الأبعاد الإنسانية .. في ظل المرجعيات والتحولات الاجتماعية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يتجلى مفهوم جل التحولات المجتمعية من استيعاب المفارقة الموضوعية القائمة بين القرية والمدينة، وهو استيعاب شديد التعقيد، وعقدته الكبرى ذلك الانسلاخ التدريجي لمجموعة من القيم والثوابت، والتنظيمات، والقناعات (المرجعيات) وتوغلها الحذر في المساحات الفارغة الممنوحة لها لكي تأخذ طريقها الى حياة الناس، قبلوها بعد ذلك أو لم يقبلوها، استوعبوها أو لم يستوعبوها، وظفوها في حياتهم أو لم يوظفوها، لبت غرورهم في لحظات التحول؛ أو لم تلب، أقنعت رضاهم بعد توظيفها أو لم تقنع، المهم أن هذه المناكفة بين القرية والمدينة تبقى هي الأساس الذي يمكن أن يقاس عليه مجمل التحولات الاجتماعية والإنسانية على امتداد مسيرة حياة الناس، وهذه الآلية لن تقتصر على زمن دون آخر، ولا على بقعة جغرافية دون أخرى، ولا على مجتمع دون آخر؛ بغض النظر عن نضجه، أو بدائيته الشديدة،

ويظل الإنسان في كل أحوال هذه التحولات وبما تفرزه من نتائج على واقع الناس، هو الفاعل الحقيقي سواء بفعله الديناميكي المباشر من خلال تبنيه للنظريات والمفاهيم والقيم الداعية لمجمل التحولات في الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة، أو من خلال تغيير قناعاته واستسلامه للواقع الذي يعيشه، ويبقى تأخر الزمن أو استباقيته في استيعاب مجمل هذه التحولات على عمر الأجيال، ومدى حضور الحالة المدنية في المجتمع، وبقدر أهمية المادية المتداولة وحداثيتها؛ إلا أنها تحدث ضررا كبيرا بما يحافظ على كيان الإنساني كإنسان ويحوله تلقائيا الى سلعة مشاعة التوظيفي والتداول، وهذا ما يؤسف له حقا.

القضية الأساسية هنا ليس مجمل التحولات الديناميكية التي تحدث للمادة غالبا، فهذا أمر مرحب به الى حد كبير، بل العكس؛ فالناس يهمهم كثيرا التحولات المادية، ويتفاعلون معها بصورة مباشرة، ويعيشون تفاصيلها في صور من الفرح والبهجة، وينتقدون بعضهم البعض ممن لم يكن على نفس المستوى من هذه الحالة الـ «احتفالية» لأي تطور مادي، وقد ينعتون بعضهم بعضا أيضا؛ بالتخلف، والتأخر، وعدم مواكبة العصر، ويمكن قياس هذه الحالة على كل ما نتعامل معه، وما نقتنيه من وسائل في مجمل حياتنا اليومية، والمفارقة تكمن فقط، أننا مع ترحيبنا بكل التحولات المادية في حياتنا، إلا أننا نقف موقف الرافض، أو الخائف أو أضعف الإيمان المستنكر؛ لأي تحول في المسألة الاجتماعية على وجه الدقة؛ حيث تظل هذه قضية مدار جدل، وحوار، واختلاف، وتنازع، وتبادل للتهم، وعموما تبقى مساحة الخوف فيها أكبر، لأنها تمس حياتنا ذات العلائقية الكبيرة، والوشائج المتينة، ومن خلال ملاحظاتي المتواضعة والمراقبة أن لا فرق في ذلك بين مجتمع متمدن، ومجتمع تقليدي، بين مجتمع متطور وآخر متخلف، حيث يشترك كل هؤلاء في مستوى الاهتمام بأي تحول اجتماعي، والدليل أن المجتمعات التي أغرقتها المدنية لفترة من الفترات نتيجة عوامل كثيرة، تعود اليوم بقوة الى البحث عن مناخات البيئات الاجتماعية، حيث ترى فيها أمنها الإنساني، واستقرارها الوجودي، ولا مغالطة في هذا الأمر، فالإنسان مادة اجتماعية مركبة، وإن تعرض لعوامل ضغط عالية التأثير لتذهب به الى مناخات أخرى؛ غير التي انبنت عليه فطرته السوية، فإنه لن يمكث طويلا حتى يعود الى مرجعياته الاجتماعية.

