«الإسكوا» تضع إسرائيل في مواجهة العاصفة

جمال إمام –

في القرن الثالث قبل الميلاد كان الفيلسوف اليوناني ديوجين ( أحد تلامذة سقراط ) يمضي في طرقات أثينا يحمل مصباحاً مضيئاً ويتجول به نهاراً بحثاً عن الحقيقة رغم سطوع الشمس .. !!
وعلى الرغم من أن مصباحه يمثل رمزية في الموقف الذي يريد أن يكشف من خلاله الزيف الذي يعيش فيه البعض بإنكارهم للحقيقة الواضحة الجلية وذلك بلفت الانتباه إليها بالسخرية من إصرارهم على تجاهلها ..

إلا أن الواقع فيه الكثير الذي ما زال يحمل نفس حالة الاندهاش من موقف فيلسوف كان يبحث عن قيم حقيقية ربما نحتاج إلى مصابيح كثيرة لنكتشفها بعد أن سادت لغة القوة والمصالح ..
القصة ربما يكون لها إسقاط ما على ما حدث مع تقرير للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) يتهم إسرائيل صراحة بالعنصرية ..
وقد سحبته الأمم المتحدة من موقعها الالكتروني على الانترنت بعد يومين فقط من نشره نتيجة ضغوط شديدة تعرضت لها المسؤولة التنفيذية (للإسكوا) انتهت باستقالتها ..
ما الذي ينبغي لنا الاهتمام به والتوقف عنده مع ما أثاره التقرير من حقائق على الأرض بشأن سياسات التمييز الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ..
في النقطة الأولى ..
أن الأمم المتحدة ربما لو أبقت على تقرير الإسكوا ولم تحذفه ربما برأي كثير من المراقبين كان قد مر دون أن يحدث هذه الضجة الكبيرة التي زاد من حدتها استقالة المسؤولة التنفيذية (للإسكوا) ..
على اعتبار أن تاريخ إسرائيل وفق قرارات الأمم المتحدة نفسها مليء بالخروقات ليس ضد الفلسطينيين وحدهم ولكن في عموم العالم العربي والتي استوجبت المئات من قرارات الإدانة الدولية .. وآخرها قرار مجلس الأمن الدولي برفض سياسة الاستيطان والذي صدر بإجماع الأعضاء بما فيهم الولايات المتحدة التي امتنعت عن التصويت وعن استخدم الفيتو في سابقة هي الأولى من نوعها .. مما أدى الى صدور القرار .
ومع ذلك فإن صدور التقرير بإدانة إسرائيل هي الأولى من نوعها بشأن تأكيده تبني إسرائيل لسياسات ممنهجة تستهدف تمييز عرقي ضد الفلسطينيين ، كان من الصعب معه تجاهله حيث ركز الضوء على هذه الممارسات التي تقوم بها إسرائيل منذ نشأتها .. ومن هنا جاءت الضغوط الإسرائيلية وغيرها والتي لم تمنع من الحد من تأثيره الواسع في الأوساط الدولية .. في النقطة الثانية .. إن تقرير الإسكوا يفتح النقاش من جديد حول التجاوزات الإسرائيلية التي تتم تحت سمع وبصر الأمم المتحدة ، والتي يدينها القانون الدولي ، كما أنه يطرح أيضا تساؤلا مهما حول تداعيات التعتيم التي أحدثها الإصرار على سحبه وحذفه وكأنه لم يكن .. وكيف أنه ذلك يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين بعد أن غضت الأمم المتحدة الطرف عن تقرير لم يعترض أحد على محتواه أو مضمونه كما قالت مسؤولة الإسكوا في خطاب الاستقالة ..
ولكنها الضغوط في وقت لا تقوى فيه الأمم المتحدة على مقاومة التيار خاصة وأنها في حاجة إلى أموال المانحين لدعم ميزانيتها وإلا توقفت كثير من أنشطتها بما فيها دعم اللاجئين الفلسطينيين ..
في النقطة الثالثة ..
ان التقرير ربما لو تمت مناقشته داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة لحاز دعما هائلا وأحدث فارقا كبيرا على الصعيد الدولي ربما يفوق كثيرا ما حققه من ضجة سياسية وإعلامية بسحبه من موقع الأمم المتحدة ..
ففي حالة مناقشته داخل الجمعية العامة لصوت عليه بالإجماع تقريبا التكتلات السياسية العربية ، ودول عدم الانحياز ، وربما دول من داخل الاتحاد الأوروبي، قياسا على مواقف غربية كثيرة انحازت ضد سياسات إسرائيل في الاستيطان وضد تصدير منتجات المستوطنات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي ..
والواقع أن التقرير الذي يخلص إلى أن «إسرائيل تقيم نظام تمييز عنصري يسيطر على الفلسطينيين ككل قد أحدث صدمة لدى إسرائيل لأنها تدرك تماما خطورة «أول تقرير من نوعه» تصدره وكالة تابعة للأمم المتحدة ..
يسلط الضوء على «الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وهي جرائم تصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية» ..
بما يفتح المجال أمام السلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات والأفراد الفلسطينيين لمقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية وأمام المحاكم في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة ..
في النقطة الرابعة ..
فيما يتصل بالمحتوى والمضمون اعتمد تقرير الإسكوا على القواعد العلمية الصارمة في الاستقصاء وعلى الأدلة والحقائق على الأرض ليثبت أن إسرائيل أسست نظام أبارتايد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأجمعه وأنها مذنبة بارتكاب جريمة الفصل العنصري (أبارتايد) كما تعرفها مواد القانون الدولي ..
والذي تبنته حكومة بريتوريا العنصرية سابقا في جنوب إفريقيا خلال الستينات من القرن الماضي وادين بأنه (جريمة فصل عنصري) ..
