القمم العربية .. متى تكشف صندوقها الأسود؟!

د.عبد العاطي محمد –

تنفرد القمم العربية دون غيرها من الاجتماعات الإقليمية الدولية بأنها استطاعت أن تصنع لأدائها «صندوقا أسود» لا يبوح بأسراره بل يبقى سرا من أسرار السيادة لا يمكن الاقتراب منه يوما من الأيام مهما كانت الضغوط. فعلى مدى ما يزيد عن نصف قرن توالى فيه عقد هذه القمم سواء أكانت عادية أو طارئة اعتاد المتابعون لها أن يطرحوا تقديرات مسبقة وأن يحاولوا جهدهم كشف ما وراء الكواليس وأن يقيموا النتائج. القليل منها حالفه الصواب بينما ذهب الكثير أدراج الرياح لا لشيء سوى لأن هناك اتفاقا ضمنيا بين الأنظمة العربية على أن تبقى الحقائق حبيسة الصندوق الأسود.
لا وجود لمثل هذا الصندوق من الناحية الشكلية بالطبع. ولا يعني الحديث عنه أن مؤسسة قائمة بالفعل، ولكنه استعارة من عالم الطيران للتعبير عن بناء افتراضي مرغوب من الأنظمة العربية لإحاطة أسرار علاقاتها ومواقفها بقدر كبير من التجهيل والغموض لأسباب تنفرد بها الحالة العربية عن غيرها من بقية العالم. ولا وجود شكلا وموضوعا لمثل هذا الصندوق في أية تجمعات أو منظمات إقليمية وعالمية أخرى، لأن الجميع فيها لا يخشى بعضه البعض ولا يتربص به مهما كانت قوة الخلافات أو الأزمات بينهم، فتلك من طبائع الأمور بقدر تنوع وتضارب الظروف والمصالح. ولكن المنطقة العربية منذ عهد الاستقلال الوطني وتأثرا بما ورثته من عهود الاستعمار الطويلة لأعضائها حساسية مفرطة تجاه سيادتها الوطنية من جهة، وتباين إمكانياتها وثرواتها من جهة أخرى، وصراعها على النفوذ والتأثير على الآخرين من جهة ثالثة، تجعل المصارحة والمكاشفة فيما بينها من باب المستحيلات، وهكذا تبقى أسرار علاقاتها طي الكتمان داخل صندوق أسود ممنوع الاقتراب منه أو حتى الكشف عن القليل من أسراره.
لا عجب إذن من تكرار نفس المشاهد التي تسبق عقد قمة ما أو خلال انعقادها أو متابعة نتائجها على مدار عام تال انتظارا للقمة الجديدة. فهناك من التقارير التي تسبق قمة ما تتحدث عن إنجاز تاريخي على موعد مع انعقادها تصوغه في عبارات محددة تتعلق بقرار ما في أزمة بعينها، أو لحجم المشاركة الكبير فيها من القادة، أو تطلقه على صعيد العموميات. وهناك من يسارع بإطلاق الأوصاف كعناوين لهذه القمة وتلك، كأن يقال إنها قمة المصالحة ولم الشمل أو قمة التضامن أو قمة التحدي.. ألخ. وبالمقابل هناك من التقارير التي تقدم صورة معاكسة فتتحدث عن العجز وتعثر العمل العربي المشترك والخلافات وضعف مستوى الحضور وتصل أحيانا إلى التنبؤ بأنها لن تنعقد من الأصل. وخلال الانعقاد يجتهد المعنيون بمتابعة هذه القمم بالتوصل إلى معلومة هنا أو هناك تميط اللثام عن قرار أو موقف معين تجاه أزمة بعينها أو تتعلق بمسار العلاقات الثنائية أو الجماعية أو بآليات جديدة للعمل العربي المشترك. ولا بأس أن يتوقف هؤلاء عند بعض المشاهد المثيرة، وهى كثيرة، مما يفتح الشهية لبناء تصور ما يترتب على هذا المشهد أو ذاك، وغالبا ما يجرى التركيز على هذه المشاهد لا لشيء سوى لإثارة الرأي العام العربي وشغله بالأمور الفرعية طالما أنه لم يرشح شيئا نافعا حقا للشعوب العربية. وما أن تنفض القمة حتى يذهب كل إلى عالمه الخاص ولا يعتني بالنتائج المفترض أنها كانت منتظرة ولا يعود الاهتمام مجددا إلا عندما يستيقظ الناس على اقتراب موعد القمة الجديدة فتبدأ آلة الانشغال في العمل بنفس المنهج والأداء.