تأتي اليوم النظرية الليبرالية الجديدة – وهي أحد المفاهيم التي يقاس عليها كثيرا من التحولات الاجتماعية في العالم – لتساهم بصورة أو بأخرى في هذه التحولات، وتملأ مجمل الفراغات التي تتركها التحولات دون تنظيم مؤسسي، فالناس في أغلب افتتانهم بالحديث والمتطور ينجرون دون ترو أو دون تنظيم معين يضع النقاط على الحروف، كما يقال، وهذه النظرية كما يقول الكاتب والأكاديمي ديفد هارفي صاحب كتاب (ما بعد الحداثة) و(الإمبريالية الجديدة)، وهو أستاذ علم الأناسة المتميز في مركز خريجي جامعة مدينة نيويورك؛ حسب التعريف؛ في كتابه (الليبرالية الجديدة – موجز تاريخي) ما نصه: “الليبرالية الجديدة في المقام الأول نظرية في الممارسات السياسية والاقتصادية، تقول بأن الطريقة الأمثل لتحسين الوضع الإنساني تكمن في إطلاق الحريات والمهارات التجارية الإبداعية للفرد، ضمن إطار مؤسساتي عام يتصف بحمايته الشديدة لحقوق الملكية الخاصة، وحرية التجارة، وحرية الأسواق الاقتصادية، ويقتصر دور الدولة في هذه النظرية على إيجاد وصون ذلك الإطار المؤسساتي الملائم لتلك الممارسات»، ويضيف: «بيد أن العملية الليبرالية الجديدة استتبعت الكثير من «التدمير الخلاق» ليس فقط للأطر والقوى المؤسساتية السابقة (إذ تحدت حتى الأشكال التقليدية لسيادة الدولة) بل أيضا لتقسيمات العمل، والعلاقات الاجتماعية وخدمات الرعاية الاجتماعية، والتركيبات التكنولوجية المختلفة، وطرق الحياة، والتفكير، والتكاثر، والارتباط بالأرض والعادات الشعورية والوجدانية» – انتهى النص وتذهب النظرية الى الكثير من الممارسات التي حدثت بعد تطبيقها على أرض الواقع، وضرب الباحث الكثير من الأمثلة بدءا من مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم، وحتى سنة تأليفه للكتاب، وقد بين أن الكثير من التجارب الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية، وهي التجارب التي نجح فيها البعض، وخسر فيها البعض الآخر، ومجمل هذه الخسارة ليس فقط في الجوانب المادية الصرفة، ولكن أهمها في الجوانب الاجتماعية «الأهم» حيث تسعى النظرية الى تدمير؛ إن تجوز التسمية؛ مختلف البنى الاجتماعية التي تقوم عليها حياة الناس، وتسعى، أي النظرية، الى ترسيخ مفهوم السوق القائم على الربح والخسارة، ولا يهمها مدى الضرر الذي توقعه في حياة الإنسان البسيط، فهي تمجد الفردية وتعلي من شأن السوق، ولذلك تضررت الكثير من الدول السابقة الذكر أو غيرها من تبنيها للنظرية الليبرالية الجديدة، وخسرت الكثير من الإنجاز المتحقق قبل ذلك؛ حيث ارتفعت فيها نسبة الباحثين عن العمل نتيجة تسريحهم من المصانع المعرضة للإفلاس، وارتفاع نسبة التضخم، وتراجع دخل الفرد، وقد أوصلت بعض الدول الى حافة الإفلاس، وانعكست مجمل هذه الإخفاقات كلها على حياة الناس، وقوضت استقرارهم الاجتماعي، وعرض المادة الاجتماعية في سوق رخيصة جدا، لا تتوافق ومدى التطور المادي المقابل في الجهة الأخرى، حيث ناطحات السحاب، فقد طرحت فئات جديدة من الباحثين عن العمل على الأرصفة لتمارس مهنا أخرى تنتقص فيها الإنسانية، وتعرضها للتردي والابتذال.