وهو عبارة عن «أية أفعال لا إنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى وتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام « ..
ووفق المحتوى يركز التقرير على أن مبدأ الدولة اليهودية يمثل القلب من هذه السياسات وخاصة عندما أصرت إسرائيل على أهمية الاعتراف بها كدولة دينية تستوجب تبادلا للأرض مع السلطة الفلسطينية في بعض المناطق ..
ليتسنى لإسرائيل ترحيل مواطنيها من عرب 48 إلى خارج الخط الأخضر في فلسطين التاريخية وهو ما أكد عليه التقرير من خلال الإشارة إلى أن « قصد» الهيمنة العرقية يبدو ظاهرا في عدد من القوانين والممارسات الإسرائيلية ..
بل يبدو النظام الإسرائيلي كما يقول التقرير مصمما لهذا الغرض بشكل جليّ في مجموعة القوانين الإسرائيلية وخاصة مبدأ الدولة اليهودية وهو ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود الغرض والمقصد ..
هذه واحدة الثانية فيما يخص مكون الأرض التي تقوم عليها إسرائيل نجد أن التقرير يقدم بعض الأمثلة على الأبارتايد في مقدمتها ..
القانون الأساسي (الدستور) الإسرائيلي الذي ينص على أنه لا يجوز بأي شكل من الأشكال نقل الأراضي التي تحتفظ بها دولة إسرائيل أو هيئة التطوير الإسرائيلية أو الصندوق القومي اليهودي ، مما يضع إدارة هذه الأراضي تحت سلطة هذه المؤسسات بصورة دائمة وهذه الأراضي قانوناً، مُحرّم استخدامها أو تطويرها أو امتلاكها على غير اليهود ، وبالتالي وفق تقرير «الإسكوا» فإن هذه القوانين تجسّد مفهوم «الغرض العام» كما يرد في القانون الأساسي الإسرائيلي ..
ورغم أنه يمكن تغيير هذه القوانين بالتصويت في الكنيست كما يقول التقرير فإن القانون الأساسي ينص على أنه يحظر على أي حزب سياسي الطعن في ذلك الغرض العام حيث يجعل القانون الإسرائيلي معارضة الهيمنة العرقية غير قانونية فعلا ..
النقطة الأخطر في الأبارتايد كما يوضحها التقرير تكمن فيما يسميه بالهندسة الديموغرافية التي تمثل أحد المجالات التي تخدم سياسات إسرائيل في الحفاظ عليها دولة يهودية ..
وأشهر قانون في هذا الصدد هو قانون العودة الذي يمنح اليهودي أيا كان بلده الأصلي حق دخول إسرائيل والحصول على جنسيتها في حين يُحجب عن الفلسطينيين أي حق مماثل بصرف النظر عما يحملونه من وثائق وإثباتات ..
ووفق هذه الهندسة الديموغرافية فإن التقرير يوضح أنه منذ عام 1967 يعيش الشعب الفلسطيني في أربعة «فضاءات» يُعامل فيها السكان الفلسطينيون معاملة مختلفة في الظاهر لكنهم يتشاركون في الواقع اضطهادا عنصرياً في ظل نظام الأبارتايد وهذه الفضاءات هي ..
• القانون المدني – مقترناً بقيود خاصة – المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون مواطنين في إسرائيل ..
ويضم هذا الفضاء حوالي 1.7 مليون فلسطيني يتعرضون اليوم للاضطهاد لأنهم ليسوا يهودا ..
• وقانون الإقامة الدائمة المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في مدينة القدس ..
وهذا الفضاء الثاني يعيش فيه نحو 300 ألف فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية ويعانون التمييز في الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل وفي حقوق الإقامة والبناء.
• القانون العسكري المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون منذ عام 1967 في ظل الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنهم من يعيشون في مخيّمات اللجوء ..
ويشمل هذا الفضاء الثالث قرابة 6.6 مليون من الفلسطينيين الذين يعيشون في الأرض الفلسطينية المحتلة 4.7 مليون منهم في الضفة الغربية و1.9 مليون في قطاع غزة ..
وتدار هذه الأرض على نحو يتطابق تماما مع تعريف الأبارتايد في اتفاقية مناهضة الأبارتايد.
• والفضاء الأخير تمثله السياسة التي تمنع عودة الفلسطينيين سواء كانوا لاجئين أم منفيين يعيشون خارج المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل.
ويشمل الفضاء الرابع ملايين الفلسطينيين اللاجئين والمنفيين الذين يعيش معظمهم في البلدان المجاورة ويحظر عليهم العودة إلى ديارهم في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة وتبرر إسرائيل رفضها عودة الفلسطينيين بعبارات عنصرية صريحة كما يقول تقرير الإسكوا ..
ويقدر التقرير عددهم بخمسة ملايين منهم لاجئون ينتظرون تطبيق حقهم في العودة إلى أرضهم لإعادة بناء حوالي 500 قرية ومدينة دمرتها إسرائيل ..
وفي هذا الإطار فإن التقرير يعتبر التهجير المادي للفلسطينيين كان رديفاً للنفي المعنوي المتمثل في إنكار وجودهم كشعب ثم جرى احتلال ما تبقى من بلادهم في عام 1967 حيث يعانون تحت الاحتلال من سياسات القتل والسجن والإبعاد ومصادرة الأراضي دون مساءلة ومحاسبة دولية ..
وهو ما يعطي دافعا للسلطة الفلسطينية من أن تتحرك على وجه السرعة لتحيل ملف إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبتها على كل الجرائم التي ارتكبتها وبأثر رجعي، اذا كان هذا ممكنا !!