ما كان لهذا المسار الرتيب، بل والممل، أن يمضى على هذا النحو وطوال كل هذه العقود الطويلة من الزمن لولا وجدود هذا الصندوق الأسود الذي اتفقت أو توافقت عليه الأنظمة العربية وفيه تبقى الحقائق التي تصنع المواقف وتحركها طي الكتمان، بينما ما ينشغل به المعنيون بالشأن العربي والرأي العام هو خارج هذه الحقائق إلى حد كبير. الملفت أن الخطاب المعلن سواء من جانب الجامعة العربية بوصفها المنظمة الإقليمية المعبرة عن أهداف وأفعال الأعضاء، أو من جانب بيانات القمم العربية، يحمل دائما رسائل واضحة وضوح الشمس تتحدث عن الاتفاق ووحدة المواقف والتمسك بما يسمى الثوابت العربية، وعن العزيمة القوية على تفعيل هذه المواقف، بل وعن أنها شديدة الحرص على تحقيق أحلام الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. وتتجنب الإشارة إلى أي خلافات أو حتى تباين في وجهات النظر حول قضية ما، مع أن هذا من طبائع الأمور، ولا يمثل صدعا في البناء العربي. والغريب أن يكون هذا هو الأسلوب المتفق عليه في توجيه الخطاب إلى الرأي العام، بينما لا يتردد أصحابه عن الحديث دائما عن أهمية المصارحة والمكاشفة!. العبارات العامة التي تلازم بيانات القمم العربية مريحة للأنظمة العربية لأنها لا تلزمها بشيء محدد، حيث الالتزام يعني تحمل المسؤولية، وللأخيرة ثمنها ولا تود معظم الدول أن تدفع الثمن كبر أو صغر. كما أنها مريحة للشعوب العربية لأنها تؤكد لهم أنه لا تفريط في كل ما يدخل في نطاق الثوابت التي تحمى الحقوق والمصالح لهم جميعا. ولكن هذا يكون مقبولا عندما تكون التحديات هينة أو بسيطة، بينما لا يكون مقبولا عندما يكون الخطر ماثلا للعيان وواقع يعيشه الناس خصوصا في مناطق الأزمات. ولنا من القمة الأخيرة بالأردن (القمة العادية 28) أمثلة على أي مدى أصبح «الصندوق الأسود» للقمم العربية عبئا لم يعد بالإمكان تحمل ضروراته. في تلك القمة وردت عبارة التأكيد والاتفاق على الحل السلمي في الأزمات القائمة في سوريا واليمن وليبيا. هذا هو الموجود في البيان، ولكن ما هو موجود داخل «الصندوق الأسود» يحمل تصورات مختلفة أو خلافية للمقصود بالحل السلمي هنا أو هناك، فما لا تخطئه العين أن الاتفاق على هذا الحل غير قائم في الأزمات الثلاث، بما يعني عقلا أن الأطراف الفاعلة لها رؤى مختلفة عن بعضها البعض. وعظيم أن تتمسك القمة بالمبادرة العربية للسلام وبحل الدولتين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولكن الطرف الأمريكي الذي تتجه إليه القمة بهذا الخطاب له رؤية مختلفة تتحدث -كما تردد- عن دولة فلسطينية مؤقتة ومؤتمر إقليمي عربي إسرائيلي لإضفاء الشرعية عليها ، وهو ما لا يتفق مع المبادرة العربية للسلام. والأطراف العربية المعنية تريد أن تكسب الإدارة الأمريكية الجديدة لا أن تغضبها وتنتظر منها دورا مهما للحل، بما يعنى أن هناك تنازلا عربيا واقعا لا محالة!. القمة أغمضت عينيها عن هذه الحقيقة وسوقت للشعوب العربية أنه لا تنازل، بينما تركت الكلمة الحقيقية لما يحتويه «الصندوق الأسود» من أسرار. وعظيم أن تشهد القمة مشاركة عربية كبيرة على مستوى القادة لأن ذلك دليل بالتأكيد على ارتفاع مستوى التضامن العربي قياسا بسنوات مضت، ولكن في نفس الوقت عجزت الشواهد الظاهرة عن تفسير غياب قيادات كان من المعلن سلفا مشاركتها، وكذلك عدم حدوث ما يسمى بالمشاورات الجانبية بين البعض، وحدوثها بين البعض الآخر، فيما أطلقت عليه وسائل الإعلام مصالحات مهمة. مثل هذه الظواهر هي من أسرار «الصندوق الأسود» لا من طبيعة ما يعد معتادا في القمم العربية عموما. والمعنى أن الحقائق أبعد مما هو معلن. طالما ظل العمل العربي المشترك أسيرا لمتطلبات هذا «الصندوق الأسود» (الافتراضي) فلا جديد يمكن البناء عليه في المستقبل القريب حيث المد والجذر في مسار الأزمات العربية وغياب الإنجاز الذي يستشعر المواطن العربي ثماره. وقد يكون لمن استكانوا للعمل وفق هذه المتطلبات، أي تجنب المصارحة والمكاشفة وقيادة العمل العربي المشترك من خلف الكواليس، وجهة نظر مقدرة مضمونها أن ليس كل ما يحدث يقال وأنه يتعين إفساح المجال لكل دولة عربية لتتحرك بحرية وفق ظروفها ضمن إطار عام متفق عليه، وأن هذا هو أفضل الممكن أو بالأحرى أقل الأضرار، ولكن بالمحصلة النهائية أو أخذا بمبدأ النتائج للحكم على الأشياء، فإن المسار لا يخرج عن سابقيه، محاولات للحل فردية أو ثنائية أو عبر تحالفات (الكلمة المهذبة للمحاور) قد تنجح أو تفشل وفقا للمعطيات الآنية، وفي نفس الوقت توقع الانتكاسات وتفكك التحالفات وتراجع المصالحات أيضا بسبب نفس المعطيات الآنية. لا أحد يريد المصارحة والمكاشفة لأسباب عديدة كل وفق حساباته. وأما تقديرات المحللين والمراقبين وفرسان الإعلام فإنها تصدق أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى بمقدار قدرتها على النفاذ إلى مكان الصندوق الأسود وقدرتها على اختراقه والكشف عن بعض أسراره. وهي حالة عربية فريدة في التعقيد.