تستوقفني هنا مقولة أقيمها على أنها شديدة القرب من المعنى المطروح في هذه المناقشة، والمقولة هي للمفكر والمصلح الهندي المعروف «المهاتما غاندي» الذي يقول – كما جاء في كتاب (زمن الأصولية – رؤية للقرن العشرين) للدكتور مراد وهبة ( نشر عرض له في جريدة عمان الصادرة يوم الأول من يناير 2016م) ما نصه: «إنني لا أسمح بأن تنتج المدينة ما يمكن أن تنتجه القرية لماذا؟ لأن إنتاج القرية يشبع الحاجات الأساسية بينما ما تنتجه المدينة يشبع الرغبات وثمة فارق كيفي بين الحاجة والرغبة، اذ الرغبة تولد الشراهة بينما الحاجة تولد الاكتفاء، ومن هنا تكون الحضارة ملازمة للقرية دون المدينة « – انتهى النص – فالشراهة التي يشير إليها «غاندي» هي المرتبطة بالمدينة والمدينة مرتبطة بالمدنية، والمدنية كما نرى لا تقيم وزنا للإنسان كإنسان، وإنما تقيم وزنا لمستوى الثقل الذي يساهم فيه الإنسان في نمو المدينة، وما ينعكس ذلك على الصورة الاحتفالية للمدنية، وبالتالي فالقيم الاجتماعية والإنسانية ليس لها نصيب هنا، حيث تملأ المادة مجمل الفراغات التي تتخلل الإنسانية وفي ظل هذا الفهم ليس غريبا أن تتراجع القيم الإنسانية، حيث يفتقدها الناس، ويحلمون بها لأنها تظل الوحيدة المعبرة عن ذواتهم وكياناتهم. ويقول الباحث «هيرفي كيمف» في كتابه (كفى للطغمة ولتحيا الديمقراطية) الذي تم نشر عرض له في جريدة عمان في 25/‏‏4/‏‏2015م: «في العقود الثلاثة الأخيرة نجحت الرأسمالية بشكل كامل في فرض نموذجها الفردي في التصور وفي السلوك، ومهمشة المنطق الاجتماعي، الذي كان يكبح حتى ذلك الوقت تقدمها، وتكمن الصعوبة الخاصة بالجيل الذي نما تحت هذه السيطرة في واجب اعادة اختراع التضامن، بينما تكرر له الشروط الاجتماعية بلا توقف أن الفرد هو الكل للخروج من الآلية المدمرة للرأسمالية ينبغي أولا تفكيك أنماط ثقافية والتخلص من التحكم السيكولوجي تسعى الرأسمالية الى تحول انتباه جمهور واع اكثر فأكثر بالكارثة المحدقة بجعله يعتقد أن التكنولوجيا، وهي كيان خارج عن مجتمع البشر، يمكنها أن تتجاوز العقبة».
ختاما للذين يقلقهم اغتراب الإنسان، حيث يذهب به واقع الحال الى البعد أكثر عن اجتماعيته، وإنسانيته السوية، فليوقنوا أن لا عودة الى الجذور والمرجعيات بالصورة التي نقرأ عنها في الكتب القديمة التي كتبت في مرحلتها الزمانية، وما يروى عن حياة كانت أكثر حميمية للإنسان على نفسه، عليهم أن يقنعوا أنفسهم أنهم اليوم في ظل واقعهم لا يزالون بخير، ولسوف تأتي أجيال أخرى يموتون شوقا لواقعنا اليوم، حيث تذهب بهم الحياة أكثر اغترابا، وأكثر فردية، وأكثر قسوة في ظل مناخات العولمة «المباركة» وثورة المعلومات المتنامية.