التجربة السنغافورية جديرة بالاهتمام

سالم بن سيف العبدلي –
samadshaan@yahoo.com –

هناك دول في العالم صنعت لنفسها قصة نجاح وحققت المعجزات ويمكن أن تكون أنموذجا يحتذى من قبل الدول الأخرى فالتجربة الاقتصادية لسنغافورة هي إحدى التجارب الناجحة والتي شقت طريقها بهمة وعزيمة من قبل خبرائها وأبنائها المخلصين فقد استطاعت تلك الدولة الصغيرة ان تلحق بركب التقدم والازدهار في زمن قياسي.
حيث انتقلت من جزيرة منسية إلى دولة مستقلة استوعبت مجريات العصر وأصبحت في زمن قصير أحد أغنى أغنياء بلدان آسيا والعالم وتعتبر قصة نجاح رائدة في العصر الحديث فقد تمكنت تلك الدولة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 746 كيلومترا مربعا أن تصبح أنموذجا للنجاح الاقتصادي العالمي.
وقد أتيحت الفرصة لنا لزيارة سنغافورة قبل حوالي 3 سنوات ورأينا كيف أن هذا البلد ينمو اقتصاديا ويتقدم بشكل ملحوظ في كل المجالات رغم ان الدولة لا تملك المواد الخام والتجربة السنغافورية تتشابه الى حد كبير مع التجربة اليابانية من حيث طريقة التفكير والأداء والظروف.
لقد شرفنا الأسبوع الماضي بحضور محاضرة بعنوان “الطرق الأمثل للترويج الاقتصادي والاستثماري للسلطنة“ والتي نظمتها الهيئة العامة لترويج الاستثمار وتنمية الصادرات (إثراء) والتي تحدث فيها الخبير السنغافوري فليب يو حيث ركز في محاضرته على التجربة السنغافورية الرائدة وكيف بدأت؟ وماهي أسباب نجاحها؟.
ذكر المحاضر بأن لسنغافورة تاريخ حافل بالمهاجرين فسكانها الذين لا يتجاوز تعدادهم 6 ملايين، هم عبارة عن خليط من الصينيين والملايويين والهنود وآسيويين ومن ثقافات مختلفة إلا انهم جميعا متعايشين ومتماسكين هدفهم واحد وهو مصلحة بلدهم فكل واحد حسب معتقداته وله الحرية اختيار ما يناسبه من معتقدات وأفكار، وتعتبر سنغافورة ذات كثافة سكانية عالية حيث إنها تعتبر ثالث دولة في العالم من ناحية الكثافة السكانية بعد ماكاو.
أكد المحاضر على العملية التعليمية وأفرد لها جزءا منفصلا حيث أشار الى أن سنغافورة تهتم كثيرا بالتعليم من الاستقلال ولجميع المراحل التعليمية وتوفر كل الإمكانيات والسبل من أجل تخريج جيل من العلماء في مختلف المجالات.
من الأمور التي ركز عليها المحاضر والتي ينبغي أن نستفيد منها ونستخلص منها العبر والدروس هو أن هذا البلد اعتمد في نهضته على 3 موارد أو عناصر والتي هي ركائز وأسس مهمة لأي تجربة تنموية ناجحة وهي الموارد الطبيعية والموارد المالية وأخيرا الموارد البشرية فإذا توفرت هذه العناصر وتكاملت وتم استغلالها الاستغلال الأمثل فإنها يمكن ان تشكل تجربة تنموية ناجحة لأي بلد في العالم.
فالنسبة الموارد المالية فهي مهمة على اعتبار أنها المحرك الرئيس للاقتصاد والتنمية والاستثمار أما الموارد الطبيعية خاصة الأرض فهي عنصر أساسي في العملية التنموية إذا ما استغلت الاستغلال الجيد والمناسب فإنها سوف تساهم في زيادة الناتج المحلي ففي هذا المجال ضرب مثالا حيث قال إن سنغافورة رغم أنه لا توجد لديها ثروة حيوانية إلا أنها تعتبر ثالث منتج ومصدر للحليب المجفف على مستوى العالم.
أهم عنصر من هذه العناصر والذي يدير العملية كلها هو الإنسان أو الموارد البشرية هذه الثروة إذا ما تم تأهيلها وصقلها منذ البداية فإنها يمكن أن تدير عجلة التنمية بجودة عالية واقتدار لذا فإن سنغافورة اهتمت بالتعليم وتجويده واستطاعت أن تبني وتصنع عقول تعاملت مع بقية العناصر بشكل إيجابي وكان لها رؤيتها وأهدافها الواضحة نحو المستقبل وقامت بتطبيق كل ما خطط له من استراتيجيات وبرامج وتعاملت مع كل الظروف لذا وصلت الى ما هي عليه الآن من تقدم وتطوير.
تعتبر سنغافورة حاليا رابع أهم مركز مالي على مستوى العالم كما ويعد مرفأ سنغافورة خامس مرفأ في العالم من ناحية النشاط الاقتصادي، ويوجد بها نظام صحي شبه متكامل جعلها جذّابة ليس لدول آسيا المجاورة طلبا للعلاج فقط بل امتد ذلك إلى دول أفريقيا والشرق آسيا واعتبارا من الستينيات انطلقت سنغافورة في نهضة صناعية شملت كل القطاعات الاقتصادية بما فيها المنتجات الكيميائية والصيدلانية، التجهيزات الإلكترونية، الأنسجة، إضافة الى المنتجات البلاستيكية والمطاطية والفولاذية وغيرها.
يبقى أن نقول كيف يمكننا الاستفادة من هذه التجربة الرائدة؟ وهل يمكن تطبيقها على أرض الواقع؟ وماذا ينقصنا؟ طبعا الإجابة بنعم فكافة العناصر والموارد التي أشار إليها المحاضر تتوفر لدينا إلا انه ينبغي ان نعترف بأننا خلال السنوات الماضية لم نتمكن من صناعة عقول تستطيع ان تواكب عجلة التنمية ولم نتمكن من صناعة مبتكرين ومفكرين وبقينا طوال هذه السنين تحت رحمة مصدر وحيد للدخل، لذا نقول إذا ما اردنا ان نتدارك الأمر ونبني الوطن بشكل افضل فعلينا ان نعيد النظر في نظام التعليم ونتجه نحو تجويده ليس بالقول والاستراتيجيات والدراسات فقط وإنما بالعمل الجاد والمخلص.