مؤتمر «الاستثمار في الثقافة» يبحث تحويلها إلى منتج اقتصادي

عبر 38 ورقة ومشاركين من 14 دولة عربية وغربية –
9 أوراق في اليوم الأول بحثت البعد الاقتصادي للثقافة –
كتب ـ عاصم الشيدي –
انطلقت صباح أمس في بهو المتحف الوطني فعاليات مؤتمر «الاستثمار في الثقافة» الذي ينظمه النادي الثقافي بشراكة مع وزارة التراث والثقافة والجمعية الاقتصادية العمانية وبيت الزبير، بحضور معالي الدكتور عبدالمنعم بن منصور الحسني وزير الإعلام، وبمشاركة واسعة من باحثين وأكاديميين من السلطنة ودول عربية وغربية عدة.
وكشفت 9 أوراق قدمت في اليوم الأول من المؤتمر آفاقا كبيرة لتحويل المنتج الثقافي إلى منتج قابل للاستثمار.
وحضر الافتتاح سعادة سالم بن محمد المحروقي وكيل وزارة التراث والثقافة للتراث وجمع من المثقفين والمدعوين من داخل السلطنة وخارجها.
وقالت الدكتورة عائشة الدرمكية رئيسة النادي الثقافي في كلمة الافتتاح «إن التنمية المستدامة هي عملية تغيير يكون فيها استغلال الموارد واتجاه الاستثمارات ووجهة التطور التكنولوجي، والتغيير المؤسساتي، في حالة انسجام وتناغم، بحيث تعمل على تعزيز إمكانية الحاضر والمستقبل لتلبية الحاجات والمطامح الإنسانية . إلا أن تلك الحاجات والمطامح تتغير من مجتمع إلى آخر ومن جيل إلى آخر ليشكل المستوى الثقافي بعناصره ومجالاته المتعددة أساساً مهما تقوم عليه التنمية المستدامة لأنه منطلق البيئة الاجتماعية والحضارية والفكرية لأي مجتمع ».
وأضافت الدرمكية إن «التنمية المستدامة تتأسس على المجتمع وتنطلق منه إلى إيجاد موارد اقتصادية وسياسية واجتماعية تضمن الحياة الكريمة لأفراده، وهذه الحياة ضمن هذا التعريف لا تقوم على جانب دون غيره وإنما تشتغل في منظومة متكاملة تمثل الثقافة ركنا مهما منها».
وقالت رئيسة النادي الثقافي إن فكرة المؤتمر تماشيا مع تلك المتغيرات التنموية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم، فهي متغيرات تتأسس على البعد الثقافي الذي يشمل قطاعات المجتمع كلها».
ويهدف المؤتمر إلى تقديم الثقافة بمجالاتها المتعددة بوصفها مواد اقتصادية قادرة على المساهمة في الدخل الاقتصادي للدولة كونها مواد ذات أبعاد تنموية قابلة للتشكل وإعادة الإنتاج بصور وأشكال شتى إذا توافرت لها الظروف وهُيئت لها السبل .
ويناقش المؤتمر عبر 38 ورقة ومشاركين من 14 دولة محاور عدة بينها البعد الاقتصادي للثقافة: أهمية الثقافة كونها عاملا من عوامل توليد الثروة والتنمية الاقتصادية، ومحور تمويل الثقافة والنهوض بالصناعات الثقافية: التنمية الثقافية وثقافة التنمية.
ويحظى خطاب «الاستثمار في الثقافة» بالكثير من الاهتمام في الدول الحديثة اليوم إلا أن هذا لم يمنع حدوث بعض اللبس في أولى أوراق الندوة التي حملت عنوان «تعزيز ونشر ثقافة الاستثمار» وناقشت ثقافة الاستثمار في خلط واضح بين الاستثمار في الثقافة وبين ثقافة الادخار.
وقدم محمد بن حمد الندابي ورقة في الندوة حملت عنوان «أثر الاستثمار في الفعاليات الثقافية في بناء رأس المال الاقتصادي» متخذا من حالة مهرجان مسقط أنموذجا للدراسة.
وانتهى الباحث في دراسته للقول إلى أن المهرجانات تلعب دورا بارزا في إبراز صورة المدينة واقتصادها السياحي، مشيرا إلى أن 93% من زوار المهرجان أكدوا في استبانة أعدها الباحث أن المهرجانات هي جزء مما يجعل مدينة مسقط مدينة مميزة.
وقدم الدكتور رشيد بن مالك من جامعة أبو بكر بلقايد بالجزائر ورقة حملت عنوان «تمويل الثقافة وإشكالية النهوض بالصناعات الثقافية».
وركزت الورقة على الصناعة الثقافية ، تمويلها وآليات النهوض بها وتنميتها باعتبارها ثمة أساسية لا يمكن إدراك أبعادها وكشف إجابات عن الإشكالات التي تطرحها في غياب البحوث العلمية الرائدة التي صممتها بداية من الأربعينيات من القرن الماضي في الفكر الأوروبي، والنصوص الرسمية المنضوية تحت البيانات والمؤتمرات الدولية التابعة لليونيسكو.
