمات والحروب العالمية، فعادة ما تترك الولايات المتحدة الصراعات تأخذ مداها قبل أن تتدخل هي للحسم الذي عادة ما تسبقه ضربات عنيفة تخلخل الأطراف المستهدفة وتضعهم أمام حقائق أمنية مخيفة، مما دفع بعض الإستراتيجيين إلى توصيف هذه الحلول بأنها (ضربات حل) !! ولاستيفاء الفكرة وتوضيحها بشكل أكبر تجدر الإشارة إلى أن هذا المنهج الأمريكي ذاته تكرر مجددا في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) حيث ظلت واشنطن بعيدة عن مجريات الحرب عدة سنوات حتى اضطرت إلى دخولها بعد تدمير الأسطول الأمريكي في حادث بيرل هاربور الشهير بقذائف وقنابل المقاتلات اليابانية عام 1942، وسواء كان الحادث استهدف جرجرة الولايات المتحدة لدخول الحرب أو أن واشنطن استغلته إلى أقصى درجة لتعظيم مكاسبها وفرض هيمنتها إلا أن النتيجة المؤكدة أن دخولها الحرب مثل تحولا استراتيجيا هائلا لصالح الحلفاء في مواجهة دول المحور وخاصة ألمانيا بينما تكفلت الولايات المتحدة بإنهاء الحرب كلية بضربة هي الأعنف في تاريخ البشرية حتى الآن عندما سحقت اليابان وأجبرتها على الاستسلام في عهد الرئيس هاري ترومان بضربات نووية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي أدتا في صيف عام 1945 إلى نهاية الحرب تماما بعدما وجدت اليابان نفسها في مواجهة حقائق أمنية خطيرة ربما تهدد وجودها ذاته، وفي مراحل زمنية لاحقة لم تستبعد واشنطن هذا الأسلوب العنيف في التعامل مع كثير من صراعات العالم مستفيدة في ذلك من قوتها العسكرية والاقتصادية الطاغية، مع الأخذ في الاعتبار بالتأكيد طبيعة الظروف السياسية العالمية وطبيعة التوازنات الإستراتيجية وموازين القوى الدولية وكذلك حسب بوصلة المصالح، وقد مارسته الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ ذلك التاريخ بشكل أو بآخر في مناطق مختلفة من العالم ومن بينها منطقة الشرق الأوسط التي يمكن رصد عدة مناسبات لم تتردد واشنطن في تبني النهج ذاته لإنهاء صراعات أو حروب تفجرت في فترات زمنية متفاوتة لأسباب مختلفة، ولتكن المناسبة الأولى حرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس حيث ظلت الولايات المتحدة بعيدة عن الصراع نسبيا إلى أن تدخل الرئيس الأمريكي وقتها الجنرال ايزنهاور بتهديده بمعاقبة القوتين العظميين فرنسا وبريطانيا لمخالفتهما قواعد حلف الأطلنطي، وضمن قرارات أخرى بالتأكيد ووسط مواقف عربية وإقليمية ودولية مؤيدة لمصر بشكل أسطوري تمكنت واشنطن من إجبار حلفائها على وقف الحرب وسحب القوات بعد عجز المجتمع الدولي، وفي مناسبة أخرى وخلال حرب أكتوبر 1973 ومع تحقيق القوات المصرية انتصارات مبهرة على طول امتداد قناة السويس ومع استنجاد إسرائيل بواشنطن كانت نصيحة وزير الخارجية الأمريكي الأشهر هنري كيسنجر لهم بضرورة تحقيق شيء على الأرض، فكان أن ساعدت الأقمار الصناعية الأمريكية القوات الإسرائيلية على فتح (ثغرة الدفرسوار) التي خلقت وضعا استراتيجيا غير مريح أمكن في نهايته فرض تسوية أمريكية ووقف الحرب.
