بنجامين فرانكلين.. العالم والكاتب والسياسي الفذ

طائرة ورقية تتصل بسلك معدني في نهايته مفتاح، هي كل ما استخدمه العالم الأمريكي وأحد أبرز الرؤساء الذين تولوا حكم الولايات المتحدة الأمريكية بنجامين فرانكلين ليثبت حقيقة نظريته التي تتحدث عن وجود شحنات كهربية في الصواعق يمكن الحصول عليها وتحويلها إلى شرارة كهربية، ورغم أن الاحتمالات تشير إلى أن تجربة «فرانلكين» لم تغادر مخيلته إلى التطبيق العملي قط، خاصة أنه لا يوجد في تسجيلاته الشخصية ما يدل على زمانها أو مكانها، إلا أن ذلك لا ينفي كونه أول من تحدث عن الكهرباء، عندما نشر كتابه الشهير «تجارب وملاحظات على الكهرباء» Experiments and Observations on Electricity، في عام 1747، والذي أثبتت الأيام صحة الكثير من نظرياته حول الكهرباء، التي أوصلته إلى ابتكار مانعة الصواعق التي تحمي المنازل والسفن من ضربات الصواعق والبرق.
هذا الدبلوماسي والسياسي الفذ، المولود في بوسطن عام 1706م، والذي دعا إلى احترام كرامة الإنسان ونبذ العنصرية وإلى الكثير من المثل العليا الأخرى، الرجل الذي يعد أحد أهم العقول التي أنجبتها الولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن من حملة الشهادات، فقد التحق في أحد مدارس بوسطن لمدة عامين فقط، عمل بعدها مساعدًا لأبيه في تجارة الصابون والشموع.
استطاع لاحقا أن يؤسس مدرسة تدعو إلى التركيز على التعليم العملي في التجارة والخدمات العامة، أصبحت فيما بعد تعرف بجامعة بنسلفانيا. وحين بلغ سن الثانية عشر، عمل كمساعد لأخيه في إحدى المطابع، ولتعويض ما فاته من العلم، كان يدخر نقوده لشراء الكتب، ويعمل على إعادة كتابة ما حفظه من تقارير ومقالات معتمدا على ذاكرته.
تكشف قائمة ابتكارات «فرانكلين» عن شخص متعدد المواهب والاهتمامات، فقد كان لديه فضولا فطريا حول نظرية عمل الأشياء جعلته دائم التفكير في تحسين أدائها وكفاءتها، وعلى الرغم من عدم شهرته كدارس للعلوم الحيوية، إلا أن شغفه المماثل بطريقة عمل الجسم البشري جعلته يطور، في سنوات صغير، أول قسطرة بولية مرنة يتم إنتاجها في أمريكا، في محاولة لمساعدة أخيه الذي عاني من بعض الحصوات الكلوية، كما ابتكر زعانف السباحة في عمر 11 سنة، وقدم في وقت مبكر من عام 1784 طريقة مبتكرة في تصميم السفن ساعدت على تلافي الحوادث المتكررة للغرق نتيجة تسرب المياه إليها.
نال عدة شهادات فخرية من جامعات عريقة كأكسفورد وهارفارد وغيرها. يقول فرانكلين واصفا نهمه للقراءة أنه لا يذكر زمنًا لم يكن يقرأ فيه، ذاكرته القوية والقراءة المستمرة أعانتاه على إلمام وحفظ الكثير من المفردات والعبارات، الأمر الذي مكنه من اقتحام عالم الكتابة بكل يسر. وقد نشر عدة مقالات بالاسم مستعار Silence Dogood، وهو اسم اتخذه لامرأة وصفها في بعض مقالاته، اهتم في جميع كتاباته تلك بمناقشه أوجاع الآخرين، واستطاع اجتذاب القراء بالفكاهة والنقد الاجتماعي، أصدرت مقالاته هذه من صحيفة New England Courant التابعة لأخيه.
تعلم الفرنسية بعد سن الكهولة، وترجم عددًا من كتبه الإنجليزية إلى هذه اللغة، إضافة إلى تعلمه شيئا مما يلزمه من لغات أخرى كالإسبانية والإيطالية والألمانية، وتعد ترجمته التي كتبها إلى نفسه أطول مؤلفاته ولم يتمها إلى نهايتها ولم تظهر في حياته، وله أيضا رسالة في الأخلاق كتبها في انجلترا وسماها «مبحث في الحرية والضرورة والسرور والألم».

الإنخرط في السلك السياسي
لم تعهد المهام السياسية في عصر فرانكلين إلى الزعماء والقادة فقط، فالشعب الأمريكي في ذلك الوقت كان يندب الرجل المناسب أيا كانت مهنته لحل مشاكله، وكان بنجامين فرانكلين واحد من هؤلاء الرجال المدخرين للشدائد. وقد عمل في مجالات متعددة في الحقل السياسي، كقيادة الرأي العام والمفاوضات والإدارة والتنظيم ومباحث الحكم وفلسفة الاجتماع. كما تولى المفاوضة في بلده بين البيض والهنود الحمر، وبين الولايات وأبناء كندا الفرنسية، وكان نائبا عن بلده في مفاوضاتها من إنجلترا، وساهم في كتابة الوثيقة التي أعلنت استقلال الولايات المتحدة من الاستعمار البريطاني.
يذكر كروثر صاحب كتاب «مشاهير رجال العلم»، أن أسبابًا عدة هيئت للرجل النجاح في الجانب العلمي، منها ميله للتجربة، ومعاصرته لنيوتن واطلاعه على قوانينه التي علل بها حركات الأجسام العلوية والسفلية، وألوان النور المنبعث من الشمس ومن المصابيح الصناعية. إضافة إلى أنه كان سليل آباء وأجداد من الصناع الذين تعودوا على التجربة العلمية في تركيب المعادن والأجسام.
دافع عن حق العبيد في الحرية فقد كان يرى الرق مفسدة للمجتمعات التي ينتشر فيها، لأنه يركن بالسادة إلى الكسل والكبرياء والتجبر، لذا أوصى بالاعتماد على العمل المأجور وتنبأ بشيوع ارتفاع الأجور في العالم تبعًا لارتفاعها في الولايات الأمريكية بعد إلغاء الرقيق. ففي عام 1787م قدم التماسا للكونجرس يقضي بإلغاء الرق من المجتمع الأمريكي، وبالرغم من رفض هذا الطلب بقي مدافعًا عن حقوق هؤلاء المستضعفين.
عانى في منتصف حياته من السمنة التي سببت له الكثير من الأمراض فيما بعد كالنقرس وغيره، وظهر عام 1787م خلال توقيع الدستور الأمريكي في حالة صحية سيئة، وتوفي عام 1790م، نتيجة لإصابته بالتهاب الجنبة، وحضر جنازته ما يقرب من العشرين ألف شخص، ودفن في فيلادلفيا.
ومن الحكم والأقوال المأثورة التي أوردها في مقالاته:
– قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه.
– لا تستحسن من يستحسن كل ما تقول.
– بم تعبد الخالق؟ بالإحسان إلى الخلق.
– فضيلة وحرفة خير ميراث للوليد.
دروس وعبر كثيرة قد تتعلمها من خلال اطلاعك على سيرة بنجامين فرانكلين ، ولقد كان سببا لإلهام الكثيرين ممن قرأوا عنه فهو نموذج لا نقابله أو نسمع عنه كثيرا من العلم والأخلاق والسياسة والفضيلة.