إضاءة :مبدأ أصيل

سالم الحسيني –
العلاقة بين الإنسان وما يتقلّده من مناصب ومسؤوليات ومهن وظيفية علاقة طردية فكلما كبرت تلك المهن والمسؤوليات زادت المسؤولية الملقاة على عاتق أصحابها وبالتالي فان ما يتخذه المسؤول من قرار له تأثيره المباشر سلبا أو إيجابا على الفرد والمجتمع وربما يتعدى ذلك التأثير النطاق الجغرافي لبلد أو وطن معين ليعم العالم اجمع ولأهمية مبدأ الشورى فقد أنزل الله سورة كاملة من القرآن الكريم سماها سورة الشورى مما يؤكد الأهمية البالغة للشورى ولمـكانتها الرفيعة في نظر الشارع الحكيم.
ومن هنا فإن المرء عليه ان يستشعر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه ويحسب ابعادها خصوصا اذا ما أسندت إليه مسؤولية قيادية نافذة تحدد مصير أفراد او مجتمع او وطن بأكمله وحتى لا يقع في شراك لا مناص للخروج منه عليه ان يتقاسم الرأي والمشورة قبل اتخاذ القرارات المصيرية ولأهمية ذلك الامر فقد امر الحق سبحانه وتعالى نبيه الكريم – وهو المعصوم من الوقوع في الزلل – بمشاورة أصحابه من ذوي الخبرة والرأي الحصيف حيث يقول سبحانه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، وقد امتدح الحق سبحانه المؤمنين التزامهم تطبيق هذا المبدأ الأصيل حيث يقول: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).. وكان النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم يغرس في أمته هذا المبدأ العظيم فكان ذلك من سنته القولية والفعلية فقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم». وكانت الحضارات السابقة تنتهج هذا النهج الحكيم حيث حكى القرآن الكريم عن ملكة سبأ عندما تلقت كتابا من سيدنا سليمان عليه السلام جمعت قومها لتشاورهم في الأمر.. (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) وذلك دليل على حصافة رأيها ورجاحة عقلها وكانت مملكتها بلغت شؤا عظيما في التقدم والرقي. وقد ذكر بعض العلماء ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع نظاما محددا للشورى، لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية والزمانية والمكانية، وإنما أتى الإسلام بمبادئ مقررة ومحددة، وترك تطبيقها وتنفيذها لمقتضيات كل عصر.
ومن يستقرئ التاريخ يرى ان الدول التي لم تطبق هذا المبدأ تأخرت ورجعت القهقرى وتناوشتها قوى الاستعمار حتى تمكنت منها تنهش خيراتها وتستعبد ابناءها لذلك نرى دول العالم المتقدم اليوم تسند قراراتها المصيرية إلى مجالسها الاستشارية التي تتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية ملزمة والتي يديرها أشخاص ذوو كفاءات عالية في شتى فنون العلم والمعرفة لا تجيز أي قرار ترى انه لا يتماشى مع المصالح العليا للوطن فكانت تلك التشريعات ضمن الأجندة الأساسية في دستورها الوطني فلذلك شقت طريقها نحو التقدم والنمو والازدهار بخطى واثقة حثيثة حتى حجزت لها مقعدا أمميا له مكانته المعتبرة بين الدول.
وفِي المقابل نرى الكثير من البلدان اليوم عندما تخلت عن هذا المبدأ الاسلامي العظيم وحل مكانه مبدأ (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) كانت النتيجة الحتمية.. (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) لذلك عاش المسلمون بعد عهد الخلافة الراشدة في صراعات مختلفة. فلابد للسفينة دائما من ربان ماهر يوجهها إلى بر الأمان ويستعين في ذلك بقبطان قوي أمين يدرك أهمية القيادة ومسؤولياتها.. وما هذه الصراعات التي اوجدتها قوى الاستعمار اليوم ووجدت فيها فرصتها للاصطياد في الماء العكر الا نتيجة غياب ذلك الركن الركين من مبادئ الدين الاسلامي. الحنيف.