على الصعيد الخليجي كان المنهج ذاته حاضرا، وكانت «ضربات الحل» هي الوسيلة التي اتبعتها واشنطن لإنهاء صراعات تحقيقا لمصالح ذاتية، وأبرز تلك الضربات ما حدث في عام 1988 عندما أسقطت الصواريخ الأمريكية طائرة الركاب البوينج الإيرانية ومقتل جميع ركابها فوق مياه الخليج وبعدها قبلت طهران بوقف الحرب مع العراق، وقال مرشد الثورة الإيرانية آية الله الخميني أنه كمن يتجرع السم بقبوله هذا القرار، ولكن ما من شك في أن الضربة الأمريكية العنيفة كانت تحولا استراتيجيا أدى إلى وقف الحرب العراقية الإيرانية بعد ثماني سنوات من المعارك الطاحنة بين البلدين، وكانت قد اندلعت من الأساس عام 1980 بمباركة وتشجيع من واشنطن في إطار حصارها للثورة الإيرانية خاصة بعد اقتحام مقر السفارة الأمريكية في طهران في إعقاب الثورة واحتجاز رهائن داخلها لمدة 444 يوما مما جعل واشنطن تبحث عن الثأر فلم تجد ما هو أفضل من إغراق طهران في حرب طويلة مع العراق، وعندما وجدت أن من مصلحتها إنهاء الحرب – التي طالت كثيرا دون أي نجاح من جانب المجتمع الدولي لإيقافها – جاءت ضربة إسقاط طائرة الركاب الإيرانية، ولاشك في أن الولايات المتحدة ارتدت ثوب المخلص مرة أخرى بعيد الغزو العراقي الغاشم للأراضي الكويتية عام 1990 وكانت عاصفة الصحراء هي العملية التي هيمنت من خلالها الولايات المتحدة على الأحداث وسط ظروف وتطورات معلومة للجميع ولكنها أكدت مجددا قدرتها على الحسم للصراعات بوسائلها الخاصة متى اقتضت مصالحها ذلك. وعلى الصعيد الأوروبي وبعد انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي عموما لجأت الولايات المتحدة للمنهج المتبع ذاته وطبقته في تسعينيات القرن الماضي على حرب البلقان وهي تحديدا المتعلقة بتفتيت يوغسلافيا السابقة إلى عدة جمهوريات,حيث تركت واشنطن الصراع يتأجج في أشكال وحشية وعلى ما يبدو أنها تعمدت إظهار الأمم المتحدة في ثوب المنظمة الفاشلة العاجزة عن فرض أي تسوية أو حل للحرب برغم وجود قوات دولية في البوسنة والهرسك التي شهدت مذابح مروعة تحت سمعها وبصرها دون أن تحرك ساكنا، وعندما كشفت واشنطن للعالم حقيقة وأبعاد هذا الفشل الذريع، قررت إدارة الرئيس بيل كلينتون الدخول بكل ثقلها لإنهاء الحرب فكانت ضرباتها المتلاحقة لصربيا وفرض اتفاق التسوية ومحاكمة عدد من قادة الصرب السياسيين والعسكريين بتهمة جرائم الحرب، لتفوز الولايات المتحدة مرة أخرى بلقب الخلص القادر على إنهاء الأزمات التي يعجز المجتمع الدولي عن تسويتها.
العرض التاريخي السابق لجملة من الوقائع والأحداث الدولية عبر نحو مائة عام بالتمام والكمال والتي قد يكون مناسبا للاقتراب من التحول الكبير الذي طرأ على ساحة الأزمة السورية متمثلا في الهجوم الأمريكي المفاجئ على قاعدة «الشعيرات» الجوية، والذي قرأ عشرات المحللين والإستراتيجيين من خلاله رسائل أمريكية عديدة، قد يكون من المناسب أن نضيف إليها التحليل السابق حول ضربات واشنطن العنيفة في توقيتات معينة لإنهاء الصراعات والحروب التي عجزت القوى الدولية منفردة ومجتمعة عن تسويتها، وبدون استباق الأحداث فقد يكون من المناسب التعامل مع هجوم « الشعيرات» على أنه مقدمة حقيقية لضربة حل أمريكية لتسوية الأزمة السورية بعد أن أخذت مداها واستمرت سنوات طويلة مع فشل كل الجهود الدولية والإقليمية لتسويتها، وقد يساعدها على ذلك بالفعل محدودية الخيارات الإستراتيجية الروسية على أرض الواقع والتي على أساسها قد ترى واشنطن أن الساحة مهيأة أمامها لتسوية الصراع وفقا لرؤيتها وعلى طريقتها الخاصة.