وأكد الباحث إن الاستثمار في الثقافة فسح المجال للمجتمعات لتتفتح وتطور صناعاتها الثقافية وتنقل مهاراتها، وتساءل عن الطرق الكفيلة بالاستثمار في الثقافة حتى تسهم هذه الأخيرة في التنمية المستدامة. وشدد على ضرورة التمييز بين خطابين. يشيد الخطاب الأول بالتداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأهمية التي يمكن أن تعقد للثقافة. أما الخطاب الثاني فإن مضامينه تنتصب لتعارض الاستثمارات العمومية في الثقافة متحججة في ذلك بمحدودية الميزانية من جهة وتبذير المال العام من جهة أخرى. ووقف الباحث عند المضامين التي تبلورها ثقافة التنمية. وقال إن المظاهر الثقافية غالبا ما كانت تستبعد من نماذج التنمية في البلدان المصنعة والسائرة في طريق النمو بداعي عدم اكتسائها أهمية في المشاريع التنموية وقيام الثقافة والتنمية على أسس مختلفة ومتباينة في الأهداف. وقد تطور الوضع بشكل كبير في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.
وانتهى الباحث في معالجته لإشكالية النهوض بالصناعات الثقافية؛ لضوابط ضرورية من وجهة نظره لترقية الفعل الثقافي: أولها: تحسين حكامة الثقافة في المجتمع من أجل توفير الظروف الملائمة لبروز المؤسسات واستمراريتها. فالحكامة شكل من أشكال الديمقراطية المشاركة وضرورية للتفكير في التطبيق الحسن لرهانات التنمية المستدامة بوضع الصناعات الثقافية على رأس الأولويات وفي قلب المشاريع التنموية. ثانيها: تحسين أو بناء البنيات الثقافية التحتية الضرورية لتحريك الصناعات الثقافية ونشرها على المستوى المحلي.
ثالثها: تسهيل وصول الصناعات الثقافية إلى مصادر التمويل «نظام مالي، مستثمرون صناعيون، مستثمرون خواص، استشهار، البحث عن التمويل العمومي والدولي، تسهيل الوصول إلى رعاة الفنون».
كما قدم محمد رضا اللواتي ورقة حملت عنوان «نحو البرنامج الوطني للتنمية الثقافية». وحاول الباحث في ورقته البرهنة على أنه بمقدور الثقافة أن تُصبح لاعبا يجلب إيرادا اقتصاديا للبلد، وبعبارة وأداة تنموية استطاعت دول كُبرى أن توفر من خلالها على دخل يعادل خمسة أضعاف دخل قطاع صناعة السيارات فيها. وأكد الباحث أن الثقافة تستطيع أن تلعب أشد الأدوار قوة في تنمية المجتمع على الصعيد الاقتصادي دون المساس بجوهر رسالتها وهي تنمية الأبعاد الإنسانية في البناء الاجتماعي والمحافظة عليها.
إلا أن التنمية الاقتصادية تحديدا، وفقا للباحث، إن أُريد للثقافة القيام بها، فسوف يصبح «تمويلها» شرطا لازما لتحويلها إلى «صناعة» داعمة للدخل، عبر تمويل أنشطتها لتُصبح جزءا من «قطاع الخدمات» وتكون السلعة الثقافية مرتكزة على «الجودة».
وحاولت الورقة البرهنة على أنه لن يتسنى تمويل الثقافة وتحويلها إلى صناعة ترتكز على الجودة ما لم تتوفر «خُطة وطنية للتنمية الثقافية» تعمل على جعل الثقافة في قلب «التنمية» بالسلطنة، حينها يمكن للقطاع الخاص، والمنظومة المصرفية فيه تحمل مسؤوليته تجاه «تمويل الثقافة» باعتبارها «أداة للتنمية».
وأقترح الباحث البنود التي ينبغي إدراجها في الاستراتيجية المراد إعدادها للخُطة الوطنية لجعل الثقافة رقما في الناتج المحلي والتي جاء بينها أولا، تعريف دقيق للثقافة تعتمده الاستراتيجية، لا يسلبها مقدرتها على توليد الإيرادات، والإقرار بكونها وسيلة للنمو وتعزيز وإدامة التقدم الاقتصادي، محافظا في تعريفه لها على أبعادها الإنسانية.
ثانيا: تعريف دقيق لمغزى «صناعة الثقافة»، كالتي اعتمدتها «اليونيسكو» : «هي عملية إبداع وإنتاج وتوزيع للسلع وللخدمات ذات الصبغة الثقافية، محمية بحقوق الملكية الفكرية».
ثالثا: تبني «الدورة الثقافية» التي تبدأ من دعم تحويل الأفكار المبدعة والمضامين المعرفية إلى منتج، فنشره، فعرضه، ثم رفع كل الموانع المعيقة من استهلاك الناس له.
