لقاءات موسكو وأنطاليا ومفاوضات جنيف 5

ماجد كيالي –
كاتب فلسطيني –

من موسكو إلى أنطاليا، مرورًا بآستانا وجنيف، هكذا بات الصراع السوري، أو الصراع على سوريا، محورًا للتحرّكات السياسية الدولية والإقليمية، بالنظر لتعدّد الدول المنخرطة في هذا الصراع بشكل مباشر أو مداور، وبحكم اختلاف أجنداتها وتضارب مصالحها.

في هذا الإطار شهدنا في الأيام الماضية لقاءات على مستوى القمة فائقة الأهمية، بالنسبة للوضع السوري، إذ شهدت موسكو لقاءي قمة عقدهما الرئيس الروسي بوتين مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، ومع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل على حدة، وفي يومين متتاليين. وعلى رغم أن هذين الاجتماعين منفصلين إلا أن موضوعهما انصبّ على مناقشة الوضع السوري، وضمنه وضعية إيران في المنطقة وخاصة في سوريا؛ هذا إضافة إلى القضايا الثنائية طبعًا.
أيضًا، فقد شهدت مدينة أنطاليا التركية اجتماعًا لرؤساء أركان جيوش الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا، ما يوضح حجم التنسيق الذي بات يجمع هذه الدول في معالجة الشأن السوري (والعراقي)، وإن من مدخل مواجهة «داعش»، وفي شأن معركة الرقة.
على ذلك من المتوقّع أن تكون المفاوضات التي جرت بالفعل في جنيف 5 قبل أيام قليلة المفاوضات الأكثر أهمية التي عقدت حتى الآن، لإيجاد حل للصراع السوري ـ السوري، فنحن هنا، أولاً، إزاء جدول أعمال واضح، ولا يمكن الحياد عنه، وهو سيناقش حصراً قضايا التغيير السياسي في سوريا، إذ إن المبعوث الدولي دي ميستورا أكد في تصريحات له أن المفاوضات ستجري بحسب قرار مجلس الأمن الدولي (2254)، وأن الهدف المتوخّى يتضمن إقامة حكومة شاملة وغير طائفية خلال 6 أشهر، وصياغة الدستور خلال 6 أشهر أخرى، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية العملية، التي تستغرق 18 شهرًا.
وكان ستيفان دي مستورا استطاع في الجولة السابقة، وبضغط من الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، حصر جدول أعمال المفاوضات في جولة جنيف 5 بأربعة بنود، هي: الحوكمة، أو إنشاء حكومة مشتركة، وصوغ الدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب. وفيما يخص البند الأخير ثمة تصريحات لدى مستورا تفيد بأن هذا البند سيتضمن أيضًا قضية وجود الميلشيات الأجنبية في سوريا، وأن القضايا المذكورة ستبحث بالتوازي وليس بالتوالي، أي ستتم مناقشة كل قضية على حدة في مفاوضات خاصة، بحيث يكون ثمة أربعة مسارات لجولة المفاوضات الأخيرة.
ويجدر بنا التنويه هنا إلى أن المبعوث الدولي رفض مناقشة القضايا المتعلقة بوقف القتال وحل المسائل الإنسانية ومكافحة الإرهاب (من الناحية الإجرائية) في مفاوضات جنيف، تاركًا ذلك لمسار «أستانأ»، أي للمفاوضات المقبلة في العاصمة الكازاخية، وأنه أعد نوعاً من اتفاق إطار أو «لا ورقة»، من 12 بندًا، قدمها إلى الطرفين المتفاوضين لمناقشتها وإقرارها، في الجولة المقبلة.
ثانيًا، دارت هذه المفاوضات – جنيف 5 – في مناخات جديدة ناجمة عن دخول الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة على خط الصراع الدائر في سوريا، ولو من باب مواجهة «داعش»، ومعركة إخراجها من مدينة الرقة (كما الموصل)، الأمر الذي تم التعبير عنها بتدعيم قواتها العسكرية في الأراضي السورية، في الشمال؛ وهذا تطور مهم على أصعدة كثيرة، ضمنها علاقات القوى في الصراع السوري.
ولعل التنسيق الميداني، بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، الذي تمثل في اجتماع رؤساء أركان هذه الدول في أنطاليا، في تركيا، في الأسبوع الثاني من هذا الشهر؛ هو مؤشر على ذلك.
ثالثًا، تزايد تباين الأولويات والمصالح بين روسيا وإيران بشأن من يملك قدرة التقرير بمصير سوريا. ولعل هذا ما عبّر عنه دي مستورا بتصريحه أمام جلسة مجلس الأمن الدولي (9/‏‏3) أن مفاوضات جنيف ستتناول في بند مكافحة الإرهاب وضع الميليشيات الأجنبية في سوريا، وما عبرت عنه سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي التي تحدثت عن إخراج وكلاء إيران من سوريا، على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها. وبديهي أن الحديث هنا لا يدور عن تهديد إيران كدولة، وإنما يدور عن تمدد نفوذها الإقليمي.
رابعًا، هذه الجولة الأخيرة من المفاوضات تأتي بعد اجتماعات القمة في موسكو، التي جمعت الرئيس بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل على حدة (يومي 9 و10/‏‏3)، وفيه تمت مناقشة الوضع السوري، والنفوذ الإيراني في سوريا؛ عدا عن قضايا التعاون الثنائي.
المعنى من كل ما تقدم أن الجولة التفاوضية الأخيرة في جنيف، هي بالفعل مهمة جدًا، ليس باعتبارها ستحل المشكلة، لكن باعتبارها ستشكل المفتاح لإيجاد حل للصراع السوري، الذي دخل الآن عامه السابع، فهل يتحقق ذلك، كما يأمل معظم السوريين؟ هذا ما سنعرفه خلال الأيام والأسابيع القادمة، ولنأمل أن يحصل ذلك.