972038
972038
شرفات

قصة قصيرة : حياة أخرى

03 أبريل 2017
03 أبريل 2017

أحمد الرحبي -

لقد استيقظ بعد نوم عميق كأنه يكتشف الحياة للمرة الأولى بذاكرة معتلة أو مصدوعة، فترة طويلة قضاها في النوم بعد حمى شديدة ألمت به في اليوميين الماضيين عانى منها أشد المعاناة، استيقظ وفي داخله ذكرى ضبابية لأنقاض حياة سابقة،لا تظهر بشكل جلي وواضح برغم إلحاحها وسيطرتها على تفكيره، وبرغم كده لذاكرته في محاولة منه لتظهير صورة هذه الذكرى العالقة ولجعلها أكثر وضوحا.

كان قد نام أمس مبكرا، ولا تصف كلمة مبكر هنا في حالته من ذهب لملاقاة النوم طائعا كما هي العادة، ولكن النوم في بكرة المساء مباشرة، بعد أن استولت العتمة على آخر شعاع من أشعة الشمس ،ولم يكن النوم بشكله الطبيعي ووداعته في الاستئذان من حواس الإنسان بأخذها والدخول بها الى كهفه المعتم ،في الحقيقة هو الذي جعله يبكر هكذا، ولكن مصرعه أمام شدة هجوم الحمى وعنف الاجتياح لجسده،هو الذي جعله يدخل في غيبوبة عميقة امتدت لأكثر من 18 ساعة، استيقظ وهو يحمل تلك الذكرى البعيدة لحياة معاشة قضاها، ربما هي مختلفة عن الحياة التي يتنفسها الآن، لقد ظلت هذه الهواجس تسيطر عليه وتشغل تفكيره، هل هو حقا من نام قبل 18 ساعة؟ وهل هو ذاته الشخص الذي يستيقظ من النوم بعد هذه الفترة الطويلة؟ وما هذا الأثر الضبابي الذي يسيطر على ذاكرته يجعله متعلقا به بقوة، ويجعله دائم الإصرار على تتبع مقاربة ولو بسيطة له؟.

لم يفلح برغم محولاته التوغل عميقا والغوص في ذاكرته والتفتيش فيها، من الخروج بشيء واضح وملموس لهذه الذكرى التي تلح عليه، وهو غارق في هواجسه مازال في وضع الاستلقاء في السرير منطقة النوم العائد منه بذكرى غائمة لم تنجل على شكل واضح مفهوم، هاجمه جوع شديد مما اضطره أن يغادر السرير للبحث عن شيء يؤكل في المطبخ، كانت بعض الأشياء المحفوظة في الثلاجة كفيلة بدرجة صلاحية مضمونة للأكل وان كانت تقبع هناك منذ زمن ليس بالقصير، بأن تسكن غائلة جوعه فهو لم يعتد الطبخ الا فيما ندر خاصة في ظل حياته التي يعيشها وحيدا مبدد أغلب الأوقات فيها ما بين العمل والحانات والمقاهي فلا يعود إلا للنوم، وكأنه ملتزم فقط بحرصه على الوفاء بالعهد مع سريره، أخذ ما تيسر من الطعام الذي وقعت عليه يده في الثلاجة وحمله معه الى الصالة يقتات منه وهو يشرع مرة أخرى في التفتيش في ذاكرته بحثا عن ثغرة ولو صغيرة في الولوج الى المنطقة الضبابية التي تختفي في العمق منها ذكرى قريبة الحدوث ما زالت تتخايل له بشكل قوي وان كانت أقرب الى التجريد ،وسط انهماكه في البحث عن باب للدخول الى ذكراه المستعصية القابعة في رأسه، تذكر أمر الدواء الذي تناوله أمس في تسكين حدة الحمى والذي يعتبر دليلا حقيقيا ملموسا، أنه آخر ما لجأ إليه قبل أن يستغرق في النوم، وآخر المهام التي قضاها هو تناول هذا الدواء، الذي يبحث عنه الآن في كل مكان في الشقة، ولا يجد له أثرا بالمرة.