رابعا: تحديد المجالات الثقافية بدقة، كالتراث الثقافي التاريخي والطبيعي المنتج للثقافة السياحية، وفنون الأداء من سينما ومسرح، والفنون البصرية من البرامج التلفزيونية والأعمال الدرامية والوثائقية وغيرها، والصناعات الحرفية، وتأليف الكُتُب المتنوعة المختلفة، والإعلام المرئي والمسموع والتفاعلي، وغير ذلك.
خامسا: تحديد مواقع تكوين الثقافة من قبيل النوادي الثقافية، والصالونات، والجمعيات الثقافية للأدباء والكتاب، ونوادي الفنون التشكيلية والرسم واستديوهات السينما والتصوير، والمجلات الثقافية ودور النشر والمكتبات العامة والمكتبات التجارية وغيرها، وإصدار قانون يرسم حقوقها وواجباتها.
سادسا: تحديد تعريف يفرق المُنتج للثقافة عن المثقف وعن المتعاطي للثقافة وعن الممارس للعمل الثقافي. فالمنتج الأول للثقافة هو المبدع لفكرتها، كالكاتب والروائي والممثل والمسرحي وذوي السبق الصحفي وأمثالهم ممن يبدعون الفكرة الخامة.
كما قدم الباحث البحريني الدكتور محمد السلمان ورقة حملت عنوان «النهوض الاقتصادي وإعداد الموارد البشرية في قطاع الثقافة.وأكد الباحث في مستهل ورقته على أنه لا يمكن للتنمية الحديثة أن تتطور وتستمر دون ربطها بمعايير ثقافية وإنسانية. ذلك أن المقاييس والمعايير الاقتصادية وحدها حضارياً لا تؤدي غرض حفظ كرامة البشر وتحسين أحوالهم الحضارية. فالتنمية الحقيقية هي ثقافية بشكلها العام، وإن كان المحرك المادي لها هو الاقتصاد. ولذا، لا يمكن النظر فقط إلى المردود المادي الصرف في أي تنمية دون تطوير قدرات البشر؛ لأنها هي ما يمكن أن ينجح على المدى الطويل حضارياً. ذلك، أن الربح المادي عمره قصير، أما وجود الإنسان وتطوره وتطويره هو الأطول عمراً ونفساً، ولا يتعرض للخسارة والتلف لأنه متجدد بطبيعة الوجود ذاته. وقال الباحث «لابد أن تقرع الأجراس بشكل حقيقي ومسموع للعلن في خلال هذا المؤتمر؛ بأنه حان الوقت للبدء بشكل حقيقي وفعال في مشروع الاستثمار الثقافي، وإن كان بشكل مرحلي، أو على نسق سياسة الخطوة خطوة». وبشكل عام هدفت ورقته إلى تسليط الضوء على مناقشة المقصود بالاستثمار في الثقافة وهل هو الاستثمار في البشر أم في الحجر؟ أم في كلاهما معاً توجهاً نحو الاستثمار في الجغرافيا، والتاريخ، وصناع الحضارة من البشر. وهل نحن نسعى فعلاً للاستثمار الحقيقي في الثقافة؟
كما قدم الباحث حمود بن سليمان الجابري ورقة بعنوان «صناعة المنتج الثقافي، الإمكانات والكوامن لتجذير الصناعات الثقافية».
وقامت الورقة على فكرة إنه في سبيل إنجاز نموذج تجاري مبني على السلعة الثقافية، لا بد من توجيه النظر إلى محددات هذه السلعة ومستهلكيها ومنتجيها والبيئة الناشئة فيها والمتوجهة إليها. مشيرا إلى أهمية لفت النظر إلى ضرورة حصر الإمكانات المتاحة مما يعد في طور المنجز وتحليل جاهزيته لمراحل الإنتاج التالية في الاستثمار الثقافي، ودراسة الكوامن الثقافية غير المتحققة والتي من شأتها توفير المادة الأولية للمنتج الثقافي المستثمر. ابتداءً من تعريف المنتج الثقافي ومستهلك الثقافة مروراً بمكونات الإنتاج الثقافي المادية والفكرية ومناقشة محاورها في الإطار التجاري، ومدى مواءمة النشاط الثقافي للتسليع والتصنيع دون الإضرار ببنيته المرتكزة على نشدان الحقيقة والوعي والصدق. وطرح الجابري محاولة تأطير مفهوم الإنتاج الثقافي ضمن السياق الاستثماري الاقتصادي بناءً على ضرورة المواءمة الفاعلة بين التوجه الثقافي الأصيل والنمط الاستهلاكي (الموظف حالياً) لبعض المفردات الثقافية كالأعمال السينمائية والمسرحية والمعارض والبرامج التثقيفية وغيرها، مما يضع بعض الأسئلة على المحك حول الفعل الثقافي المستقل والفعل الثقافي الموجه. كذلك فإنه من الأهمية تقصي الإمكانات والكوامن الثقافية التي من الممكن أن تعزز الصناعة الثقافية وتلعب دوراً بارزاً في إحداث نقلة نوعية في البنية الاقتصادية للأمة ويعزز موقعها الحضاري العالمي.